لندن – “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا أعدته كاثرين بيلتون قالت فيه إن التمرد الذي قاده زعيم مجموعة فاغنر هز ثقة النخبة الروسية بقوة الرئيس فلاديمير بوتين. وقالت إن التحدي الأقوى لسلطة بوتين الذي يحكم منذ 23 عاما لا يزال يتردد صداه داخل النخبة بموسكو وسط تساؤلات عن فقدان الرئيس الروسي السيطرة على الحكم ولو للحظة قصيرة. وعندما تحدث بوتين يوم الإثنين للأمة بعد فوضى نهاية الأسبوع، شكر السكان على “الوحدة والوطنية” التي أظهروها وكشفهم أن “أي محاولة للتسبب باضطرابات داخلية محكوم عليها بالفشل”.
إلا أن العصيان الذي قاده زعيم المرتزقة يفغيني بريغوجين هز الصورة التي رسمت بدقة وظلت حجر الأساس لرئاسة بوتين وهو أنه يمثل الاستقرار والقوة.
وهناك عدة من بين النخبة العليا ورجال الأعمال يتساءلون إن كان سيتعافى من هذه الضربة، بل واقترح بعضهم أن البحث عن بديل لبوتين بدأ الآن.
وقال رجل أعمال مؤثر في موسكو “كشف بوتين للعالم وللنخبة بأنه لا أحد وغير قادر على عمل أي شيء”، مضيفا “إنه انهيار كامل لسمعته”.
وقال مسؤول روسي قريب من الدوائر الدبلوماسية العليا “هناك ألعاب تلعب ولا يفهمها أحد” و”حصل فقدان للسيطرة على البلد وإن كان جزئيا”.
وتعلق الصحيفة أن أعضاء النخب في موسكو يتساءلون عن قدرة قوة منشقة مثل مرتزقة فاغنر السيطرة على مركز القيادة والتحكم العسكري للحرب في أوكرانيا بمدينة روستوف أون دون بجنوب روسيا بدون أية مقاومة وثم التقدم نحو العاصمة قبل أن يأمر بريغوجين قواته بالعودة إلى الوراء.
وقال مقرب لملياردير في موسكو “كيف استطاعوا قيادة الدبابات ولمئات من الكيلومترات شمالا باتجاه موسكو ولم يتم وقفهم”. وقال ميلياردير روسي، رفض مثل غيره الكشف عن هويته “عندما يكون لديك رتل من آلاف الأشخاص يزحفون ولم يوقفهم أحد، فمن الواضح أن هناك فقدانا للسيطرة”.
وأكد بوتين في خطابه أنه أمر باتخاذ كل الإجراءات لمنع سفك الدماء وأكد على أهمية منح الوقت لمن ارتكبوا أخطاء وكي يعترفوا أن أفعالهم تم رفضها وبحزم من المجتمع وأن ما يفعلونه سيقود إلى “تداعيات تراجيدية ومدمرة على روسيا”. إلا أن الأسئلة مستمرة حول السماح لبريغوجين، المقرب من بوتين منذ التسعينات من القرن الماضي الإفلات من العقوبات على شن تمرد وقتل قواته جنودا روس بعد إسقاط طائرات ومروحيات، حسب مدونين عسكريين روس. فبعد سحبه قواته انتقل إلى بيلاورسيا حيث يخطط حسب تسجيل صوتي له يوم الإثنين لمواصلة عمله على رأس مجموعة فاغنر.
وقال رجل الأعمال الأول في موسكو: “كان يجب فتح قضية إرهاب، فهذه جرائم خطيرة” و”مرة أخرى لم يتم عمل أي شيء”. وأكد بريغوجين في تسجيله الصوتي وهو الأول منذ عصيانه الفاشل أنه كان يحاول الحفاظ على مرتزقة فاغنر ولم يكن يريد بأي حال الإطاحة ببوتين. وقال إنه خشي من دمج المجموعة في الجيش الروسي والتأكد من معاقبة من ارتكبوا “أخطاء فادحة” في أوكرانيا.
وكشفت هجمات زعيم فاغنر ضد القيادة العسكرية والمستمرة منذ عدة أشهر عن الانقسامات العميقة داخل النخبة الروسية وطريقة إدارة بوتين للحرب وسياسات الرئيس الروسي بشكل عام. وقال المستشار المقرب من الكرملين سيرغي ماركوف إن الأحداث في الأيام الماضية “تظهر أن البلد لا يسير في الاتجاه الصحيح” و”إذا لم يتغير شيء فسيحدث هذا مرة ثانية بالتأكيد”.
واقترح رجلا أعمال في موسكو أن بريغوجين لم يكن ليستطيع التقدم في الطريق نحو العاصمة بدون أي عائق بدون أن يحصل على دعم جزء من الخدمات الأمنية له. ولم تفعل القوات الشيشانية التي أرسلت إلى روستوف أون دون أي شيء على ما يبدو. أما القوات التي أرسلت لمواجهة مقاتلي فاغنر على الطريق لموسكو فقصفت محطة وقود في روستوف وتركت أخرى أكبر منها في فورونيج، ولم تضرب القوات الروسية هذه سوى جسر واحد لإبطاء تقديم المتمردين. وقال رجل الأعمال: “لقد كانوا يحاولون الظهور أمام الرئيس بأنهم يفعلون شيئا ولكنهم لم يفعلوا في الحقيقة أي شيء، ولم يكن الرئيس الروسي يسيطر على أي شيء”.
وأضافت الصحيفة أن معركة بريغوجين مع القيادة العسكرية الروسية ربما كانت صورة عن صراع عميق داخل الأجهزة الأمنية الروسية بشأن مستقبل الرئاسة في روسيا. والأكثر أهمية وتحديدا لمصيره، هو قراره عقد صفقة مع زعيم المتمردين بدلا من مواجهة معركة دموية لو وصل مقاتلو فاغنر إلى موسكو، حيث كانت القوات الخاصة تحضر للدفاع عن العاصمة.
وقالت تاتانيا ستانوفايا، مؤسسة “أر بوليتك” ومقرها باريس “بالنسبة للنخبة فهذا إشكالي، لأنه من وجهة النظر المرئية، فإن بوتين بدا ضعيفا وبدا كشخص خائف وأجبر على تقديم تنازلات”. و”من وجهة النظر الموضوعية، خرج بوتين ناجحا، فالخيارات الأخرى كانت معركة دموية في ضواحي موسكو والتي ستكون أسوأ”. إلا أن الأسئلة تظل باقية حول محاولة أي من الطرفين للتخلي عن الالتزامات في الاتفاق، مع أن تمرد بريغوجين كشف عن مكامن ضعف كثيرة في النظام، كما تقول ستانوفايا و”سيحاول بوتين تغطية نقاط الضعف”.
وهناك من يقول إن ساعة النهاية لحكمه بدأت تدق، وهناك البعض في الكرملين “يبحثون عن خليفة ولو طال البحث فربما وجد البعض شخصا لهم” كما يقول مسؤول في الكرملين مقرب من الدوائر الدبلوماسية العليا. وقال إن الأوكرانيين يحاولون الاستفادة من الفوضى في موسكو واستعادة مناطق في حملتهم المضادة “تدفع أوكرانيا أماما باتجاه دينبرو وخيرسون وباخموت”.
في عام 1917 حدثت الثورة وخسرت روسيا الحرب العالمية الأولى وسقط النظام. “وفي 1991 خسرت روسيا الحرب في أفغانستان وسقط النظام، ولو خسرنا الحرب في أوكرانيا فسيسقط النظام ولن يكون بمقدورنا استعادته”.