في كتاب «أديان ومذاهب سرية»: الجدلية بين المفهوم الروحي والممارسة العقائدية

لماذا تعددت الأديان والمذاهب منذ بدء الخليقة؟
لعل قراءة في تاريخ البشرية تسلط الضوء على جانب من هذا السؤال، إذ أن اختلاف الأديان استند إلى تعدد الرسالات السماوية ومفهومها وتحديد علاقة الإنسان بخالقه.
في حديث خاص مع الكاتب جمال حيدر تزامن مع صدور كتابه تحت عنوان «أديان ومذاهب سرية» عن دار لندن للطباعة والنشر، اعتبر أن الأديان تنتمي إلى مصدر واحد وهي مستنسخة عن بعضها انطلاقاً من فجر الحضارات، وهي بذلك تشكل سلسلة مترابطة في حياة البشرية.
يتناول الكتاب، أديانا ومذاهب قد توصف بالسرية خشية من الأديان الثلاثة الرئيسية، وتمتد على مساحات تعبدية محدودة، ولهذا السبب حاصرها كثير من الإشاعات والاتهامات وبعض الأحيان الخرافات، ما حال دون معرفة حقيقتها، وهنا تأتي أهمية الكتاب للكشف عن تلك الديانات والمذاهب، ولكن ما مدى ماهية انشقاقات الأديان لتنتج لنا كل هذه المذاهب؟
الدين.. وأي دين هو عبارة عن ثورة اجتماعية فكرية ومعرفية تسعى إلى ترسيخ مفهوم الحياة وتحديد علاقة المؤمن بالخالق. من هنا تأتي المذاهب باعتبارها ثورة داخل ثورة وذلك لتصحيح المسار «وفقاً لمريديها».
ضم الكتاب عشرة أديان ومذاهب، منها: البهائية، مجموعة الفجر الذهبي، الزرادشتية، الإيزيدية.. وغيرها. في المقدمة يكشف الكاتب عن أن كتابه يبقى استجابة للبحث عن حقيقة تلك الأديان والمذاهب، فالمعرفة هي الخطوط الأولى نحو التسامح واحترام الخصوصية الروحية، والمفتاح لمعالجة الكثير من الأبواب التي تختفي خلفها الأسرار.
في فصل البهائية يسرد الكاتب تاريخ الديانة ومنبعها الفكري، متطرقاً إلى الدعائم الثلاث التي استندت إليها الديانة: وحدانية الله وفردانيته، وحدة الجنس البشري، والأديان السماوية كلها هي أحادية الجوهر، لكنها متجددة من نبي إلى آخر تبعاً لتطور البشرية.
يؤمن الدين البهائي ببزوغ حضارة جديدة، بعيداً عن الاحتراب السياسي والمصادمات الدينية والتنازع الاقتصادي، وهي بذلك تكون فكرة مسبقة عن العولمة التي عرفناها في العقدين الأخيرين. ولعل السؤال الأهم الذي يثير الفضول، لماذا تأسست البهائية في منتصف القرن التاسع عشر في إيران واستقرت في حيفا لتشيد هناك مقرها ومقام مؤسسها بهاء الله. وقد حرّمت البهائية العمل السياسي وقبول المناصب الرسمية والانتماء إلى الأحزاب السياسية، كما دعت الاتباع للتعامل مع الحكومات القائمة بكل أمانة وإخلاص، بعيداً عن ماهية الحكام حتى لو كان محتلاً، وهنا لا بد من الإشارة إلى مجموعة من المذاهب من أديان مختلفة التي تأسست في تلك الفترة الزمنية وهادنت القوى المحتلة والمستعمرة على اختلاف تنوعها. لفت الكاتب في هذا الفصل إلى انتشار البهائية في عدد من الدول العربية والأجنبية، مستعرضاً نسبتهم قياساً للسكان، وأماكن وجودهم الجغرافي، إضافة إلى مدى فعاليتهم في تلك المجتمعات.
في الفصل الثاني من الكتاب تناول حيدر مجموعة «الفجر الذهبي» التي تأسست في عام 1866 في بريطانيا، واكتملت بشكل عام مع تدوين نظامها الداخلي الروحي عام 1888، وهي عبارة عن تيار ديني استعار من مجالات دينية وأخرى وضعية كالمسيحية الباطنية، والكابالا والفرعونية والماسونية والسحر، لتبتدع شكلها الخاص بما يتلاءم مع توجهاتها الفكرية والروحية. وقد حافظت المجموعة العاملة لغاية اليوم على الأعراف السرية للفكر الغيبي، إذ يحظى معبدها الخاص في العاصمة البريطانية لندن، اسم «ضوء أغسطس» بالقبول الاجتماعي المتزايد رغم التكتم الشديد على طقوسها وورشات عملها. في فصل «الزرادشتية» يشير الكاتب إلى أنها من أهم ديانات الشرق القديمة وأكثرها شيوعاً في الأزمنة الغابرة. وتستند الزرادشتية إلى إله واحد مجرد، حيث يؤمن معتنقوها بانقسام النفس الإنسانية إلى قسمين: القوة المقدسة التي تقوم على الفضائل الأخلاقية، والقوة الدنيا التي تقوم على الرذائل، وما بين هاتين القوتين يستقر الإنسان. تنسب الديانة إلى زرادشت المولود قبل ميلاد السيد المسيح بحوالي 600 سنة في أذربيجان، التي كانت تابعة آنذاك إلى بلاد فارس. ومن أبرز مظاهرها احترام النار لاعتبارها مظهراً من مظاهر إله النور، لهذا يبقون على شعلتها مضطرمة، وتقام عادة مراسم خاصة حولها في معابد تعرف بـ»بيوت النار»، التي شكلت في ما بعد الأساس الأهم لعبادتها من قبل الأتباع.

تتلخص فكرة الديانة في تحويل الإنسان وطاقته وعلاقته إلى آلة بهدف تخليصه من التلقائية والمشاعر ضمن هندسة اجتماعية مغايرة لهندسته الطبيعية. وتتعامل الديانة مع اتباعها باعتبارهم مرضى نفسيين وتستولي على أموالهم نظير بلوغهم حالة التسامي.

أما «الأيزيدية» وهي الفصل الرابع من الكتاب، فيؤكد المؤلف أنه دين موغل في القدم، ويعتبر أحد أقدم ديانات بلاد ما بين النهرين. وللأيزيدية كتابان مقدسان هما: «مصحف رشى» وكتاب «الجلوة». ويعتبر كتاب «مصحف رشى» من أقدس الكتب الروحية ويستعرض أول الخليقة، وينظم الشرائع الروحية للأتباع. وتؤمن الأيزيدية أن روح الإنسان بعد موته تحل في جسد آخر أو أكثر (تقمص) لغاية يوم الحساب، والروح الخيّرة تحل في جسد سعيد، فيما تحل الروح الشريرة في جسد حيوان. ويخضع الأيزيديون إلى طقوس دينية قليلة الصرامة، ومنها الصلاة، والصيام، لكنها تُلزم الأتباع بالاقتران في أعوام المراهقة ويسمح بتعدد الزوجات. ولمعبدهم «لاش» في منطقة شيخان في شمال العراق أهمية مقدسة، والذي تعرض إلى احتلال المجموعات الإرهابية المتطرفة التي قامت بسبي النساء الأيزيديات، ولم تعد المنطقة إلى طقوسها إلا بعد اندحار تلك المجموعات.
في الفصل الخامس المعنون بـ «كابالا» يسرد الكاتب تاريخ هذه الفئة التي تتمثل بمجموعة من التعاليم الباطنية واعتمادها بشكل أساسي على كتاب «زوهار» الذي ظهر في القرن الرابع عشر. تعود كابالا إلى أيام السبي البابلي، حيث كانت كتابة التوراة في بلاد ما بين النهرين، علامة بارزة في انتقال الأساطير والعلوم العراقية القديمة إلى حاخامات بني إسرائيل ليكتبوا رؤيتهم، بعد استيعابهم للأساطير البابلية والحكايات والقصص الروحية الشائعة آنذاك. لم تكن تعاليم كابالا مدونة، بل انتقلت عبر الثقافة الشفهية، وهي محاطة بحذر كبير من السرية، لهذا يؤخذ عليها أنها استندت في بداياتها إلى الفكر الغيبي. والمفردة كابالا هي آرامية الأصل وتعني النور أو الإشراق، وتعني أيضاً باللغة العربية القبول أو التلقي، وتطلق على المعتقدات التراثية لليهود، وكانت مقتصرة على دارسي التلمود حصراً. تعتبر تعويذة الخيط الأحمر حول المعصم الأيسر من أهم رموزها، حيث يعتقد الأتباع أن له قوة سحرية عجيبة، ويرفد المؤمن بالمعرفة والإيمان الروحي.
تعددت فرق وجماعات «عبدة الشيطان» وهو الفصل السادس من الكتاب تحت خيمة السرية بسبب محاكم التفتيش التي حكمت على اتباع هذه الديانة بالإعدام والحرق منذ بداياتها، حيث ظهرت العبادة للمرة الأولى بشكل علني مطلع القرن الثالث عشر، وإثر شيوعها دعت كنائس أوروبا إلى حرق اتباعها بهدف اقتلاعها من جذورها. لا يتفق عبدة الشيطان على طقوس معينة، بل يتوقف على خيال وتصور كل مجموعة، ويعد القداس الأسود من أهم تلك الطقوس، كذلك هناك طقس آخر يتمثل بالرقص الهستيري والدوران حول نيران مشتعلة. أما في المنطقة العربية فقد ظهرت الديانة منذ فترة ليست بالطويلة لتأخذ حيزاً كبيراً في الإعلام بسبب غرائب طقوسها، ولعل أغلب اتباع هذه الفرق هم فتيان ينتمون إلى كل الأديان، المهوسون بالموسيقى الصاخبة، والمتطلعون نحو الحرية في مداها المطلق.
أما الطائفة الإسماعيلية، فهي إحدى الفرق الشيعية غير الإثني عشرية، وثاني أكبرها وفقاً لعدد الاتباع. وتؤمن الإسماعيلية بإمامة إسماعيل بن جعفر لتبلور تالياً أثراً سياسياً مهماً في التاريخ الإسلامي، متمثلاً بالفاطميين والقرامطة. ويعد العقل لدى الإسماعيلية هو عامل التشريع الدنيوي الأساسي، فإن تعارض نص في القرآن الكريم أو في الحديث النبوي مع تحديات العصر، وجب التعديل ضمن تشريع قانوني يتلاءم مع المصالح الطارئة للمجتمع، مع عدم المساس بجوهر النص القرآني أو النبوي. ونسجت الإسماعيلية عقيدتها بالفلسفة وعملت على تفسير كل المسائل المتعلقة بها، هذا وعانى الإسماعيليون منذ العصور الوسطى ولغاية أعوام قريبة من تشويه لصورتهم الاجتماعية والعقائدية، إثر روايات شاعت عنهم.
وينهي المؤلف كتابه بـ»ديانة السينتولوجي» وهي تستند إلى فلسفة علمانية صاغها كاتب روايات الخيال العلمي لافاييت رون هوبارد عام 1952، ومنذ إنشائها كانت تلك الديانات من أكثر الحركات الروحية الجديدة إثارة للجدل، إلى جانب انغلاقها وسريتها.
تتلخص فكرة الديانة في تحويل الإنسان وطاقته وعلاقته إلى آلة بهدف تخليصه من التلقائية والمشاعر ضمن هندسة اجتماعية مغايرة لهندسته الطبيعية. وتتعامل الديانة مع اتباعها باعتبارهم مرضى نفسيين وتستولي على أموالهم نظير بلوغهم حالة التسامي. ومن نخبة المشاهير التي أعلنت انتماءها إلى «السينتولوجي» الممثل توم كروز والممثلة ميمي روجرز والممثل جون ترافولتا وويل سميث، وغيرهم.

كاتب وإعلامي لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية