لا شك أن السفر يمنح للمسافر المتعة الكاملة لتحقيق الذات وإدراك المعرفة من خلال الاستكشاف والتعلم، لكن أن يكون هذا السفر مقترنا بالقصيدة مستخدما أدواتها وأشكال التعبير فيها لتحليل الأماكن واستقراء عوالم شخوصها، فهذا يدفعنا، نحن القراء، إلى الغوص والاستمتاع بالعالمين معا، عالم الترحال والتجول وعالم الحرف والشعر.
ياسين عدنان جمع بين هاتين الحسنيين (السفر والقصيدة) في ديوانه ”دَفتر العابر” الصادر عن دار توبقال للنشر، فكانت فيه القصيدة مطية طيعة تساق بإتقان لبلوغ نشوة اللغة من جهة كأداة جمالية للتعبير، ولمعايشة لذة التجربة من جهة أخرى باعتبارها كينونة إبداعية مغايرة قادرة على التفرد والتميز، تجربة ممزوجة برموز الحياة تغني رؤية صاحبها وتمكنه من بلورة خطاب مغاير للسائد والمألوف، وتميز حضوره في الشعر كما في الترحال. اشتغال الكتابة داخل هذا الديوان، الذي جمع بين الشعر والنثر، ينبني على تيمة موحدة غير مجزأة، وقصيدة واحدة مسترسلة من بداية الديوان إلى نهايته، تُداهمها من حين لآخر نصوص نثرية تُغِيرُ على ملامحها، تفجرها وتفكك معالمها داخل وعاء واحد موسوم بتشابك الخيوط وامتداد الحكي.
”دَفتر العابر” عنوان يحيلنا مباشرة إلى مجموعة من التقابلات المبتكرة الغنية بالإبداع الساكن والمتحرك في آن، ذاك الذي يستنبط من الحركة خطابه ومن الساكن نبضه، فالثابت هنا/الدفتر، والمتحرك/العابر، يمثلان ركيزتين قويتين تشدان القارئ والشاعر معا بكل الفضاءات التي زارها هذا الأخير، فحركة الشاعر تتوقف بمجرد انتهاء رحلته، لتبدأ بعدها مباشرة حركة المتلقي في التفاعل مع ما دُوّن في الدفتر، حركة ثابتة تمكنه من اكتساح زمن المسافر والتفاعل مع عوالمه، حسب امتداد أفقه ومخيلته، كما أن للغة الواصفة المتمثلة في الشعر والنثر معاً دورا مهما في تجديد هذا التفاعل وإبعاده عن الملل، لنجد أنفسنا في الأخير أمام شاعر يجيد التلاعب بالكلمات ويتقن استخدام دفتره كعدسة لاقطة تنقلنا بسلاسة بين الشمال والجنوب، باحثة عن مكامن الجمال هنا وهناك، جمال عاشه العابر في زمن مضى وصاغه لنا برؤيته الإبداعية الخالصة، تلك التي تروم الغوص في الزمن الحاضر، زمن المتلقي أو القارئ.
القصيدة والسفر ثنائية متطابقة كل واحدة منها تخضع للأخرى، ومن هذا الخضوع تتشكل لوحة فسيفسائية قد تكون القصيدة أرضيتها أو العكس، فاللجوء إلى السفر من أجل اقتناص القصيدة، أو اللجوء إلى القصيدة من أجل اقتناص لحظات الترحال، يبقى اتجاها كفيلا بخلق الرغبة لدى القارئ لاختراق حاجز الاغتراب الذي يفصله عن الشاعر/العابر، ليتقمص في الأخير شخصيته الإبداعية ويعيش لحظات سفره ومتعتها.
يتماهى ياسين مع سفره إلى أبعد الحدود، يستغل حمولته لبلورة رسائل إبداعية مختلفة وغنية تثبت حضور ذاته من خلال ذوات الآخرين، فالسفر أولا وأخيرا هو تلاقح الذوات وتبادل الثقافات وانصهارها في لغة واحدة قادرة على خلق الدهشة لدى المتلقي الغائب الحاضر، خاصة إذا كانت هذه اللغة لغة شاعر، فالقصائد أو بالأحرى القصيدة التي ضمها هذا الديوان تعززت لغتها وطُبعت بوسم الاشتهاء، خصوصا أننا أمام مشاهد شاعرية مغرية تصف بدقة مسار الرحلة وتفاصيلها، تلك المرسومة بإتقان على جداريات الأماكن والشخوص، فكأنك في حضرة السندباد بتجواله وترحاله بين السهول والجبال والبحار، يجمع مغامراته ” في السلال.. يجففها فوق سطوح الحكايات… لتصافح العتمات”* ، صور بلاغية تتلاحق بتلاحق وتيرة الزمن وتفاعله مع المكان، لتقحمنا معها في متن حكائي جميل يأخذنا معه تارة إلى التاريخ وتارة أخرى إلى التراث وأخرى إلى الأدب… وهكذا نجد أنفسنا بين يدي حكواتي متمرس يمارس شغبه الحكائي داخل حلقة شعرية متكاملة الأركان، أو أمام بطل يلتهم المسافات في فيلم من أفلام الطريق «Road movies»، يمارس مغامراته بين زوايا مشاهده، لا تثيره كاميرا المخرج ولا تقيده أوامره، يثري بشخصيته فضاء الشاشة، يدغدغ مشاعر معجبيه، ثم يغادر بحثا عن دفء آخر، وعن مسافة أخرى يقطعها منقباً عن الحروف بين الأماكن الملهمة من حانات، وفنادق، ومحطات، ومطارات… أماكن تتحول إلى جسر جمالي يعبر من خلاله القارئ إلى الضفة الأخرى، تلك التي يتضمنها الدفتر بين دفتيه بنزيفها ولذاتها.
الذاكرة في الديوان منحت صوره بانوراما خاصة متفردة مفعمة بالجمال والحياة، ليصبح الخضوع للراهن مستحيلا، فبين الحاضر والماضي تتغلغل الذاكرة بصمت، يفاجئنا حضورها كما غيابها، وبين هذا وذاك نعيش لذة الزمنين، فالذاكرة هنا أداة لاختراق الزمن الكرونولوجي للسفر/القصيدة، تدفعنا نحن القراء لكسر رتابة الأحداث، ويستحضرها الشاعر للشعور بالدفء والاستئناس، خصوصا أنها مرتبطة في غالبيتها بالوطن.
يبقى ”دَفتر العابر” لوحة فنية إبداعية رسمها ياسين عدنان بأحاسيسه وخطها بعمق شخصيته المحلقة بين الفضاءات المتنوعة، والعوالم المختلفة، والثقافات الغنية، وأرغمها على الخضوع لسيرورة الحياة وحيويتها، فيكفينا أنها تجمع بين جمالية القصيدة ومتعة السفر.
كاتب مغربي ـ هولندا
فؤاد زويريق