من البديهي الاعتقاد بأنّ الإنسانَ القديم عاشَ دهوراً طويلةً من دونَ أن يُفصحَ لأقرانهِ في زمانهِ، أو يحفظ شيئاً لأحفادهِ من ثقافته التي تشملُ مُتَوارثاتِهِ، ومُستودَعاتِ تجاربه، ومكنوناتِ مشاعره. فلقد كانَ يضربُ في الأرضِ منذ القِدم، وبحسبِ علم التاريخ الطبيعي وعلوم المستحاثات، فإنَّ أقدمَ أثر للإنسان العاقل أو ما يُسمّى بـ»الهومو سابينس» يعود إلى 200.000 سنة مضت، منحدراً من أصولٍ أضْربَت في عمقِ التاريخ، مما لم يكن لها أثر حضاري يُذكرْ. لذلك فمن المنطقيّ جداً أنْ نُقسّم تطور الثقافة الإنسانيةِ إلى مرحلتينِ رئيسيّتين لا ثالثَ لهما.
المرحلة الأولى، هي مرحلة القدرة على الاتصال والتواصل باللغة المحْكيّة بين الإنسان وقرينه الإنسان، لكنّ هذه المرحلة كانت تجعل الثقافة الإنسانيةَ تموتُ بموتِ صاحبها أو حافظها، ولا تتعدّى جيلاً أو اثنين على الأكثر، ولو امتدّت أكثر من ذلك، يدخلها العبث والتغيير ويجعلها بعيدةً عن الأصالة المطلوبة لحفظ الثقافات والحضارات.
لقد امتلك الإنسان القديم القدرةَ على إصدار الأصوات منذ ما يقارب النصف مليون سنة – أي قبل ظهور الإنسان العاقل بـ000 300سنة – وذلك تحديداً عندما أصبحتْ أدواته الصوتيّة – كاللسان والحنجرة والأحبال الصوتية – مجهّزةً لكي تكونَ أدوات إخراج. لكنّ قدرته تلكَ تطوّرت إلى «لغة محكيّة» عندما قامَ بترتيب أصواتهِ بأسلوبٍ دلاليّ لتُصبحَ وسيلة اتصالٍ وتواصل عبر عشرات الآلاف من السنين.
إذن- باللغة العلميّة ـ فإن المرحلة الأولى، هي مرحلة تحويل الثقافات من الصيغة «الكيميو-حيويّة» من دواخل الإنسان إلى الصيغة «الصوتيّة الموحية» الخارجيّة التي بدورها تطوّرت في ما بعد لتكوّن الأصوات ذات الدلالات أو اللغة المحكيّة.
أما المرحلة الثانية، فهي المرحلة التي نقل فيها الإنسان معارفَهُ وحفظها لأخلافهِ، من خلالِ ابتداع التصوير والرسم، ثم الترميز على الألواح، الذي تطوّر في ما بعد إلى حروف تشكّل كلمات ذات دلالة لغويّة.
إن أقدم أثر للرسم والتصوير للإنسان – حتى الآن- يعود إلى 000 40 سنة تقريباً متمثلاً في ما يُسمّى الآن بـ»رسوم الكهوف» التي وُجدت غالبيتها في مناطق مختلفة من فرنسا وإسبانيا حالياً، وتطور الرسم والتصوير بدخول الإنسان مرحلة «النقش على الصخور»، ثم دخل مرحلة الترميز قبل 10000سنة من خلال «الرسم الصوري» و»الرسم الفكري»، تلك المرحلة التي كانت بدورها حجر الأساس لابتداع الإنسان «الكتابة المسمارية السومريّة، والهيروغليفية الفرعونيّة» قبل 5000 سنة واللتين تعدّان أقدم آثار مكتوبة في العالم.
ومنذ أن احترف الإنسانُ الكتابةَ، أخذ في بثّ معارفه في كل مكان، على الصخور، والأخشاب، والرقاع، وصولاً إلى الورق. وأصبح من ترف الحاجة أن يكتُبَ في غير الأمور العادية، فبدأ بكتابة التأملات، والفلسفات، والآداب التي ابتكرها من صميم طبيعته التي تحيط به. لستُ أبالغ لو قلت، إن كانت الفلسفة هي أمُّ العلوم، فالأدب هو أبو الفلسفة، إذ لم تنبثق الفلسفةُ بشكلها الحقيقي تقريباً، إلا بعدَ أن أعملَ الإنسانُ عقلهُ في ما شطحَ فيه من الآداب التي ابتكرها.
لقد كانت «المسرحية» أقدم الألوان الأدبية، وقد تطورت قبل 4000 سنة من شكلها الأولي في احتفالات الطقوس الدينية – خصوصاً في مصر واليونان – إلى أكثر من شكل، مروراً بمسرحيات اليوناني الشهير «أسخيليوس» قبل 2500 سنة وصولاً إلى شكلها الحالي في القرن الواحد والعشرين بعد الميلاد.
ثم ظهر الشعر مستقلاً عن المضامين الدينية، وكان أوّل الشعر على لسان «هوميروس»، الشاعر اليوناني صاحب الملحمتين الشعريتين «الإلياذة» و»الأوديسة» قبل أكثر من 000 3 سنة، عندما كانت الظروف تُحتّم بأن يُصدحَ بالكلامِ الذي يُداعب المشاعر الحماسيّة في أثناء حصار اليونانيين لـ»طروادة». وتوإلى من يومها نبوغ الشعراء في مختلف الأعصار والأمصار.
وبعدها، دعت العصرنةُ إلى ترفٍ أكبر في استخدام اللغة المكتوبة، فكان أسلوب الحكاية والقصّ في أقدم رواية نعرفها كاملة حتى الآن في 11 جزءاً وهي للأمازيغي النوميدي «لوسيوس أبوليوس» التي كانت حملت عنوان «الحمار الذهبي» عام 150 ق.م.
وتوالت الألوان الأدبية في الظهور حسب الظروف والحاجة منذ ذلك الحين، وصولاً إلى آخر الألوان الأدبية ظهوراً وهو «أدب المقالة»، الذي شاع في أوروبا بإرهاصات العربي «ابن الجوزي» في كتابه «صيد الخاطر» الذي كان أقرب إلى أدب الخاطرة منه إلى المقالة، وصولاً إلى كتاب «محاولات» للفرنسي ميشيل دي مونتين عام 1585، الذي يُعدّ رائد أدب المقالة بلا منازع، فظهر عندما دعت الحاجة في عصر النهضة إلى طرح الموضوعات بطريقة سريعة وسهلة وذات أثر ومعنى واضح. ولا تتوقف الألوان الأدبية عن الاستحداث، ولا حتى الألوان الموجودة عن التعديل والتطوير، حسب الحاجة العصرية، فمثلاً، تعددت ألوان الشعر بتعدد الحاجات، نذكر منها «شعر الهايكو» اللون الحديث للشعر في اليابان الذي ظهر على يد ماتسوو باشو منذ ثلاثة قرون، وكذلك تحررت القصيدة العربية على يد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة من قيود القصيدة العمودية القديمة بشكل كبير منذ نصف قرن، مع احتفاظها بالكثير من خصائصها الشعرية، وغيرها الكثير من الأمثلة التي لا يمكن حصرها في مقام واحد.
وانطلاقاً من الحاجة، وضرورة أن يكون الاستحداث بما يسهل استساغته، فإني أرى أنّ ما سبق ذكره يشكّل أساساً قوياً لأي عمل من شأنه أن يخدم عصرنَةِ الآداب، وبالتالي خدمتها لحاجة الإنسان المعاصر، ومن هذا المبدأ، أقترح لوناً أدبيّاً أسمّيه « أدب الحالة «، وفي المدخل إليه، أقترحُ له تعريفاً مختصراً، ومثالأ: فهو لون أدبي، مكون من فقرة واحدة فقط، لا تزيد عن 8 أسطر، تحمل فكرة واحدة، تُكدس فيها المعاني حتى تبلغ الفكرة مقصدها.
وهذا مثالٌ مما كتبتُ في «أدب الحالة»
«عليك أن تختارَ بينَ أمورٍ كثيرة، وعليكَ كذلكَ أنْ تختارَ قبل ذلك ما تشاء، لأن المستقبلَ لا يعطيكَ المعطيات الحقيقيّة لتشتغلَ على احتمالات خياراتِكَ بطريقةِ الآلة «صفر .. واحد» أو بطريقةٍ فيزيائيةٍ ورياضيّة.. معطياتُك للمستقبل دائماً مجازيّة وغير كافية وغير قادرة على التنبؤ إلا بنسبةِ الصدفة المقدّرة 5% في أغلب الأحيان – رغم خارقيّة بعض الحالات – وليستْ منصفة أيضاً.. هذا هوَ المجال الحيوي الحقيقي لبلوغ الغد.. من السجيّة الساذجة إلى المدارسات المعقّدة.. وعلى الطرف البعيد يجلسُ الفيلسوف خارجَ الفكرة.. لا يتعدّاها ولكنه يتعإلى عليها.. فاجلس على قارعة الطريق وكن عاديّاً جداً حتى يَخرجَ الفيلسوفُ الذي في داخلك».
أديب فلسطيني
حسن عبدالخالق عصفور