بغداد ـ «القدس العربي»: تمكّن عشرات المتظاهرين العراقيين من اقتحام مقرّ السفارة السويدية في بغداد، احتجاجاً على إحراق نسخة من المصحف أمام مسجد في ستوكهولم، والذي أثار ردود فعل منددة في أنحاء العالم الإسلامي.
وبقي المتظاهرون المناصرون لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر في السفارة لنحو ربع ساعة، ثم خرجوا بهدوء لدى وصول قوات الأمن.
ووزع المتظاهرون أمام السفارة مناشير كتب عليها «دستورنا القرآن، سيدنا الصدر» باللغتين الإنكليزية والعربية.
كما كتبوا على بوابة السفارة السويدية «نعم، نعم للقرآن».
وكانت شرطة العاصمة السويدية قد صرحت للشخص الذي أحرق القرآن بالتظاهر، تماشيا مع حماية حرية التعبير، لكنها قالت فيما بعد إنها فتحت تحقيقا بشأن «إثارة توتر».
وكان الصدر قد دعا إلى التظاهرة أمام السفارة السويدية للمطالبة بطرد السفير «الذي يمثل دولته المعادية للإسلام».
ودعا الصدر في «تدوينة» له إلى أن «يكون من ضمن مطالب التظاهرة، طرد السفير السويدي الذي يمثل دولته المعادية للإسلام والمقدسات، والداعمة للفاحشة وقطع العلاقات معها».
وحث سلطات بلاده على «سحب الجنسية العراقية من المجرم العراقي الزنيم (مكروه) الذي أحرق كتاب الله تبجحاً وعلناً» مطالباً القضاء بـ«العمل على إرجاعه للعراق، أو الحكم عليه غيابياً بحكم يليق بالجرم دفاعاً عن الإسلام والمذهب».
وطلب من الحكومة «حماية متعلقيّ المجرم الزنيم في العراق حفاظاً على حياتهم» مضيفاً: «لوكنتُ مجتهداً لأفتيتُ بارتداده إن كان مسلماً، و بعدائه للإسلام إن لم يكُ مسلماً».
وقال المتظاهر حسين علي زيدان (32 عاما) لـ«فرانس برس» إن مشاركته في التظاهرة هي «نصرة للقران الكريم وطاعة لسماحة الصدر».
وأضاف «نطلب من المحكمة العراقية أن تسحب الجنسية من هذا الشخص لأنه لا يمثل العراق».
وأدانت وزارة الخارجية العراقية سماح السلطات السويدية لأحد المتطرفين بإحراق نسخة من المُصحف الشريف، فيما وجهت دعوة للمجتمع الدولي.
وذكرت في بيان أن «العراق يعرب عن إدانة واستنكار شديدين لسماح السلطات السويديَّة لأحد المتطرفين بإحراق نسخة من المصحف الشريف».
ودعت المجتمع الدولي إلى «تحمّل مسؤولياته لوقف مثل هذه الأعمال المرفوضة».
كذلك اعتبرت الحكومة أن تلك الأعمال «عدوانية وكريهة لا تمت إلى حرية التعبير بصلة».
وقال المتحدث باسمها، باسم العوادي، في بيان صحافي مساء أول أمس، إن «الحكومة العراقية تعرب عن شجبها واستنكارها الشديدين لما قام به بعض مرضى النفوس، من حرق نسخ من القرآن الكريم، بصورة متكررة من بعض أصحاب العقول والأنفس المريضة والمتطرفة، بشكل علني مليء بالكراهية والتحدي لكل القيم الفاضلة والإنسانية التي تحث على احترام الديانات والكتب المقدسة».
«عدوانية كريهة»
وأضاف: «ترى الحكومة أنّ هذا العمل الشنيع الذي جرح مشاعر ملايين المسلمين بل أساء للشعوب الغربية نفسها، التي طالما تباهت باحتضان التنوع واحترام معتقدات الآخرين وحماية الأديان وحقوق معتنقيها».
وأشار إلى أن «هذه الأعمال تنمّ عن روح عدوانية كريهة لا تمت إلى حرية التعبير بصلة، بل هو عمل من أعمال العنصرية والتحريض على العنف والكراهية».
ولفت إلى أن «هذه الأعمال غير المسؤولة تأباها القيم الإنسانية الرفيعة وترفضها مبادئ احترام التنوع ومعتقدات الآخرين، التي طالما دافع عنها القرآن الكريم، وعاشت كل الأديان في ظل الحضارة التي انبثقت عنها أزهى أيامها، والسماح لهؤلاء المتطرفين الجهلة باستفزاز المؤمنين وارتكاب حماقتهم دون رادع سيجرنا مرة أخرى إلى مستنقع الإرهاب والتطرف الذي ما زال العالم يئنّ منه، ومن دون شكّ ستتحمل الجهات التي تقف وراء هؤلاء أو التي تسمح لهم وتغريهم بمواصلة حماقاتهم جميع النتائج السلبية التي تترتب عليها، بصورة مباشرة او غير مباشرة».
ودعا الحكومات المعنية إلى «أخذ زمام المبادرة وردع هذه الحفنة من المتطرفين من الاستمرار في غيها ودفع الجميع نحو نتائج لا أحد يريدها».
وعلى الفور، أعطى رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق، فائق زيدان، الإذن بـ«اتخاذ الإجراءات القانونية بحق الشخص الذي أقدم على حرق المصحف الشريف عملا بأحكام المادة 14 من قانون العقوبات العراقي النافذ» موعزاً في تصريح رسمي إلى رئاسة الادعاء العام وبالتنسيق مع محكمة تحقيق الكرخ الأولى في بغداد «إكمال الإجراءات القانونية لطلب استرداد هذا الشخص ومحاكمته وفق القانون».
سياسياً، قال زعيم تيار «الحكمة الوطني» عمار الحكيم، خلال خطبة عيد الأضحى المبارك: «لقد تلقينا بألم وأسف الأخبار عن منح رخصة لشخص مريض نفسيا وعقليا ينوي حرق المصحف الشريف في يوم عيد الأضحى في إحدى الدول الأوروبية».
واضاف: «إننا ندين ونستنكر بأشد وأوضح العبارات ليس حرق المصحف فقط من قبل هذا الشخص إنما ندين هذا الفهم المغلوط والمعوج الذي يتيح فرصة الإساءة للمعتقدات والمقدسات وجرح مشاعر مليار وأربعمئة ألف مسلم في العالم تحت يافطة أكذوبة الحرية».
كذلك عبّر رئيس حركة «بابليون» المسيحية، ريان الكلداني، عن إدانته لحرق نسخة المصحف الشريف، داعيا المجتمع الدولي إلى عدم السماح للتعرض للأديان.
وقال في بيان صحافي أمس»ندين ونستنكر بأشد العبارات قيام المدعو سلوان الذي يحمل أفكاراً متطرفة بحرق نسخ من القرآن الكريم وبصورة علنية تعبر عن الكراهية والتحدي لكل القيم الفاضلة والإنسانية التي تحث على احترام الديانات والكتب المقدسة، حتى وإن كان محسوبا على العراق، فإننا نتبرأ من هكذا نفوس مريضة هدفها إثارة الفتن بين الأديان».
وأضاف: «لقد سبق وأن أصدر مجلس القضاء الأعلى مذكرة قبض بحق المدعو سلوان بعد قيامنا بتقديم شكوى ضده بسبب أفكاره المتطرفة وقيامه بالتعدي على الذات الإلهية ومهاجمته الأديان وعدم احترام قدسيتها» وفي الوقت الذي أكد فيه الكلداني على «حرمة الأديان جميعا وقدسيتها» طالب المجتمع الدولي بـ«عدم السماح لأي شخص كان بالتعرض للمقدسات ومكانتها ورموزها ومحاسبة مَن يسيئون إليها، كون تلك السلوكيات المشينة ستؤدي الى التمادي في العنف وتلحق الضرر بالسلم الأهلي».
كما طالب أيضاً حكومة السويد بـ «تسليمه للعراق ليحاكم وفق القضاء العراقي» مشيراً إلى إنه «أبلغ سفيرة السويد في العراق، وحذرنا من هذا الفعل قبل وقوعه» معتبراً أن «هذا التصرف المقرف لا يمثل المكون المسيحي ولا يمثل العراقيين».
أما القيادي في الحزب «الديمقراطي الكردستاني» وفاء محمد كريم، فدعا لمحاسبة سفراء السويد في الدول العربية والإسلامية.
وقال في تصريحات صحافية أمس، إن «الحرية الموجودة في بعض البلدان الأوروبية وخصوصا السويد يجيزون هذه التصرفات ويعتبرونها غير حزبية وليس لها علاقة بالدولة السويدية» مشيرا الى ان «هذه ليست المرة الأولى التي تشهد السويد هكذا ممارسات».
وأضاف: «سبق وأن طالبنا القنصليات العراقية والسعودية والإيرانية بوضع حد لهذه الممارسات أو تغيير القانون على الأقل وأن لا تمس الحريات الأمور الدينية».
وبيّن أن «الاستنكار الشديد من الدول الإسلامية يؤثر على العلاقات» داعيا إلى «محاسبة سفراء السويد في البلدان العربية والإسلامية وتوجيه مذكرات احتجاج شديد اللهجة والتي ستكون كفيلة بايقافهم عند حدهم» فيما أشار إلى «حاجة العراق لموقف واستنكار حكومي باسم دولة العراق لهذا الأمر».
«إصلاح النفوس»
وفي الطرف المقابل، قال المسؤول العام لـ«سرايا السلام» الجناح العسكري للتيار الصدري، تحسين الحميداوي، في «تدوينة» له، إن «ما يؤلمنا ليس التجاوز على القرآن الكريم فحسب، بل سكوت من أدعى المقاومة خوفاً من السفيرة وحفاظاً على مكاسبه السياسية القذرة» حسب قوله.
وأضاف: «سيبقى صوتنا مدوياً مع قائد المقاومة العراقية الأصيلة ينادي بإصلاح نفوس العباد والبلاد لندافع عن مقدساتنا».
ونفذ سويدي متطرف وعيده بتدنيس القرآن الكريم، أول أمس، وأقدم تحت حماية السلطات بتمزيق وحرق المصحف الشريف خارج المسجد الرئيسي في ستوكهولم عاصمة السويد.
وأحد الشخصين اللذين شاركا في المظاهرة يدعى سلوان موميكا ووصف نفسه في مقابلة صحافية في الآونة الأخيرة بأنه لاجئ عراقي يسعى إلى حظر القرآن. وأوضحت وكالة «نوفوستي» الروسية للأنباء أن هذا الشخص المتطرف أقدم على فعلته أمام نحو 200 شخص مسلم، حيث مزق صفحات من المصحف ومسح بحذائه عليه، ثم وضع دهن ولحم الخنزير المقدد في صفحات القرآن الكريم وأشعل فيه النار، حيث صاح بعض الحاضرين «الله أكبر!» باللغة العربية احتجاجا على ما يحدث، فيما حاول شخص إلقاء حجر، فاحتجزته الشرطة بسبب ذلك.
وجاء الضوء الأخضر لمحرقي القرآن بعد أسبوعين على رفض محكمة استئناف سويدية حظرا أعلنته الشرطة على الاحتجاجات التي تنظم لإحراق المصحف، بعدما أدى إحراق القرآن أمام السفارة التركية في كانون الثاني/يناير، إلى خروج تظاهرات استمرت أسابيع رافقتها دعوات لمقاطعة المنتجات السويدية.