السلطة تحصي الغنائم… والجماهير لم تحصد الثمار… مواجهة إثيوبيا لا مفر منها… وبديل تجاهل أديس ابابا الموت عطشا

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: بين غضب يتراكم في الصدور ما زالت مسبباته تتزايد، وفي مقدمتها غلاء يعصف بالأحلام، وبطالة تطرق بقوة أبواب الكثيرين، إثر إغلاق المزيد من الشركات بسبب ارتفاع معدلات التضخم، وما بين عامل جديد عزز من ارتفاع وتيرة الغضب، بعد ما شهدته السويد من إهانة للقرآن الكريم في السويد، حيث تواصل السخط العام وعلت الأصوات المطالبة بقطع العلاقات مع استوكهولم، وطرد سفرائها من العالمين الإسلامي والعربي، باتت مصر على موعد مع أقدار عاتية، خاصة بعد مرور عقد على ذكرى الثلاثين من يونيو/حزيران من غير أن تحصد الملايين التي خرجت حينها أي ثمار، وبمناسبة الذكرى قال الرئيس السيسي: “إن للتاريخ أياما لامعة كالنجوم تضيء عتمة الليل، وتبدد ظلمة الطغيان تنير الطريق أمام السائرين وتهديهم سواء السبيل، وعلى رأس هذه الأيام الخالدة يوم الثلاثين من يونيو عام 2013، حين انتفض شعب مصر العظيم ثائرا على من أرادوا اختطاف وطنه، رافضا الظلم والطائفية والاستبداد، ومعلنا بصوت هادر ملأ أرجاء الدنيا: «إن هوية الوطن مصرية أصيلة لا تقبل الاختطاف أو التبديل».. وتابع أن الشعب أعلن يوم الـ 30 من يونيو أن مصر للمصريين مستقلة في قرارها، 30 من يونيو كانت عنوانا لإعادة تأكيد وحدة الوطن تحت هويته الجامعة. وأضاف، احتار الكثيرون في منبع هذه الإرادة القوية التي نقلت مصر من دولة تواجه الانقسام الخطير إلى دولة متماسكة ينعم أهلها بالأمن والاستقرار.
وعن سؤال، هل تتألم الأضحية عند الذبح؟ أجاب نقيب الأطباء البيطريين السابق الدكتور سامي طه: إن عادة الذبح معروفة منذ قدماء المصريين لإطعام الإنسان، موضحا أنّه إذا اتبع الشخص قواعد الذبح المعروفة الممثلة في استخدام شفرة حادة بمعرفة جزار محترف، لا يشعر الحيوان في هذه الحالة بأي ألم، كما يتصور البعض، إذ بمجرد نحر عنقه يحدث انخفاض في ضغط دم الحيوان، وبالتالي ينسحب الدم من المخ وينتهي الإحساس بالألم تماما، لافتا إلى أن ذلك يعتمد على خبرة الشخص الذي يتولى مهمة الذبح. ومن أخبار الحوادث: لقيت فتاة تبلغ من العمر 27 عاما، مصرعها، إثر تناولها مادة سامة غير معلومة، داخل منزل أسرتها، في دائرة مركز المنشاة جنوب محافظة سوهاج، اعتراضا منها على إجبارها من قبل أسرتها على إتمام خطبتها من أحد الأشخاص.
صوت الطيب

كل من استمع إلى صوت شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، وهو يخاطب مجلس الأمن، أقوى منابر الأمم المتحدة في يونيو/حزيران 2023. قبل موسم الحج الإسلامى 1444هـ، أي قبل اجتماع المسلمين بكل طوائفهم على صعيد مكة وفي عرفة، يوم الحج الأعظم، يدرك ما انتهى إليه أسامة سرايا في “الأهرام: إنه حوّل الدين إلى معنى، وشرح معنى السلام والتعايش بين شعوب الأرض على اختلاف أديانها، وتوجهاتها السياسية والفكرية وكيف حملها الإسلام «لا إكراه في الدين»، كان صوتا رزينا حكيما، يدخل إلى القلوب قبل العقول، يدخل إلى العقل ويستقر في الوجدان، ولا يخرج منه. رفض الرجل الإرهاب الأسود، ولم يكتف بذلك، فشرح من أين أتت هذه الآفة التي خرّبت الحياة، وأضرت بالعلاقات والتعايش الإنساني الودود بين الشعوب. وقال إنها جاءت من الفلسفات المادية والحروب التي اندلعت في عالمنا وبلا مبرر موضوعي لها، حروب العراق وأفغانستان، وما خلفته من مآسٍ وكوارث وضحايا على مدار عقدين من الزمان، وكوارث لبنان واليمن وليبيا وتدمير حضاراتها، وغطرسة القوة التي حكمت قسوة المستبد على الشعب الفلسطيني، الذي احتلت أرضه، وظلمت أهله. وثمّن الرجل بموضوعية شديدة أن الأمم المتحدة تذكرت بعد غياب طويل نكبة الشعب الفلسطيني، فاحتفلت في مايو/أيار هذا العام بمرور 75 عاما عليها، في إشارة إلى أن العالم لم ينس الحرب في أطراف أوروبا ومخاوف تجدد الحربين العالميتين وأثرهما في البشرية، ويبحث اليوم عن حق هذا الشعب، في الحياة، والاستقرار بعيدا عن الحروب، واحترام المقدسات والأديان، وحق الجميع في القدس وحماية المسجد الأقصى.

هكذا تكلم

تكلم شيخ الأزهر بصوت عربي مبين، في جمع أممي بارز، وبقراءة كريمة يحمل رسالة السماء إلى الأرض، إلى كل المؤمنين المجتمعين في عالمنا، فلم ينس كما قال أسامة سرايا، الأطفال والنساء واللاجئين والهاربين من جحيم الحروب، وخراب البيئة والفيضانات واشتعال الغابات والأزمات التي تخيم على الإنسان المعاصر. وقال: لم آت هنا لكي أكلمكم عن نشر الإسلام، لكن عن نشر المحبة والتعايش بين الشعوب والأديان، وألا نتقاعس عن صدى خطاب ثقافة التعايش، ووثيقة الأخوة الإنسانية التي سبق أن وقعناها في أرض العرب في الإمارات العربية، منذ 4 سنوات في 2019، مع البابا فرنسيس بابا الفاتيكان، وهي الوثيقة التي تدعو إلى ثقافة التعايش والمحبة والحوار السلمي. كان شيخ الأزهر الجليل أحمد الطيب، يقف على أرض صلبة، وهو يخاطب الأمم المتحدة، فهو صاحب تجربة واضحة على الأرض؛ لأنه لم يقل كلاما، بل نطق فعلا وعملا، فهو يعمل مع قادة الأديان على تجديد التعايش وصنع ثقافة المحبة والسلام في عالمنا. الشيخ رقم 44 في تاريخ الأزهر المصري، تكلم عن مصر التي تفتح ذراعيها للعالم، وتحتضن السلام سياسة وصناعة، للتعايش في المنطقة العربية وافريقيا والعالم، بل تقودها لمواجهة الأزمات التي يصنعها معسكر الإرهاب، والتطرف والحروب في هذا العالم. الأخوة الإنسانية التي قادها الشيخ الأزهري المعمم من مصر إلى الإمارات إلى الفاتيكان، أصبحت رسالة قبل أن تكون خطابا يلقى على المنابر الدولية، أصبحت فعلا قبل أن تكون قولا. صوتك أيها الشيخ الجليل لن يضيع سدى، بل ذهب ليستقر في كل العقول الداعية، والأهم أنه استقر في اللا وعي، قبل أن يستقر في الوعي. شيخ الأزهر المصري العربي المسلم الأصيل، المتواضع، العالم، يسجل تاريخا للأزهر ولمصر وللمسلمين وللعالم، بحكمة واقتدار ووعي كبير. تحية للعالم الجليل، وكل عام أنتم بخير، والأزهر بألف سلامة.

لا يا وائل

تذكر الدكتور أسامة الغزالي حرب في “الأهرام” من كان الإعلام يطلق عليه في السابق “أيقونة الثورة”: هل تعرفون من هو وائل غنيم؟ إنه شاب مصري نابه، عمره الآن 43 عاما، حصل على شهادة البكالوريوس في هندسة الكمبيوتر من جامعة القاهرة في عام 2004، ثم حصل على الماجستير بتقدير ممتاز من الجامعة الأمريكية عام 2007.. وأسس أكثر من موقع على شبكة الإنترنت، وفي يناير/كانون الثاني عام 2010 انتقل وائل إلى دبي ليشغل منصب المدير الإقليمي لشركة غوغل التي تعد واحدة من أكبر خمس شركات تكنولوجيا المعلومات في الولايات المتحدة والعالم. غير أن وائل غنيم اكتسب بعد ذلك بكثير شهرة عالمية لم تخطر على باله، عندما قام في يونيو/حزيران عام 2010، أي وهو في الثلاثين من عمره، بتأسيس صفحة على «الفيسبوك» باسم «كلنا خالد سعيد» تعاطفا مع أسرة الشاب المصري خالد سعيد، الذي تورط شرطيان سريان في الإسكندرية في قتله، على مرأى من كثير من الشهود في 6 يونيو 2010. وأدى شيوع أنباء تلك الواقعة، إلى مزيد من السخط على تجاوزات بعض رجال الشرطة في ذلك الوقت. غير أن انتفاضة 25 يناير/كانون الثاني 2011 التي انخرط فيها ملايين المصريين في القاهرة وعديد من المحافظات الأخرى كانت أوسع بكثير، من تلك الواقعة، بل أنا على يقين أن غالبيتهم العظمى ربما لم يسمعوا عنها… لماذا أتحدث عن هذا الموضوع اليوم؟ لأنني شاهدت على «بي.بي.سي» قبل أيام، مقطعا طريفا لوائل، يتحدث فيه بارتياح عن عودته أخيرا إلى مصر، ويحكي عن تعامل مسؤولي الجمارك والشرطة في المطار معه، عندما عاد في سبتمبر/أيلول الماضي إلى مصر، يقول فيه بالنص إنهم عندما استوقفوه بعض الوقت احتج قائلا لهم: «أنا إللي عملت ثورة…عملت ثورة في مصر» لا يا وائل عيب أن تقول ذلك، مصر ليست هينة إلى هذا الحد، ولكن للأسف أن تلك هي الطريقة الأمريكاني في «عمل الثورات» التي لم ولن تنطبق أبدا على مصر.

بشارة خير

قرر سليمان جودة في “المصري اليوم” أن يمسك الخشب “خشية الحسد وفق ما يظنه المصريون” لأن السياحة كسبت مرتين في أجواء العيد: مرة مع ناريندا مودي رئيس وزراء الهند، ومرة ثانية مع بيب جوارديولا، مدرب فريق مانشستر سيتي. كان رئيس وزراء الهند قد جاء يزور القاهرة، وكان قادما من الولايات المتحدة الأمريكية بعد زيارة لها، وكان قد اختار أن يذهب بسرواله الشهير إلى منطقة الأهرام، وكان قد اختار أن يظهر في المنطقة بينما خلفيته الأهرام الثلاثة.. وهناك ظهر في لقطتين: إحداهما كانت مع الدكتور مصطفى مدبولي، والثانية كان معهما فيها أحمد عيسى وزير السياحة. وكان قد جلس على حافة سور قصير، بينما الخلفية من ورائه الأهرام التي لا تزال المعجزة المعمارية الأهم في العالم.. صحيح أن تاج محل في بلاده هو إحدى عجائب الدنيا السبع، شأنه في ذلك شأن الأهرام، ولكن يبدو أن الأهرام يظل لها سحرها الخاص. صورة له كهذه سوف يراها العالم كله، لأن الجالس فيها هو الرجل الذي يستقر على كرسي نهرو، ومن بعده أنديرا غاندي، وهو الرجل الذي يرأس الحكومة في أكبر بلاد الدنيا من حيث عدد السكان.. فمن قبل كانت الصين تحتكر هذا التصنيف، لكن الهنود أزاحوا الصينيين في إبريل/نيسان من هذه السنة، عندما وصل تعداد الصين إلى مليار و425 مليون إنسان، بينما كان سكان الهند في التوقيت نفسه مليارا و428 مليون هندي. والصورة بهذا المعنى ربما تكون الأعلى على مستوى عدد الذين سوف يشاهدونها.. إنها صورة مليارية بامتياز للرجل وهو جالس يبتسم للكاميرا في هدوء. أما بيب جوارديولا، فهو مدرب النادي الأقوى في العالم هذه الأيام، لأنه حصد كأس إنكلترا، ودوري أبطال أوروبا في موسم واحد، وكان ذلك على يد بيب الذي صار المدرب الأشهر.. وعندما فكر في رحلة يقوم بها بعد أن تحقق له كل هذا المجد الكروي، فإنه لم يتردد في اختيار الأقصر رغم حر الصيف، واصطحب معه زوجته وأولاده الثلاثة. ولا بد أن عشاق الساحرة المستديرة كانوا يتابعونه.. ولهذا، فإن علينا أن نمسك الخشب، وأن نطلق البخور في كل موقع سياحي.

لغة مفقودة

ما بين أزمة اقتصادية وصفها خالد سيد أحمد في “الشروق”، بالطاحنة تستنزف قدراتها وجهودها بحثا عن مخرج آمن، وجوار ملتهب تشتعل في قلبه وأطرافه الحرائق وتتدفق عبر حدوده موجات من اللاجئين إلى أراضيها، ما يثقل قواها المنهكة بالفعل، تجد مصر نفسها أمام أزمة قديمة تتجدد كل صيف، وهي الملء المستمر لسد النهضة الإثيوبي من دون التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم مع دولتي المصب ينظم تشغيله. في نهاية الأسبوع الماضي، أعلن وزير الخارجية الإثيوبي ديميكي ميكونين، أن سد النهضة يقترب الآن من التعبئة الرابعة، زاعما أن «عمليات الملء الثلاث السابقة لسد النهضة لم تُحدث ضررا بدول المصب، وكذلك ستكون التعبئة الرابعة». سبق هذا الإعلان الرسمي تأكيد تقارير صحافية أن صورا حديثة التقطتها الأقمار الصناعية، كشفت عن قيام إثيوبيا بفتح البوابة الغربية للسد، وترك البوابة الشرقية لتصريف نحو 50 مليون م3 من المياه، وهو ما يؤكد استعدادها للملء الرابع، المقرر خلال موسم الأمطار في شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب المقبلين، بعد أيام قليلة من تأكيد الهيئة الحكومية الإثيوبية المسؤولة عن مشروع سد النهضة، أن بناء السد اكتمل بنسبة 90%. تعتقد إثيوبيا أن الظروف مواتية لها لإحكام قبضتها وسيطرتها على نهر النيل، والتصرف فيه كما لو كان مجرد «بحيرة داخلية»، وليس نهرا دوليا تحكمه القواعد والقوانين المنظمة لعمل الأنهار الدولية، كما تحاول أديس أبابا إجبار القاهرة على القبول بالأمر الواقع، أو التعايش مع الألم والمخاطر التي يسببها سد النهضة لدولتي المصب، وبالأخص مصر التي «توجد على رأس قائمة الدول القاحلة بوصفها الدولة الأقل على الإطلاق من حيث معدل الأمطار بين جميع دول العالم، كما أن نصيب الفرد فيها من المياه سنويا يبلغ نصف حد الفقر المائي»، وفقا لوزير الموارد المائية هاني سويلم، خلال كلمته في مارس/آذار الماضي أمام الجلسة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2023، الذي أشار إلى أن «مصر تعتمد بشكل شبه مطلق على نهر النيل بنسبة 98% على الأقل لمواردها المائية المتجددة، وهى الموارد التي يذهب ما لا يقل عن 75% منها للإسهام في استيفاء الاحتياجات الغذائية للشعب المصري عبر الإنتاج الزراعي». سويلم شدد كذلك على المخاطر الناجمة عن التصرفات الأحادية الإثيوبية في ملء وتشغيل السد.
المؤشرات مزعجة

طبقا للمعطيات التي انتهى عندها خالد سيد أحمد، فإن مصر لا تستطيع بالتأكيد التعايش مع الألم، وتحمل المخاطر التي يتسبب فيها السد الإثيوبي حاليا ومستقبلا، وبالتالي ليس أمامها من سبيل سوى مواجهة محاولات إثيوبيا الاستفراد بالنهر والمستمرة منذ عقد من الزمان، مهما كان حجم التحديات.. لكن كيف؟ بداية ينبغي الوقوف على مواطن الخلل التي أدت بنا إلى هذا الوضع، والعمل على تلافيها في أي مفاوضات مقبلة حتى لا نصل إلى النتيجة نفسها، ويضيع نهر النيل من أيدينا إلى الأبد. كذلك يجب العمل على خلق زخم دولي حول أزمة سد النهضة، من أجل الضغط على أديس أبابا، للتوقف عن اتخاذ إجراءات أحادية تتسبب بضرر بالغ لمصر، وتهدد الأمن والاستقرار في المنطقة، وكذلك دفعها نحو «التحلى بالإرادة السياسية، للأخذ بأي من الحلول الوسطى، التي تم طرحها على مائدة التفاوض، والتي تلبي مصالحها، دون الافتئات على حقوق ومصالح دولتي المصب» مثلما ذكر الرئيس السيسي خلال مؤتمر صحافي في القاهرة مع نظيره الموريتاني بداية الشهر الحالي. أيضا يجب أن يستعيد الخطاب الرسمي المصري، اللغة المفقودة التي لا تخطئها عين، وهي أن إثيوبيا لن تنعم بالتنمية والكهرباء إذا نقصت حصة البلاد من المياه كوبا واحدا، وأننا لن نقبل مهما كانت الظروف محاولة أي طرف تهديد وجودنا وأمننا القومي، أو المس بحقوقنا المشروعة، وتغيير الاتفاقات التاريخية التي تحفظ حصتنا في مياه النيل. الوضع بالتأكيد صعب، خصوصا مع انكفاء السودان في صراعه الدموي الداخلي، لكن عندما يتعلق الأمر بمسألة وجود، فلا بد من وضع خطوط حمر لأمننا ومصالحنا القومية، مهما كان حجم التحديات التي تواجهنا داخليا وخارجيا، حيث لا يمكن أبدا ترك مصير الشعوب رهنا للظروف والتطورات غير المتوقعة، أو لمغامرات دول أخرى تهدد بشكل جدي استقرارنا وحدودنا.

حكمة إبراهيم

الدرس الأساسي الذي يمكن استخلاصه من قصة “أبو الأنبياء” إبراهيم، عليه السلام، ملخصه وفق رأي الدكتور محمود خليل في “الوطن”، أن “العقل الراشد جوهر الحكمة”. امتلك إبراهيم الحكمة.. يقول تعالى: “وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ”. الحكمة التي دعته إلى التوقف أمام قومه الذين يعبدون أصناما لا تنفع ولا تضر، ويبذلون لها القرابين، حتى باتت وبات كهنتها أثرى الأثرياء، واستحل هؤلاء «قوت يوم» الفقراء حتى ترضى عنهم الآلهة. جاء إبراهيم، عليه السلام، بـ”كلمة العقل”، العقل الباحث عن الحقيقة في ملكوت السماوات والأرض، أخذ في تأمل الكون من حوله بحثا عن خيط يصل به إلى الخالق العظيم، استخدم عقله المشتعل بالحيرة والسؤال، نظر إلى أحد الكواكب، وتساءل: هل يكون ذلك الكوكب هو خالق الكون؟ ثم استبعد الفرضية، رأى القمر، وقال قد يكون هذا، ثم استبعد ذلك، ومن بعده أبصر الشمس، فافترض الفرضية نفسها، ثم استبعدها، حتى انتهى إلى حقيقة أن الهدى هدى الله، فدعاه بالهداية: “فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ”. وما أن أدرك نبي الله إبراهيم الحقيقة حتى واجه قومه بها، ألقى بها في وجه أبيه صانع الأوثان، وفي وجه أهله وقرابته، ثم في وجه الجميع، صرخ في وجهه أصحاب المصالح، من كبار الكهنة المستفيدين من حالة العبث العقلي التي يعيشها المجتمع، هتف المجموع الجاهل وطالب بإحراقه: «قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ أن كُنتُمْ فَاعِلِينَ». إنها طريقة “العنف والقهر” المعتادة التي دأب ذوو العقل الجاهل وأصحاب المصالح على اعتمادها في مواجهة أي تهديد.

بقدر الله

تحرك قوم إبراهيم ضد النبي الذي دعاهم إلى “كلمة العقل” وكلهم ثقة في أن إرادتهم ماضية، وأنهم سوف يقضون عليه، ويقهرون كلمته، فماذا يمكن أن يفعل فرد أمام مجموع؟ يجيب الدكتور محمود خليل: أهمل هؤلاء أن نجاح إبراهيم في هدم الفكر الوثني بات إرادة من الله، لا يستطيع أحد معاندتها، وهرولوا إلى إشعال الحريق الكبير، وطمأنوا أنفسهم بأنهم منتصرون. نجا إبراهيم من النار بقدر الله، وأكلت القلوب المشتعلة بالجهل والطمع. إرادة الله مضت، وسقط المعاندون، وبات إبراهيم – وهو الفرد – أمة وحده، في مواجهة طوابير الرافضين لإعمال عقلهم، والاستجابة إلى دعوته إلى التخلي عن عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، بمن فيهم والده الذي أنجبه. كان إبراهيم يتمنى في نفسه أن يؤمن أبوه الذي يحبه ويريد إنقاذه من الضلال، لكنه أدرك أن قدر الله تعالى لا يعاند، حين بقي أبوه على وثنيته. أخذ يستغفر ربه لأبيه، لأنه سبق ووعد أباه بذلك: «سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّا»، وظل كذلك حتى تبين له أنه عدو لله.. فما كان منه إلا أن استجاب لأقدار الله، وتبرأ من أبيه: “وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إن إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ”. رأس الحكمة مخافة الله.
شراكة افتراضية

انطلاقة جديدة استبشر بها جلال عارف في “الأخبار” في العلاقات بين مصر والهند مع زيارة مودي رئيس وزراء الدولة الصديقة ومباحثاته المهمة والإعلان عن شراكة استراتيجية بين الدولتين الصديقتين. العلاقات التاريخية بين البلدين كانت دائما لمصلحة الشعبين ولمصلحة شعوب العالم. منذ أن كانت الشراكة في مقاومة الاحتلال البريطاني والثورة ضد وجوده هي التي تضع مصر والهند في طريق واحد، إلى الشراكة في قيادة حركة التحرر العالمي وعدم الانحياز التي تزعمها عبدالناصر ونهرو ومع يوغوسلافيا بقيادة تيتو، تغير العالم كثيرا بعد ذلك، ولكن تبقى لعلاقات مصر والهند خصوصيتها وأهميتها الفائقة، في ظل عالم يعود للاستقطاب والحرب الباردة، وشعوب تسعى لنظام عالمي جديد أكثر عدلا وإنسانية. الهند تخطى تعدادها تعداد الصين كأكبر دولة في العالم في عدد السكان، مع اقتصاد متقدم يضعها في المكانة الخامسة بين اقتصادات العالم. من هنا تبدو أهمية التعاون الاقتصادي بيننا، خاصة في الصناعات التي تحتل فيها الهند مكانة متقدمة مثل صناعة الأدوية التي تمد العالم بجزء كبير من احتياجاته. والفرصة بلا شك متاحة لمضاعفة الاستثمارات وتعزيز التعاون الذي سيتضاعف حتما بعد اتمام انضمام مصر إلى مجموعة «البريكس» الذي أكدت الهند أنها تؤيد إنجازه بسرعة. ويبقى مهما أن نركز على تكنولوجيا المعلومات التي حققت فيها الهند تقدما هائلا وأن نستفيد أقصى استفادة من هذه التجرية الناجحة التي أصبحت فيها الهند من أكبر منتجي العالم في هذه الصناعة الأساسية في عالم اليوم والغد. التقدم السريع في هذه الصناعة شديدة الأهمية لا بد أن يكون بندا أساسيا في خطتنا للتنمية والتقدم. والقصة هنا لا تتعلق فقط بالاستثمارات المالية الكبيرة المطلوبة، وإنما أيضا وأولا.. بالعلم والتعليم المتطور والبحث العلمي وامتلاك الكوادر القادرة على المنافسة العالمية. ولا شك في أن الشراكة بين الهند ومصر كانت دائما هي شراكة الإرادة المستقلة التي لا تستهدف إلا مصلحة الشعوب وحقها في التقدم، والتي لا تنحاز إلا لما يجنب العالم المزيد من المخاطر في ظل مناخ عالمي لم يعد يتحمل حروبا باردة أو ساخنة، ولم يعد يقبل أن تستمر هيمنة الأقوياء ولا قواعد لعبتهم غير العادلة.

بالقطعة أفضل

اقتراح أطلقه أحد القصابين في الصعيد، وهو محمد قدري، جزار في أحد ميادين محافظة سوهاج وتتضمن بيع اللحوم لأول مرة، بالقطعة الواحدة وليس بزنة الكيلو بسبب تراجع حركة البيع لديه، مع ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء، ولجأ إلى بيع القطعة وزن 60 غراما بقيمة 20 جنيها، وبالفعل ساهمت تلك المبادرة بشكل كبير، كما أوضحت ناهد إمام في “روزا اليوسف” في زيادة الإقبال والشراء داخل المحل، وأقبل زبائن كثيرون على شراء ثلاث أو أربع قطع فقط في حدود ما يمتلكونه، ودون أي حرج. أعجبتنى بصراحة فكرة البيع بالقطعة، لأنها تنجح في تحقيق العديد من الأهداف أولها، مواجهة ارتفاع سعر الكيلو، وعدم القدرة الشرائية، ثانيا، القضاء على الخجل الذي كان يسيطر على العميل في حالة طلب وزن منخفض أقل من نصف كيلو، ثالثا، القضاء على جشع القصاب أو التاجر، الذي يرفض البيع للمواطن أقل من نصف كيلو، وينظر إلى المشتري بعدم الاحترام والتقليل منه، أو يعطى له لحمة على سبيل المثال كلها عضم ودهن ويقوله “على قد فلوسك”. وفي الواقع هذه المبادرة جديدة فقط، على ثقافة الشراء لدينا وتعاملاتنا اليومية للسلع الغذائية، ولكنها مطبقة ونمط للحياة سائد في الدول الغنية المتقدمة منذ سنوات طويلة، حيث يمثل ذلك أسلوبا للشراء، فالكل مهما كانت قدرته المالية يشتري على قدر الاحتياج فقط. وتلك الثقافة الواعية، تغطي المتطلبات كافة، بدءا من رغيف الخبز والعيش الأفرنجي، لا يتم شراء رغيف كامل، ولكن يقطع إلى قطع متساوية ويتم الشراء طبقا للحاجة، والفاكهة لا يوجد شيء اسمه كيلو ولكن تباع الفاكهة بالثمرة الواحدة، سواء تفاحة أو موزة أو برتقالة أو غيرها من أنواع الفاكهة. ولا يوجد شيء اسمه بطيخة كاملة، ولكن تقطع لشرائح ويتم عرضها في ثلاجة العرض بالهايبر حتى لا تفسد، ويتم الشراء بعدد من القطع فقط كل على حسب حاجته.. وغيره من الأمثلة على الخضروات والأسماك. وتساؤلي: إذا كنا خاصة الأجيال الشابة تحاول تقليد الأجانب في كل شيء تقريبا موضة الملابس، الأغاني، حركات الرقص وغيرها، حتى لو لم يكن يتناسب مع ثقافتنا، فلماذا لا نقلد الوسائل الجيدة والداعمة لأسلوب حياة ناجح لا يختلف عليه أحد؟ أولستم تتفقون معي، أن هناك الحاجة إلى حتمية تعميم ثقافة القطعة الواحدة.

الصحة تاج منسي

كم هو عظيم على حد رأي الدكتور هاني سري الدين في “الوفد”، أن نسير دون ألم، ونتحرك دون كلل، ونعمل دون عائق جسدي.. يعلمنا المرض أننا في حاجة دائمة للالتفات لطبيعة ما نؤديه من أعمال، ونحن غير عابئين بأن طبائع الأجساد تتغير بمرور الزمن. فما كنا نبذله من جهد ونحن في بدايات الشباب، لا يمكن أداؤه ونحن في الخمسينيات من أعمارنا. صحيح أن العمل قيمة عظيمة والاستغراق فيه أمر طيب ومحمود، لكننا في بعض الأحيان ننغمس في تفاصيله، دون اكتراث بأي شيء آخر، لدرجة أننا لا نهتم بأن نريح أجسادنا لبعض الوقت، فيستنزفنا العمل ويلم بنا الوهن، ويباغتنا المرض، كجرس إنذار ورسالة تحذير وتذكير بقيمة العافية. لقد كُنت في بدايات مشوارى المهني أعمل لعدة أيام متصلة. أتذكر في بعض الأحيان كيف كُنت أسهر بملابسي في المكتب لصياغة وإعداد قانون ما، أو كتابة مذكرة مهمة، أتذكر كيف كنت في كثير من الأحيان أواصل العمل ليلا نهارا لإنجاز مهمة عاجلة. بالقطع كان ذلك طبيعيا في شبابي، وكُنت سعيدا به انطلاقا من حماسي لعملي ومحبتي له، لكن يبدو أن استمرار الجهد في معدلاته نفسها لسنوات وسنوات لم يكن أمرا صحيحا. وهذا هو ما تعلمته من وعكة صحية آلمت بي مؤخرا. فالعمل المتواصل مهما كان محببا لأي إنسان، فإن هناك ضرورة للحصول على لحظات راحة تمثل وقفات تعبوية، يعيد فيها كل إنسان حساباته، ويُخفف أعباءه بقدر الإمكان، ويتدرب على مزيد من تنظيم الوقت وتوزيع المهام، وإدارة العمل الجماعي، بما يُقلل من الوقت المهدر ويوازن بين مختلف جوانب الحياة العملية والاجتماعية. إن لكل مرحلة من مراحل الحياة تدابير محددة، والحكمة تقتضي أن نتعامل مع كل منها بما يلائمها، دون إنكار أو استهتار.

جميلة بما يكفي

لا تستطيع سحر الجعارة أن تتجاوز تأثير سبب وجودها في الحياة، كما اعترفت في “الوطن”: كبرت يا أمي ولم أعد أُعاتب.. لم أعد أحزن أو أُصدَم أو أندهش. لم أعد أشتاق – يا أمي- إلا لكِ.. لم أعد أحن لتلك الأيام التي لا أذكر تفاصيلها ولا أحلم بأيام حُبلى بمفاجآت لا أتوقعها. لم أعد أنظر في المرآة طويلا.. فتلك الطفلة التي كانت تسكنها هربت ولم تعد. كبرت يا أمي وخسرت صبري في دروب العمر.. الآن لا أتحمّل الجدال والمناقشة.. بل أتوق دائما لسحابة الصمت تحملني بعيدا. الزحام والضجيج والأضواء المبهرة تخترق سلامي.. إنها معركتي اليومية.. معركة بلا جدوى إلا لمزيد من الوحدة. أصبحت المشاعر باهتة والسيناريوهات معادة: الرجال نفسهم في حُلة جديدة لا تخفي الخداع والكذب، كبرت يا أمي.. حتى لم أعد أكبر، لا طولي يزداد ولا ملامحي تتغير.. ولم يعد شعري بنيا ولا ابتسامتي صافية ولا القلب خاليا من الطعنات.. لم تعد خلايا عقلي تتجدّد ولا مشاعرى تتألق.. كبرت يا أمى وصرت أشبهك تماما في هذه السن نفسها.. أحمل على كتفي عبء السنين، وأبتسم في صمت ويحار الناس في فهم سر ابتسامتي. كبرت يا أمي. صرت – بعدك- غريبة في عالم غريب، لقد تبدّل واقعنا، كل فرد مشغول بالتحاور مع «آلة»، قد تكون شاشة تلفزيون، أو كمبيوتر أو موبايل.. ينقلنا إلى عالم آخر متجدّد، كله حيوية وإثارة.. نحن نعيش في الفضاء الإلكتروني.. حيث نتحرّر من الواجبات الإنسانية والعائلية.. ونرمي هموم العمل وزحمة الحياة.. لكل منا «عالمه الخاص»، الذي صنعه بنفسه ولنفسه وكأننا نسجنا شرنقة تحجبنا عن الواقع ونتقوقع في داخلها لنعاني «وحدة مفتعلة». أحيانا أتصور أن مصير البطلة في أي مسلسل أصبح أهم من مصير الأخت أو الأخ، وأن الإنسان يعاني درجة ما من درجات «التوحّد مع الذات».. بإرادته.

صلة مفقودة

لو اقتحمت عزلة أحدهم وقرّرت أن تحدثه مثلا عن صلة الرحم، كما تشير سحر الجعارة فتبدأ بالحديث الشريف لرسول الله «صلى الله عليه وسلم»: (مَنْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فليصلْ رحمَهُ).. ستأتيتك لهجة تهكم.. ويرد عليك بسخرية: (هل تمر بحالة «دروشة»؟) ثم تتوالى الاتهامات بأن العلاقات الاجتماعية كلها نفعية وانتهازية، ولا أحد يسأل عنك إلا لطلب «مصلحة».. وأن الإنسان الذي يعطي بلا مقابل مريض بحب التضحية، ويعيش دور «الشهيد» بإرادته.. فلا أحد يستحق. وهكذا تتآكل إنسانية البشر، فيتحولون هم أنفسهم إلى آلات، تتحرك حسب بوصلة «الربح».. وكأننا في «بورصة» لا وجود لأسهم الود والامتنان والواجب فيها أنا شخصيا لا أتذكر آخر مرة تلقيت فيها باقة ورد، ربما كانت في عيد الأم، أو كنت مريضة في المستشفى.. لكننى أتذكر جيدا أنني – ذات مرة- ذهبت لشراء الورود لصديقة كانت مريضة آنذاك.. فسقطت وكسرت يدي ودخلت غرفة العمليات.. فلم تسأل عني تلك الصديقة، لكنني لم أقاطع بائع الزهور، ولم أخاصم الأغاني، لم أهجر نفسي لأغترب في عالم الأنانية و«الأنا مالي» ما زلت أفتش في كل إنسان عن موطن الجمال، أعانق ما أجده من صدق نادر، أتمسّك بلمسة دفء ولو كانت عابرة.. أتراني «ساذجة؟».. ربما. أصعب ما في الحياة أن تعيش مستيقظا دائما، ترى عيوب البشر وتجسّدها، تتذكّر خطاياهم وتعيشها ألف مرة، تستدعي الخيانة لكي تحمي نفسك من التعرّض لها مجدّدا… نحن نداوي أنفسنا بالتسامح وتجاوز ذنوب الآخر.. قبل أن نمنحهم الغفران. نحتفظ بيدنا طاهرة، ممدودة بالحب، مهما جرحتنا الأشواك وأدمت قلوبنا..

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية