ليست رواية ولا سيرة، بل مجرّد خاطرات أحبّت يارا أن تدوّنها. نستطيع أن نعرف الفاصل الزمني بين خاطرة وأخرى، من التواريخ المثبتة في أعلى كل منها: اليوم 10 أكتوبر/تشرين الأول 2019، مثلا، وهو التاريخ الأول للبدء بتدوين اليوميات. أما ما يستحثّها على الكتابة، فأمور متنوعة منها أحوال البلد (السعودية) والتغيّر الذي حصل فيه، والصديقات، والعزوبة بعد الزواج، وكورونا (التي يغطّي وباؤها مرحلة اليوميات كلها، تلك التي تنتهي في يوم الأربعاء 28 يوليو/تموز 2021). هذه الجائحة جعلت الحياة مقيّدة، إذ تعيق الصلات بالأقارب والأصدقاء، وتحول دون ركوب الطائرة والسفر إلى القاهرة أو دبي، أو البحرين أحيانا، حيث يمكن ليارا ان تتنشق هواء آخر.
هي تقيم بمفردها، منفصلة عن زوجها محمد، وعن أهلها المثقفين العاملين بالكتابة والتعليم، وهذه الإقامة لا تشكّل حرجا لأحد، لا للأهل ولا لحلقة العائلة الواسعة، تلك التي ما تزال تفصل بين الرجال والنساء في الأعياد، كما في النزول إلى الشاليهات على الشاطئ، يساعد على هذا الفصل تجاور بيوت العمات والأعمام، وكذلك تقارب الشاليهات التي ترتادها العائلة.
يارا تقيم بمفردها إذن، هي المطلّقة من زوجها الذي كان قد خيّب ظنها بتسلّطه وقساوة طبعه، لكنها مع ذلك ما تزال تتصل به ويتصل هو بها ما أدّى إلى تعلّقها به من جديد، لكن تلك الرغبة المستعادة، التي لم تلق استجابة صريحة من طليقها، يمكن تخطّيها والتغلّب عليها. فيارا المتحرّرة، لن يودي بها العشق إلى سلوك طريق الضحية. هو غرام خفيف إذن، إذ تستطيع، فور انتهائها من شكواها منه تنتقل مباشرة إلى الحديث عن أوروبا والإسلام، وعن الانتخابات الأمريكية والأفلام والصحافة والرياضة، إلخ. لا يجدي التحسّر وذرف الدمع إذن. الحلّ الأفضل هو البحث عن بديل، ذاك الوجه التلفزيوني مثلا، الذي حقق بعض الشهرة والذي تبادلت معه النظرات مرّة، ثم مرّة أخرى سعت من بعدها إلى الاتصال به. الشاب هذا لم يستجب إلا مرة واحدة، بعد انقضاء تلك الليلة الواحدة. هي تفضّل العيش في الرياض، لا في جدة ولا في مكة. ذاك أن استجابة الناس مختلفة في كل من هذه المدن، حتى الحفلة الغنائية أو الموسيقية تلقى ترحيبا متفاوتا، أو رفضا متفاوتا، بين هنا وهناك. أما الرأي العام، الذي قد يؤدي إلى حجب رسمي لنشاط فني أو اجتماعي، فيقرّره غالبا ما يكتب في وسائل الاتصال الاجتماعي: «فقط إذا ثار الناس وادّعوا أن ثوابتهم قد مُسّت يتم القبض على الآخر الذي قام بفعل ظنّ أنه عادي».
يارا تحب الجلوس في البيت «أكثر من أي شيء آخر». طبعا ستخرج إن اتصلت بها صديقتها وعد، أو أي أحد آخر، لكنها لا تشعر بالملل أبدا وهي تطالع التويتر أو تتفرّج على نتفلكس. هذا الأخير، حسبما ترى، هو « أعظم ثورة في هذا العقد». ما تريده من حياتها ليس السياسة، ولا قضاياها بما فيها قضية فلسطين، بل «أن يعاملني مديري بشكل عادل، وأن يتحسّن اختيار نتفلكس للأفلام التي تعرضها».
وها هي تتساءل: لماذا أتحدّث في السياسة وأنا لا أفهم فيها شيئا؟ لكن هناك أمور، مثل مسألة إسرائيل، «لا تحتاج فهماً، هي واضحة بما يكفي، هي أمر مزعج، وثقيل»، لكن لا تلبث يارا، في السطر الذي يلي، أن تتساءل «لماذا لا يكفّ الفلسطينيون عن شتمنا؟ ماذا فعلنا لهم؟». كما أنها لا تفهم لماذا أبعدها أهلها، المقيمون إما خارج مجتمعهم، وإما في الزمن الذي سبق تشكّله مجتمعا محافظا، عن السحر الذي يؤمن جميع الناس بوجوده وتأثيره. «هل غيّبني أهلي عن معتقدات الناس حولي؟» تتساءل، رغم أنه لا يهمّها أن تكون مؤمنة بالسحر مثل من تحتجّ على فصلها عما تحبّ أن تؤمن به.
لا شك في أن تساؤلها حول ما أهمله أهلها أو أخفوه عنها لا يغيظها كثيرا. فوالدها ووالدتها هما مثلها الأعلى، وكذلك جدّتها، المثقفة هي أيضا، والتي سبق لها، في أيام شبابها، أن عاشت مثلما تحلم هي الآن. «أحب جدّتي، عصرية جدا. أحب مشاهدة صورها في الستينيات، أناقتها وجمالها كأنها إحدى ممثّلات السينما، كل صديقاتي يتباهين بجمال جدّاتهنّ والفساتين التي كن يرتدينها».
ابن عمّة يارا يجد أن «لا شيء تغيّر»، هو العائد من كندا، أما هي فكانت تستمع إليه وتضحك، إذ أنها، الآن أكثر حرية بكثير مما كان قدّر لها أن تعيش، لولا التغيير الذي حصل». أنا تمكنت أن أُخرج جواز سفر من دون أن يطلبه بابا، وأن أسافر…». ثم إن الحكومة الإلكترونية سهلت عليّ الكثير. «كل شيء سهل وبسيط يمكن الوصول إليه بكبسة زرّ. ليس لديّ رهاب التكنولوجيا».
لكن، بعد قراءة تلك اليوميات، يتساءل قارئها لأي غرض كُتبت، ماذا تريد يارا أن تقول، أعني في ما يتعدى كلامها المتقطع المتقافز من مسألة إلى أخرى. ذاك أنه، على الرغم من المشاعر غير الجامحة، والإقرار بسعادة القبول بما جاءت به الحياة الجديدة في بلدها، تبدو الكاتبة كما لو أنها تؤرّخ لانعطافة ما في حاضر بلدها، متكلّمة هكذا بما ينبغي أن يكون حال مثيلاتها من النساء. كأنها تكتب بيانها الخاصّ، الثوري على الرغم من إيثارها الحياة الحلوة البعيدة عن المشكلات وضغط المعتقدات.
«يوميات حقيقية لفتاة متخيّلة أو العكس» كتاب هناء حجازي صدر عن دار جداول في 166 صفحة- سنة 2022.
كاتب لبناني