أصدر عازف الغيتار الإسباني، بابلو ساينز فياغاس، ألبوماً جديداً بعنوان، «الألبوم الأزرق» The Blue Album. يحتوي على أربع عشرة قطعة موسيقية، منها الكلاسيكي الذي يعود إلى مؤلفين قدماء، مثل إريك ساتي، وكلود ديبوسي، ودومينيكو سكارلاتي، وغيرهم. ومنها ما يعود إلى مؤلفين معاصرين، كالألماني ماكس ريختر، والكوبي ليو بروير. وتتنوع هذه القطع الموسيقية، وتتوزع ثقافياً بين أكثر من دولة، وهناك مساحة بالطبع للموسيقى الإسبانية، من خلال مؤلفات خواكين رودريغو، وفرانسيسكو تاريغا. ويعد بابلو ساينز فياغاس، من العازفين المهرة في الوقت الحالي، ونظراً لكونه إسبانياً، فإن الغيتار بالنسبة له، ليس مجرد آلة موسيقية يعزف عليها، بل هي جزء أصيل من هويته، وثقافة إسبانية يقدمها إلى العالم. والغيتار بشكل عام، من أكثر الآلات الموسيقية انتشاراً، ووجوداً في بلدان وثقافات مختلفة، وهو أيضاً من الآلات الموسيقية، الأكثر قرباً إلى الجمهور، والذوق المشترك بين عموم الناس، وهناك الكثير من عازفي الغيتار المحترفين حول العالم، لكن لا شك في أن الأمر يختلف كثيراً، عندما يُسمع صوت الغيتار، الذي تداعب أوتاره أنامل إسبانية.
نجم إسباني جديد
ولد بابلو ساينز فياغاس، في لا ريوخا سنة 1977، وبدأ في العزف على الغيتار الإسباني الكلاسيكي، منذ أن كان في السادسة من عمره، وقدم أول عروضه على خشبة المسرح، وهو في سن السابعة. وحقق نجاحاً داخل إسبانيا، ثم انطلق ليجول في البلدان شرقاً وغرباً، ويحقق شهرة عالمية ومكانة رفيعة، تتمثل في تعاقده مع شركات الإنتاج المرموقة، التي يصدر ألبوماته من خلالها. وحفلاته الموسيقية التي يقدمها على المسارح الكبرى منفرداً، أو بمصاحبة الأوركسترا السيمفوني والفيلهارموني، كما يتعاون مع بعض نجوم الأوبرا، كالتينور الإسباني بلاسيدو دومينغو، الذي أصدر معه ألبوماً مشتركاً. ويمكن القول إنه ينتمي، إلى الجيل الحديث نوعاً ما، من عازفي الغيتار في إسبانيا، وهو من الأسماء الكبيرة، بعد فيسنتي أميغو، والأستاذ الأكبر باكو دي لوسيا. وإن كان فيسنتي أميغو، هو الأقرب إلى باكو دي لوسيا، في الأسلوب وطريقة العزف، ويعود ذلك إلى تتلمذه المباشر عليه، فإن بابلو ساينز فياغاس، يختلف عنهما في بعض الأمور، وأولها أنه يعزف على الغيتار الكلاسيكي، لا الغيتار الخاص بالفلامنكو، بالإضافة إلى أسلوبه، الذي يركز كثيراً على المشاعر، مع تمكنه الكامل من الجانب التقني، لكنه يبدو كمن يوظف التكنيك، من أجل التعبير عن المشاعر، أو أن الإحساس يسبق التكنيك، دون أن يطغى عليه. ويكون فياغاس مستغرقاً تماماً، في القطعة الموسيقية أثناء العزف، متأثراً بكل نغمة من نغماتها. ويحرص على ربط المستمع عاطفياً بموسيقاه، ويقوم أحياناً بشرح القطعة الموسيقية، وسرد حكايتها الخاصة، إن وجدت، ويتحدث مع الجمهور عادة باللغة الإنكليزية. أما الجلسة أو الوضع، الذي يتخذه فياغاس أثناء العزف، فإنه أحياناً يتخذ الوضع المنسوب إلى باكو دي لوسيا، والتي يتبعها فيسنتي أميغو أيضاً، حيث يجلس العازف، ويضع ساقاً فوق الأخرى، ويرتكز الغيتار على الساق العليا، التي تكون بمثابة الداعم للغيتار، وتتيح هذه الجلسة للعازف، أن يتحكم في الغيتار بشكل أكبر، وتمنحه القدرة على استخدام الكثير من تقنيات العزف، بحرية أكبر للذراعين، واستخدام أقوى لليدين والأصابع. أما الوضع الآخر، الذي يتخذه فياغاس أثناء العزف، فهو أن يمسك الغيتار بشكل مائل، لكن في وضع أقرب إلى أن يكون وضعاً رأسياً، وفي هذه الحالة، يرتكز الغيتار على طرف المقعد الجالس عليه، بين ركبتيه. ويلاحظ أيضاً في أسلوب فياغاس، عدم اعتماده على الاستعراض، في ما يخص حركة اليد والأصابع، لديه المهارة المطلوبة بطبيعة الحال، لكنه لا يؤدي الحركات بشكل استعراضي، على العكس من باكو دي لوسيا، وفيسنتي أميغو، ويميل إلى الأداء الهادئ في كثير من الأوقات.

في الفترة الأخيرة، أخذ فياغاس يصدر ألبومات على درجة عالية من الجودة، ويعتني بموضوعاتها، وبالثيمات الخاصة بكل ألبوم، وكان ألبومه «روح الغيتار الإسباني» الذي أصدره سنة 2020، قد لاقى نجاحاً كبيراً. وهو الألبوم الذي يضم بين مقطوعاته، اثنتين من أجمل القطع المشهورة، التي يعزفها، وتفوق في عزفها، إلى درجة أن يفضل السامع عزفه لها، على أي عزف آخر. وهما قطعة بعنوان «كابريتشو عربي» وقطعة أخرى بعنوان «ذكريات قصر الحمراء» وكل منهما للموسيقار الإسباني، فرانسيسكو تاريغا، الذي ألف «كابريتشو عربي» سنة 1892، تقديراً للجذور العربية للغيتار. وألف «ذكريات قصر الحمراء» سنة 1899، وقبل أن يعزف فياغاس هذه المقطوعة الرائعة، يروي عادة قصة قصر الحمراء، الذي شيّده الموريون في الأندلس، بعد أن فتنوا بجمال المياه ووفرتها. والموسيقى في هذه المعزوفة، تصور حركة المياه في القصر، من خلال دفقات نغمية متصلة، عشوائية الحركة، تقوى وتضعف، لكنها لا تنقطع. ومن أشهر المعزوفات أيضاً، التي يقدمها فياغاس في حفلاته، معزوفة بعنوان «كونشيرتو دي آرانخويث» التي ألفها الموسيقار الإسباني، خواكين رودريغو سنة 1939، وهي عبارة عن كونشيرتو يتكون من ثلاث حركات، وما يعزفه فياغاس عادة، هو الحركة الثانية من الكونشرتو، ذلك اللحن البديع، الذي يعرفه البعض كلحن «مون آمور» أو كلحن «لبيروت» الذي تغنت به السيدة فيروز. وفكرة الكونشرتو قائمة، على حوار مع الإله، بعد أن أجهضت زوجة الموسيقار، وفقدا مولودهما المنتظر، وتمثل الحركة الثانية الضعف البشري، والأسئلة الكثيرة التي لا إجابة لها.
جمال الأزرق وشجنه
اختار بابلو ساينز فياغاس، لألبومه الجديد، عنوان «الألبوم الأزرق» والأزرق كلمة قد تكون جميلة، وقد تكون حزينة أيضاً. وعنه يقول فياغاس، إن الألبوم يضم مجموعة، من أجمل المقطوعات التي تم تأليفها يوماً. والقطع المختارة، لم تكتب في الأصل لآلة الغيتار، بل كتبت لآلات أخرى منفردة، أو لأكثر من آلة مجتمعة، وما يفعله فياغاس، هو أنه يقدم هذه الموسيقى، من خلال الغيتار فقط، ويعبر بنغمات أوتاره، عن كل ما تستطيع هذه الآلات الأخرى التعبير عنه. يبدأ الألبوم بمقطوعة Trois Gymnopédies، للموسيقار الفرنسي إريك ساتي، ويعود تاريخ تأليفها إلى سنة 1888، وتحديداً يعزف فياغاس الجزء الأول من هذا العمل، المكون من ثلاثة أجزاء. كما قام بتصوير هذه المعزوفة، ويظهر في الفيديو وهو جالس على أحد الشواطئ، ويعزف على الغيتار، بينما يدير ظهره إلى المياه، وتعد هذه القطعة الموسيقية، من مؤلفات البيانو الشهيرة. وكذلك من أعمال الموسيقار الفرنسي إريك ساتي، اختار فياغاس لألبومه الجديد، قطعة أخرى بعنوان Gnossienne، ويعزف الجزء الأول منها أيضاً. ومن أعمال موسيقار فرنسي آخر، هو كلود ديبوسي، اختار فياغاس معزوفة «ضوء القمر» الشهيرة، ومعزوفة أخرى بعنوانLa Fille aux Cheveux de Lin. ومن الموسيقى الفرنسية أيضاً، نستمع في هذا الألبوم، إلى قطعة بعنوان «الحواجز الغامضة» للموسيقار الفرنسي فرانسوا كوبيران، كتبها للهاربسيكورد سنة 1717، وتنتمي إلى موسيقى عصر الباروك. ومن مؤلفات موسيقيين معاصرين، يعزف فياغاس، قطعة بعنوان «كتالوج ما بعد الظهيرة، للموسيقار الألماني ماكس ريختر. وقطعة بعنوان «كانسيون دي كونا» للموسيقار الكوبي ليو بروير. هذا بالإضافة إلى العديد من القطع لموسيقيين آخرين، ومن أجمل هذه القطع، معزوفة بعنوان «باساكاليا» للموسيقار الألماني سيلفوس ليوبولد ويس، وهي قطعت كتبت في الأصل لآلة العود الباروكي، ويبدو أنها جاءت ملاءمة للغيتار واهتزازات أوتاره.
كاتبة مصرية