لندن- “القدس العربي”: قال المحلل في صحيفة “نيويورك تايمز” سيرج شيمان إن يفغيني بريغوجين الذي قاد يوم السبت 24 حزيران/يونيو تمردا فاشلا ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ينضم إلى تاريخ طويل من التمردات الروسية الفاشلة، ومهما كان يريد زعيم مرتزقة فاغنر تحقيقه من تمرده، فقد كان قصير الأمد وبدون معنى.
وبعد أقل من 24 ساعة عندما أرسل دباباته على الطريق السريع باتجاه موسكو، أُقنع زعيم المرتزقة بأن يعيد توجيه سيرها وقبل اللجوء إلى بيلاورسيا.
والسؤال عن الفصل القادم وماذا سيحدث بعد، وتحديدا عن اثر العصيان وإن كان سيترك بوتين ضعيفا، قويا أو منتقما. ففي خطابه القصير يوم السبت تعهد بالانتقام ومعاقبة المتمردين والعصاة ورأى شهود عيان المروحيات وهي تضرب الرتل من الدبابات والخنادق التي تحفر على الطريق قبل تقدمها. إلا أنه تجنب في خطابه ذكر اسم بريغوجين أو شركة فاغنر. وبدلا من سحقه للمرتزقة والدخول في مواجهة مقرفة، تراجع بوتين، واستخدم الرئيس البيلاروسي الكسندر لوكاشينكو لتحفيز بريغوجين على التخلي عن انتفاضته المتعجلة بوعد العفو عنه.
وما حدث يظل لغزا، فقد شاهدت الاستخبارات الأمريكية يوم الأربعاء الماضي إشارات عن تحضير لعصيان. وهناك الكثير من النظريات التي تم تداولها على منصات التواصل الاجتماعي منها أن التمرد بكامله هو مجرد تمثيلية وربما دبره بوتين نفسه لأسباب ما، وفي ظل جنون غزو أوكرانيا وعجز الجيش الروسي فكل شيء ممكن.
إلا أن هناك تفسيرا واضحا: فبريغوجين هو بلطجي يعرف العنف أكثر من التآمر، وربما قرر مواجهة عدوه سيرغي شويغو، وزير الدفاع، وبخاصة أن زعيم فاغنر شن حربا معلنة وطويلة ضده واتهمه بأنه لم يقدم الدعم الكافي لفاغنر. ويعتبر بريغوجين مثال الشرير في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي، فقد قضى معظم حقبة الثمانينات من القرن الماضي في السجن وبنى ثروته في السنوات الأولى من مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وأصبح مقربا من بوتين ووفر الطعام لمآدبه (بشكل أصبح يلقب بطباخ بوتين مع أنه قال إنه لم يطبخ وجبة مرة له).
يعتبر بريغوجين مثال الشرير في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي، فقد قضى معظم حقبة الثمانينات من القرن الماضي في السجن وبنى ثروته في السنوات الأولى من مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي
ومن بين الآثام الأخرى التي ارتكبها بريغوجين هي بناء شركة فاغنر والتي ظهرت عام 2014 أثناء غزو روسيا لشبه جزيرة القرم وظلت مقربة وتقف مع بوتين منذ ذلك الوقت. ومنذ ذلك الوقت دخلت المجموعة في حروب في لييا وسوريا وجمهورية أفريقيا الوسطى والتي شجعها الكرملين ولكنه لم يكن يريد تحمل المسؤولية عنها. وتم نشر عناصرها مباشرة بعد غزو أوكرانيا وتكبدت خسائر كبيرة، وبعدها أخذ بريغوجين يجند السجناء بوعد تحريرهم إن نجوا من الحرب، ومات الكثير منهم. وبدأ حربا كلامية مبالغا فيها ضد شويغو والقادة العسكريين الروس لأنهم لم يقدموا له السلاح الكافي والذخيرة ولأنهم أفسدوا العملية العسكرية بشكل عام. وزاد في الأسبوع الماضي من هجماته الكلامية عندما اتهمهم بشن الحرب في أوكرانيا لأغراض شخصية وأنهم أمروا بقصف قواته في أوكرانيا بالصواريخ. وأمر بريغوجين الغاضب قواته باجتياز الحدود إلى المدينة الجنوبية روستون اون دون وسيطر على قيادتها العسكرية ثم أمر قواته بالسير نحو موسكو لمواجهة القيادة العسكرية، ووصلت على بعد 125 ميلا عن العاصمة قبل أن يعيدها. ومن هنا فالسؤال هو عما يحدث بعد، فمن الصعب التكهن، فعصيان مفتوح قاده زعيم ميليشيا قاس وسيء السمعة واستطاع بوتين السيطرة عليه بدون سفك قطرة دم، سيترك تداعياته السياسية الخطيرة في روسيا. وأي من السيناريوهات التي فحصها الكاتب ستكون جيدة إما لروسيا أو أوكرانيا.
ومن المحتمل أن يصعد بوتين المهووس بالسيطرة على أوكرانيا الأعمال العدائية لكي يظهر للأوكرانيين والغرب أن العصيان لم يضعفه. وربما حاول أن يثبت خطأ كلام بريغوجين عن الفوضى والتشتت في صفوف القوات الروسية، مع أنه يعرف الحاجة للتخلص من قادة عسكريين، فهو كقائد أعلى للقوات المسلحة يعرف عيوبهم ومشاكلهم. وبعد ساعات من محاولة العصيان، أرسلت روسيا أسرابا من الصواريخ والمسيرات إلى أهداف أوكرانية، ومع بداية الهجوم الأوكراني المضاد، فربما بدأ بوتين بإصدار تهديدات قاتمة. وقبل أسبوع من تحرك بريغوجين، نشر سيرغي كاراكانوف الباحث المعروف في السياسة الدفاعية والخارجية، مقالا ناقش فيه حاجة روسيا “لجعل الردع النووي أمرا مقنعا ومن خلال تخفيض عتبة استخدام الأسلحة النووية”.
وربما حاول بوتين تحميل الولايات المتحدة المسؤولية، مع أن البيت الأبيض كان حذرا وآخر المسؤولون الكشف عما يعرفونه من معلومات عن العصيان لما بعد حدوثه. وبالنسبة للسيناريو الذي تحدث عنه بوتين، حيث قارن بين عصيان السبت والثورة البلشفية عام 1917 والتي أطاحت بعائلة رومانوف، وكان البلاشفة أجداد الاتحاد السوفييتي الذي يتحسر بوتين على انهياره، فروسيا بهذا المعنى خاسرة.
من المحتمل أن يصعد بوتين المهووس بالسيطرة على أوكرانيا الأعمال العدائية لكي يظهر للأوكرانيين والغرب أن العصيان لم يضعفه
وبعد نجاته من العصيان، فسيكون الهدف الأول لبوتين هو تعزيز قوته تفوقه داخل روسيا، ولم يتهم بريغوجين الرئيس بأي فشل، واتهم بدلا من ذلك منافسيه بإفشال زعيم معصوم، وبوتين ممتن لأن القوات الروسية لم تنضم لعصيان فاغنر. إلا أن اتهامات بريغوجين المتعلق بغزو أوكرانيا وأن الحرب لا تسير بشكل جيد وأنها شنت للأسباب الخطأ، تعتبر ضربة لبوتين وعليه البحث عن كبش فداء يحمله المسؤولية.
وتعتبر الانقلابات الفاشلة الوسيلة المعروفة التي يستخدمها الديكتاتوريون لملاحقة الأعداء الحقيقيين والمتخيلين. وبعد “مؤامرة الدكاترة” في الخمسينيات من القرن الماضي، بدأ ستالين عملية تطهير في قيادة الحزب الشيوعي. وفي التاريخ القريب سارع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لاعتقال الآلاف بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة عام 2016.
وترك بوتين المجال مفتوحا لحملة قمع جديدة، وربما لاحق وسجن وقمع أي شخص شكك في قيادته. ويظل مصير بريغوجين محلا للتساؤل، فالتاريخ الروسي حافل بالأمثلة عن الانتفاضات والمتظاهرين بالسلطة، ولم يكن مصير أي منها جيدا، فقد تبع القوقاز إيفان مازيبا عندما انشق عن إيفان الكبير في معركة مهمة ضد السويديين عام 1709، وتم إغراء المنشقين بالاستسلام من خلال وعد العفو، وعلقت رؤوسهم لاحقا على المسامير أو رميت في نهر دنيبر.
ولعل أقرب قصة لبريغوجين هو تمرد إميليان بوغاتشيف ضد كاترين العظيمة في سبعينيات القرن الثامن عشر وزعم أن زوجها قتل بيتر الثالث، ولم يكن التمرد مدفوعا على الأقل بغضب الفلاحين على القيادة العسكرية، وعرف الروس القصة من خلال رواية الكسندر بوشكين “ابنة الكابتن”. وفي مرحلة ما يصدر أمير الشعر الروسي تحذيرا مهما “لا سمح الله وشاهدنا تمردا روسيا، لا معنى له ولا يرحم. ومن يتآمر على انقلابات مستحيلة إما من الشباب الذين لا يعرفون شعبنا، أو ناس قساة لا يساوي لهم رأس شخص آخر سوى نصف فلس أو أن رؤوسهم في هذه الحالة، كوبيك” أي فلس في العملة الروسية القديمة.
وتم القبض على غوباتشيف وقطع رأسه علنا وقطع لأربعة أجزاء، واصبح عنوانا للتمردات التي لا معنى لها والفاشلة “بوغاتشوتشينا”. ومن الصعب تخيل سماح بوتين لبريغوجين الإفلات من فعلته، مهما كانت وعوده. وحتى وإن لم يتهم بوتين بريغوجين مباشرة وبالاسم، فعليه تبرير وعده للروس “من ينظمون أو يحضرون لعصيان عسكري ومن يوجهون أسلحتهم ضد رفاقهم، خانوا روسيا وسيحاسبون على هذا”. ويعرف بريغوجين أن زعيم بيلاروسيا مدين لبوتين وبلده ليس ملجأ آمنا. وبالنسبة لفاغنر، فسيظهر بوتين ليونة أكثر، فهو بحاجة لها في أوكرانيا ومناطق أخرى وربما وضعها تحت سيطرة الكرملين. ومهما كان مصيره فلن يغفر لبريغوجين، فقد كشفت انفجاراته عن الخسائر الروسية الفادحة بالحرب والنكسات عبر القيادة السيئة والمعلومات الخاطئة. وسيظل الوضع مستمرا مع دخول الحرب صيفها الثاني، وعندما انسحب المرتزقة من روستوف أون دون هتف ناس “فاغنر، فاغنر” ذلك أن تاريخ روسيا يكشف عن ميل للتعامل مع المتمردين كأبطال، مهما كان حالهم. وقبل قرون، أصبح ديمتري الكذاب المتظاهر الذي تم الاحتفال به في أوبرا “بوريس غودنوف” قيصر روسيا في “زمن المشاكل” مع أنه لم يعمر طويلا.