«شيوخ الطرب»: عرض فني فلسطيني يستعيد أيام الزمن الجميل

حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»:

تواصل فرقة «سراج» التنقل بين المدن الفلسطينية وعرض المسرحية الغنائية «شيوخ الطرب» وبالأمس القريب وصلت مجددا للناصرة بعد حيفا والناصرة ورام الله، حاملة راية العصر الذهبي الغنائي متجولة بين معالم الزمن الجميل للأغنية العربية، يوم طارت وحلقت إلى السماء بجمعها في انسجام بين المعنى الرقيق واللحن الجميل والصوت الحلو والأداء المتقن. الفنان عامر حليحل يخرج من الصندوق مجددا ويأخذ مشاهدي العرض الممتد على نحو ساعتين إلى القاهرة في رحلة ترد الروح وتنعش القلب، وهم معه على سطح غيمة بيضاء.
في الطريق إلى أم الدنيا يروي حليحل بسرد أخاذ قصة كل واحدة من أغنيات تلك الفترة المصرية في مطلع القرن العشرين من الطقطوقة للموشحات، ويغرف من بحر إسكندرية وهو يستعيد الذكريات مع سيد مكاوي والشيخ إمام وأم كلثوم وزكريا أحمد والقصبجي وبيرم التونسي وغيرهم. بأسلوب «الحكواتي» يروي أيضا قصة تكامل عمالقة «الزمن الجميل» في لوحة فنية موسيقية تقطر إبداعا، أما أصوات الفنانين والفنانات الشباب، ففي فرقة سراج بقيادة المايسترو سامر بشارة فخاماتها من حرير ومن ذهب.

أصوات من حرير ومن ذهب

يبدأ هذا العرض الأنيق بمشهد يبدو بسيطا طبيعيا جدا فيه تستعد مجموعة عازفين للشروع في عرض موسيقي حتى يطل الفنان عامر حليحل في شخصية الشيخ يونس أبو اللبن، وهو مسن يعتمر قبعة حديثة وبدلة شبه متقادمة ويحمل حقيبة تبدو تحفة أثرية لقدمها فيتدخل فجأة في العرض، ويقطعه فور انطلاقه ويتخاصم معهم وهو يتدخل وينتقد ويستنزف وقتهم، مستعرضا أيام الزمن الجميل بصفته معاصرا لتلك الفترة. وبسلاسة لافتة تنتهي «الخصومة» برفع الستارة من خلف العازفين لتظهر الأوركسترا الكاملة وتبدأ الرحلة إلى أيام «الزمن الجميل». ويأتي»عرض «شيوخ الطرب» في فترة ربما هي الأكثر ابتعادا عن الموسيقى العربية الكلاسيكية الحديثة، التي قادتها مجموعة من الموسيقيين العظماء أمثال؛ سيد درويش، زكريا أحمد، محمد القصبجي وأم كلثوم وغيرهم، حيث يحاول العرض تقريب هذه الأنماط الموسيقية إلى جمهور اليوم عن طريق الرجوع إلى أصولها الأدائية غناءً وعزفا، إذ يكاد ينعدم اليوم في المشهد الفني الراهن غناء يعتمد على التعبير الموسيقي المركّب الممزوج مع التعبير القصصي للأغنية.
كما يحاول العرض عن طريق مشاهد مسرحية التقرب من روح الفترات التي أُنتجت فيها مواد العرض الموسيقية، بمساعدة «يونس أبو لبن» وهو يقدم باقة ملونّة غنية من القصص الخاصة بهذه الأغنية – لحنها وملحنها ومغنيها ومعانيها وسياقها فتعيد مشاهدها إلى الأجواء التي أحاطت بشيوخ الطرب، تفتح له مخياله وتطلعه على ملامح المؤسسين الرواد، ممن أجادوا هذه التوليفات العبقرية بين الكلمة واللحن والصوت الجميل. ومما يزيد العرض بهجة ومتعة نجاح حليحل في دور «همزة الوصل» بين كل المؤلفات والقصص والمعاني السياسية الاجتماعية المستبطنة في أغنيات الزمن الجميل، بأسلوب عميق رشيق بدا فيه كأنه مؤّرخ تلك الفترة التاريخية، بعدما غاص في بحر تاريخ تلك الحقبة. في كل ذلك كان حليحل قطعة سكر وكتلة من خفة الظل.. قطعة من الكنافة التي وزعت مجانا في بداية هذه الاحتفالية، لكن الفارق بين المؤرخ والراوي يتجلى هنا بوضوح ويكتشف المشاهد مجددا أن الراوي لا يقل أهمية عن الرواية فقد استعاد حليحل مسيرة سطوع نجوم الزمن الجميل في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي من خلال قصة سردها بشكل مثير وربط خيوطها بإحكام وهو يقول بصوته إن كل واحد من هذه الأصوات هو خيط عنكبوت تنسج معا شبكة عنكبوتية متكاملة جميلة. وهكذا يروي «أبو اللبن» قصة أغنية «البحر بيضحك ليه» ومنها ينتقل لأغنيات أخرى ترتبط بالبحر، ثم يصل إلى أم كلثوم والقصبجي وبيروم التونسي ويتوقف عند قصة «كلب الست» وقصيدة أحمد فؤاد نجم توأم روح الشيخ إمام.
غير أن بعض المشاهدات اعتقدن أن التركيز على القصة الظريفة الخاصة بـ «كلب الست» قد غمط حق أم كلثوم رغم أنه في البداية توقف عند كلمات الإعجاب الصادرة عن الشيخ زكريا أحمد يوم قال عنها أول ما شافها: «من يومها أصبحت أصم لا أسمع إلا صوتها، أبكم لا أنطق إلا باسمها». بعدما يروي «أبو اللبن» هذه القصة يشير لأقوال عبّر فيها أصحابها عن حبّهم الكبير في فنّ «الست» وما تلبث الأوركسترا للانضمام بتقديم أغنية ساخرة كوميدية المعنى على وقع لحن «إنت فين والحب فين» جاء في مطلعها: «أنت فين والكلب فين».

أجواء الست زينب

ويقول الصحافي نايف خوري بعد مشاركته العرض، إنه استشعر بأجواء حي الحسين وحي السيدة زينب، مع صخب المارة والباعة والسيارات، والأضواء والأنوار الكاشفة، كلها ظهرت على المسرح فجرفت الجمهور معها إلى عالم الغابرين، ودنيا شيوخ الطرب. ويضيف «قد يخطر في الذهن أننا رأينا مثل هذا العرض الموسيقي والغنائي والمسرحي من قبل، في المسرح الرحباني، الذي كان نقطة تحوّل، ومحور تجديد في العمل الغنائي والموسيقي والمسرحي، لكن هذه الأمسية تختلف، فكل شيء يحدث أمامك على المسرح، لا تستطيع أن تقف على الحياد، أو غير مبالٍ، بل تندفع مع الغناء، ومع التمثيل، ومع الأوركسترا كلها، وقائدها الموهوب سامر بشارة، لتجد نفسك مستمتعا بما تسمع وترى، ومستمتعا بالمشاركة لأنك جزءا لا يتجزّأ من العرض، وتصبح متعتك مضاعفة، كمشاهد وكمشترك».
«هذا العرض هو ثمرة عمل وبحث موسيقي عمل عليه قائد فرقة سراج الفنان سامر بشارة، فمنذ فترة طويلة وهو ينكب على تدريب الكادر الكبير لجوقة سراج المكوّن من أربعين مغنيا وعازفا، وهو من إخراج الفنان أيمن نحاس. ويوضح المدير الفني للجوقة، سامر بشارة، أهمية فكرة العرض الموسيقية، منوها بأنها تسلط الضوء على الشيوخ الذين درسوا الموسيقى والمقامات والضروب من التجويد والابتهال الديني ليبدأوا مسيرة تلحينهم وغنائهم لأجمل ما أُلّف في القرن العشرين، متمسكين بالجذور العربية الشرقية. وتأسست فرقة سراج عام 2004 في قرية الرامة في الجليل بلدة الشاعر الراحل سميح القاسم، وتألقت من مشروع لمشروع رغم شح الموارد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية