■ الحرب مرةً أخرى.. غاراتٌ جوية وصواريخ تتساقط أمامنا على التلفاز، على أهدافٍ مربعة أو مستطيلة لا لون لها، يزعمون أنها مخازن ذخيرة، وكل ذلك وسط عاصفةٍ من التصفيق والتهليل والحماس، الذي يود كل ذي مصلحة أن ننجرف إليه عن «العمل العربي المشترك»..
ليست المرة الأولى، فقد صفقنا كثيراً من قبل للأنظمة حين حاربت.. ولن تكون الأخيرة، أما لماذا لم نزدد سوى تشتتاً وتشرذماً وانهار العراق، عقب كل مرة دارت فيها هذه الاسطوانة المشروخة؟ ولماذا لم نسمع شيئاً كهذا حين تقصف، بل تدك غزة، وفي كل مرة تتغول فيها إسرائيل على إحدى جاراتها العربيات، أسئلةٌ كتلك لا مكان لها، ولا يجب أن يعلو صوتها فوق صوت المعركة، فالفهم ترفٌ لا تملكه شعوبنا ولا يملكه تحديداً الذين يموتون ويشردون جراء هذه الحروب. يخبروننا أن إيران تتوسع، وهي بالفعل تقوم بذلك، ولكن إسرائيل توسعت ولم يحرك أحدٌ ساكناً طيلة أربعة عقود.. ما الموضوع إذن؟
لن أنكر أن الشك يتملكني إزاء كل ما أسمع وأرى من تعليقاتٍ يغلب عليها الهوى، فالجمهور العربي الأوسع لا يعرف الكثير عن اليمن، خاصةً تلك الدول التي انضمت لذلك الحلف العرمرم من خارج الجزيرة العربية كالمغرب ومصر، وأكاد أجزم أن معلومات المواطن الباكستاني عن اليمن لن تتعدى النوادر وحكاوى الربابة أو موازيها الباكستاني على المقاهي. غير أن التساؤلات التي أسلفت تجعلني أحدس بغياب أي مقصدٍ نبيلٍ أوأخلاقي وراء ذلك الحشد، وكعادتي في ظروفٍ كتلك أحاول العودة بالأمور إلى أصولها وأسبابها.. أن أطرح أسئلة قد تقودني إلى الفهم: من هم اللاعبون الأساسيون؟ من المستفيدون؟ قد لا أصل إلى فهم كل شيء ولن أدعي أنني أملك كل الإجابات إلا أنني أملك الشجاعة لأعترف بذلك وأقرر أنني لن أنقاد وراء القطيع.
يريد البعض لنا أن ننساق في التحليل وراء الصراع بشكله الطائفي البحت بين سنةٍ وشيعة، كما يحلو للبعض تصوير حكم بعث العراق تحت صدام حسين كونه حكماً سنياً في الأساس.. بالطبع يمكن رؤية أي شيء تقريباً من زوايا شتى، ولكن ذلك تجاوزٌ.. لا شك في أن إيران لعبت بالكارت الطائفي في العراق ولبنان وسوريا وربما اليمن، إلا أن ذلك يجب ألا ينسينا أن السعودية هي من بدأت اللعب بهذه الورقة، في محاولتها استغلال موقعها ووجود الحرمين على أراضيها، في التصدي واحتواء المد الثوري العربي، وتحديداً الناصري في حقبة الستينيات، ومن ثم تم توظيف تلك الورقة في أفغانستان في تضافرٍ منحطٍ ومدمرٍ للجهود مع الغرب بقيادة أمريكا وباكستان، حتى آل بنا المطاف إلى طبعة بن لادن التي جعلتها «داعش» تبدو سمحةً وسطية.
حدثان مهمان في رأيي صبغا القرن الجديد وأوصلانا إلى حيث نحن الآن: سقوط العراق وفشل الربيع العربي.. أجل فشله في كسر الأنظمة العتيقة وكسح مشاكلنا المزمنة من قمعٍ وطائفية.. ولست في حاجة على ما أعتقد للدخول في تفاصيل وإسهامات دول الخليج، وعلى رأسها المملكــــة السعودية، في الحدث الأول، وهـــو الذي دشن فعلياً حقبة التوسع الإيراني وامتداد نفـــوذها، والذي اســــتغلت فيه الكارت الطائفي.. كما قام محور «الإمارات- الكويت- المملكة السعودية»، خاصةً الأخيرة بما لها من نفوذٍ سياسيٍ وماليٍ لا ينكر بدعم كل ما من شأنه تحجيم، ومن ثم تقويض المد الثوري، وصولاً إلى تثبيت ودعم نظام السيسي في مصر.
كثيرٌ إن لم يكن كل التاريخ العربي المعاصر بعد الحرب العالمـــية الثانية دار حول نفط الخليج، خاصةً المملكة السعودية وأســــرتها الحاكمة، ضماناً لمصالحـــها واستمراراً لتدفقه للدول الغربــــية. لن أزعم أن ذلك كان الســـبب الرئيــسي والوحــيد لفشل مشاريع الحداثة العربية فهذه (خاصـــةً في صبغتها القـــومية العـــربـــية) كانت لها مشاكلها الخاصة النابعة من تصوراتها ومعطياتها الذاتية وظرفها الموضوعي، الذي يشمل ضمن ما يشمل الميراث القبلي والطائفي، إلا أن مصالح دول النفط وأموالها التي بذلت بسخاء لعبت دوراً محورياً في ردة مجتمعاتنا الفكرية والاقتصادية.
عقب فشل موجة الثورة الأولى المسماة اصطلاحاً بـ«الربيع العربي» لم يتبق في حقيقة الأمر سوى التناحر بين رجعياتٍ شتى ومشاريع هيمنةٍ تتقاسمها دول المنطقة، بعد أن اصطفت في عدة محاور كفرق كرة القدم، تركيا- قطر- الإخوان من جهة، والسعودية- الإمارات – الكويت ومصر التي لحقت بهم من جهةٍ أخرى، وأخيراً وليس آخراً روسيا- إيران- سوريا الأسد- العراق- حزب الله.. وذلك لا ينفي أن بعض الدول التي قد تتفق مصالحها في مكانٍ قد تتنافر في بقعٍ أخرى، كقطر والسعودية اللتين تتفقان في سوريا واليمن وتختلفان في مصر.. أجل المحيط الإقليمي يتخلخل وتتحلل صورته التي عرفنا، وتتشكل خرائط أخرى تتفق وتعكس علاقات وتوازنات القوى الجديدة على الأرض.. هي عملية تدافع وذوبان، تسعى الأطراف في التأثير عليها، إلا أنها تجري أيضاً وفق عوامل ذاتية نابعة من التراث والتاريخ وتشكُل مجاميع ذات خلفياتٍ عرقية أو مصالح اقتصادية واجتماعية كالأكراد مثلاً..
باختصار، وفي ما يتعلق بالسعودية وإيران في اليمن، نحن الآن أمام محاصصة بين مشروعين إقليمين لتقاسم النفوذ والثروة، رجعيين بمعانٍ ونسبٍ متفاوتة، كلاهما أقبح من الآخر.. لعبةٌ قذرة يستغل فيها المذهب.. المملكة السعودية لا تتعرض لإسرائيل، فوجودها مسلمة في المنظومة الإقليمية التي تتبعها السعودية، التي تتصدرها الولايات المتحدة.. أما إيران فالأمر مختلف، فهي تلعب على أرضيةٍ إسلامية، مما يزيد الأمر صعوبة، خاصةً في ظل تقاربٍ يبدو وشيكاً بين أمريكا التي أنهكتها الحروب وإيران، تقبل بموجبه أمريكا بمكاسب إيران الإقليمية وتكريسها، مقابل بعض التنازلات أو الاتفاقات في بعض القضايا الإقليمية على رأسها البرنامج النووي الإيراني.
على ضوء ما سبق أرى أن السيسي يعيش مأزقاً حقيقياً يدرك مدى وطأته يوماً بعد الآخر، فالملاحظ أنه في ما يتعلق بالمحيط الإقليمي، وخلا الإرهاب، كان يتحسس مواطئ قدمه بحرص. مؤكدةٌ رغبته على عدم التورط، لاسيما وأن ثمة تقارباً نشأ بينه وبين إيران في الملف السوري. إن السيسي الذي يحاول إعادة خلق أوراقٍ فقدتها مصر المرهقة تحت ثقل مشاكلها يدرك يوماً بعد يوم معنى أن تكون مديناً.. لقد وصل إلى الحكم بدعمٍ ماليٍ صريح من السعودية والكويت والإمارات، وهو الآن بدأ يشعر بمدى غلظة الطوق الذي يلتف حول عنقه، وإن كان يحاول أن يناور بثقل مصر (ربما عامل القوة الوحيد المتبقي) فإن حريته منقوصة وإرادته مرتهنة لقرار ومصلحة الدول الخليجية التي ذكرنا.. لعله الآن بدأ يدرك أن الذي يدفع للزمار يحدد اللحن.. فهو لا يجرؤ على خسارة السعودية الآن لكي لا يخسر دعمها الذي يشكل فعلياً غطاء نظامه، وربما حاول تحقيق بعض المكاسب، مقابل مشاركة مصر كدعم حربه على الإرهاب في ليبيا مثلاً بالإضافة إلى المكاسب المادية.
تخبرنا التجارب القريبة أن حروباً كتلك التي تبدأ في اليمن لا تحسم بالضربات الجوية التي تتفاخر بها السعودية، والسؤال هو: من الذي سيرسل جنوداً على الأرض؟ بالتأكيد أن السعودية ستحاول شراء ولاءات بعـــض القبائل ودعم أخرى، ولا شك أن لها باعاً طويلاً ودرايةً في ذلك، لكن هل سيكفي ذلك وحده؟ والسؤال الآخر، متى سيضيق السيسي بإملاءات المصلحة السعودية ومتى سيتمرد على وضعيته كبيدقٍ تحركه أهداف الأسرة الحاكمة هناك؟ والسؤال الأهم: هل يستطيع؟
٭ كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل