التطرف ليس جديدا في العالم ولم تخلقه مجرد الظروف الحاضرة أو المجتمعات الحديثة. بل إننا نجد أن فكرة التطرف وردت في أقوال الفيلسوف ارسطو منذ اكثر من 2500 سنة.
فنجد أرسطو في تحديده لمفهوم السعادة او الفضيلة كما اسماها وهي تعني افضل ما يعيش الإنسان لأجله نجد ارسطو يقول ( ان التوازن والوسطية في الحياة هما الطريق الى الحياة السعيدة) والوسطية عند ارسطو هي أن يكون الإنسان وسطا بين تطرفين أي أن يجمع أجزاء من اليمين وأجزاء من اليسار ويكون الإتزان أو الوسطية وهذه هي السعادة.
ويقول أرسطو إن التطرف في اتجاه معين وتجاهل الاتجاه الآخر تماما يحرم الإنسان من متعة التكامل. وهذه فكرة رائعة عن الوسطية أنها تجمع افضل ما في التطرفات المختلفة ويختار الإنسان من كل التطرفات ما يناسبه وما يحتاجه . وربما يبدو أن الوسطية مسألة سهلة لأننا نظن انها مجرد ان يكون الانسان(بين البينين).
لكن الحقيقة أن الوسطية عملية صعبة تحتاج إلى دراسة الأفكار المحيطة والتي تشكل تطرفات ثم يبدأ الإنسان أن يفكر ويختار بعض النقاط من كل تطرف ويبني رؤيته الخاصة أن الوسطية تحتاج انسانا يعرف كيف يدرس ويحلل ويفكر ويختار ثم يطبق ويقيم ما طبقه لعله يعدله . إن الانسان الوسطي انسان حر لا يقيده اتجاه واحد ثابت لا يتزعزع وهذا هو خطورة التطرف. ان التطرف يخلق انسانا نصف أعمى لا يرى إلا وجهة نظر واحدة ويعتبر أن اي وجهة نظر او رؤية مختلفة ليست مجرد رؤية خاطئة بل هي في نظر المتطرف غير موجودة.
ويقول أحد علماء النفس ان المتطرف انسان لديه عجز في الرؤيا لأنه لا يستطيع أن يرى إلا رؤيته وأن أي رؤية أخرى ليس لها وجود. والسؤال هنا كيف يتكون التطرف؟. تكلمنا أن التطرف أسهل لأن المتطرف صاحب الرؤيا الاحادية لا يحتاج إلى دراسة اي رؤيا اخرى لأنه يعتبر كل رؤيا مختلفة عنه هي رؤيا غير موجودة. المتطرف بالتالي لا يحتاج إلى تفكير ولا اختيار ولا تطوير . المتطرف انسان لا يعرف غير شيء واحد وهو الأصح بل الأوحد. ولذلك يكون من السهل جدا صناعة هذا الانسان المتطرف لأنه إنسان لا يفكر فعدم التفكير هو أول ما يصنع التطرف.
الحكم الأحادي الرؤيا او ما يسمى بالديكتاتورية هو حكم يغذي روح التطرف أو الأحادية فيستطيع الحاكم أن يصنع من شعبه شعبا متطرفا يؤمن بفكر الحاكم الأوحد ويسير وراءه ولا يرى غيره والأمثلة كثيرة في التاريخ لهؤلاء الحكام ونستطيع أن نرى كيف كان يمجدهم شعبهم الذي لا يرى غيرهم. إن صناعة التطرف يدعمها الإعلام أحادي التوجه والذي يؤكد على فكر معين ورؤية معينة ويتجاهل أو ينقض الأفكار الأخرى.إن الإعلام المتطرف لا يهدف إلى التوعية والاستنارة والوسطية إنما يهدف إلى تدعيم الحاكم وتأييد أحادية الفكر. هذا الإعلام هو أداة التطرف. والتعليم ايضا أحد المفاتيح الرئيسية لغرز التطرف التعليم الذي يقدم فكرا واحدا ويزرع بذورا أحادية تعمي الانسان ليس فقط عن رؤية الحقيقية وانما تجعل الانسان يؤمن ان ليس هناك الاهو وليس هناك الا أفكاره التي يؤمن بها.
إن التطرف هو عدو للمجتمع لأن المجتمع يعني تجمع المختلفين وليس تجمع نوع واحد من الناس. ان الوسطية كما أسماها أرسطو هي متعة لأنها تعطي للانسان امكانية ان يتمتع بكل ما هو في الحياة وليس بنوع واحد فقط. ان الخطورة العظمى للتطرف أن المتطرف لا يستطيع أن يعيش مع النقيض او مع من هو عكس أفكاره فالتطرف عزلة وخوف من العكس خوف يؤدي إلى القضاء على النقيض لكي أعيش أنا في تطرفي. إن دنيا المتطرف كلها لون واحد فالمتطرف لا يستطيع أن يجمع من كل بستان زهرة لأن هذا هو الوسطية.
د. وجدي فكري
محاضر في التربية والمشورة – انكلترا