حين تمرد رئيس مجموعة «فاغنر» العسكرية الروسية، يفغيني بريغوجين، على معلمه فلاديمير بوتين، لم يكن يرمي إلى الاطاحة به أو الاستيلاء على الحكم في الكرملين بالقوة. ولا أدل على ذلك من أن حركة التمرد توقفت بعد ست وثلاثين ساعة فقط من إطلاقها، وأن قائد التمرد رضي بخفض سقف مطالبه بشكل غير متوقع. من الواضح أن الحركة التي قادها بريغوجين (طباخ الكرملين سابقا) تندرج في إطار «صراع الأجنحة» داخل السراي، وتحديدا في الدائرة الضيقة المحيطة ببوتين. وارتدى هذا الصراع صورة العداء المستحكم بين وزير الدفاع سيرغي شويغو وزعيم «فاغنر» الذي يُحمل الأول المسؤولية المباشرة عن الخسائر البشرية والمادية الفادحة، التي تكبدها الجيش الأحمر في الحرب على أوكرانيا.
في المقابل، يعتبر شويغو أن مقاتلي «فاغنر» عصابات تُشوش على الجيش النظامي، بالاعتماد على مجرمين مسجونين مدفوعي الأجور. من هنا بات الصدام بينهما أمرا محتوما، خاصة بعد توالي البيانات العسكرية التي تصدرها «فاغنر» مُعلنة عن انتصارات تقول إن قواتها حققتها، لكن من دون إثباتات. وخلافا لتوقعات بعض المحللين، الذين يعتقدون أن الخلاف مع الحكومة الروسية سيُضعف «فاغنر» لتصبح لقمة سائغة للمعسكر الغربي، فإن زعيمها بريغوجين سيستخدم العلاقات الواسعة، التي ربطها، مع قادة دول أفريقية، ليس فقط لتمويل مشاركته في الحرب الروسية الأوكرانية، وإنما أيضا لإرسال مقاتلين إلى تلك الجبهات. ويصدق هذا الوضع على دولة مثل مالي، التي تستخدمها «فاغنر» منصة لإرسال السلاح والذخيرة إلى جبهات القتال في أوكرانيا.
ويرتاب الغربيون في عناصر «فاغنر» المقيمين في مالي منذ كانون الأول/ديسمبر 2021 مُعتقدين أن هؤلاء مُستعدون لاستخدام وثائق مزورة لشراء أسلحة من تركيا.
تكفي الاشارة في هذا المضمار إلى أن رُبع السلاح في منطقة جنوب الساحل والصحراء مصدره روسيا، فهي المزود الأول لدول المنطقة، ما يُسهل استخدام تلك الأسلحة، عندما يُعاد إرسالها إلى روسيا. وأفادت تسريبات أمريكية أن زعيم السلطة الانتقالية في مالي العقيد أسيمي غويتا، أقر بأن بلده يمكن أن يقتني أسلحة من تركيا لحساب «فاغنر».
ومن علامات التعاون بين روسيا والسودان الزيارة التي أداها حميدتي إلى موسكو، غداة اندلاع الحرب في أوكرانيا، والحفاوة التي حظي بها من المسؤولين الروس. وليس حميدتي المسؤول الوحيد الذي زار موسكو لعقد حلف عسكري مع الروس، وإنما سار على الطريق نفسه اللواء المتقاعد خليفة حفتر في 2017 وأجرى هو والوفد المرافق له محادثات مع القيادات العسكرية الروسية، وفي مقدمها سيرغي شويغو، وزير الدفاع منذ 2012 الذي لا يُطيقه بريغوجين. لكن لا يُعرف مصير تلك الاتفاقات، التي وقع عليها الجانبان في احتفال على متن إحدى القطع البحرية الروسية.
أكثر من ذلك تتولى قوات «فاغنر» وقوات الدعم السريع حماية مناجم ذهب في السودان، حسب مركز الأبحاث «يوروبيان كاونسيل أون فورين ريلايشن» (المجلس الأوروبي حول العلاقات الخارجية). ويضم باطن الأرض في السودان ثروات كبيرة، فهو ثاني أكبر منتج للمعادن الثمينة في القارة الأفريقية.
والأرجح أن ليبيا ستكون في مقدم المتأثرين سلبا بتداعيات الحرب الأوكرانية. وهذا ما أكده وزير الإعلام الليبي الأسبق محمود شمام، الذي حذر من أن ما يجري في السودان سيُلقي بظلاله على ليبيا، وخاصة على معسكر اللواء المتقاعد خليفة حفتر، بالنظر للدعم الذي لقيه الأخير طيلة سنوات، من قائد قوات الدعم السريع.
قوة متعددة الرؤوس
لكن لا يجوز أن يعتقد أحدٌ أن موسكو ستقطع علاقاتها يوما مع «فاغنر» في أفريقيا، أيا كانت التعارضات في المواقف، لأن السلطات الروسية اعتمدت على «فاغنر» كإطار سياسي وعسكري وأمني، لنشر نفوذها في بلدان عربية وأفريقية عدة. وما يُعزز هذا الاتجاه أن «فاغنر» هي قوة متعددة الرؤوس، عسكرية واستثمارية وأمنية وتجارية، وبالتالي لن تقبل موسكو بمحو ما بنته الدبلوماسية الرسمية والدبلوماسية الموازية في أفريقيا، طيلة أكثر من نصف قرن. ورأى خبراء أن الروس يفضلون في هذه المرحلة البقاء بعيدين عن الأضواء، لضمان مصالح شركتهم «أس أم بي» التي أسسها بريغوجين أيضا، وهي الذراع الاقتصادية لروسيا في أفريقيا. وهذا يعني أن «فاغنر» تلعب أدوارا لصالح الكرملين أحيانا، وتتمرد عليه أحيانا أخرى. وبرزت روسيا بإعلان دعمها لترشيح سيف الإسلام، النجل الثاني لمعمر القذافي، للانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة للرابع والعشرين من كانون الثاني/يناير 2021 والتي أرجئت إلى تاريخ غير معلوم.
وهذا الدعم الروسي يمنح موسكو فرص الاستمرار باللعب على رقعة الشطرنج الليبية، إن في شكل رسمي، أو بالاعتماد على «فاغنر»، واستطرادا يُعززُ النفوذ الروسي في القارة الأفريقية، بالرغم من الخلافات الشخصية بين بريكوجين وشويغو. بتعبير آخر صارت «فاغنر» عبئا ثقيلا على الكرملين، لكنه يحتاج إلى خدماتها من أجل وضع الخطة الروسية للتمدد في القارة الأفريقية موضع التنفيذ. وقد جسدتها جولتان لرئيس الدبلوماسية الروسية لافروف، شملتا ثمانية بلدان في القارة بين أواخر العام الماضي وبداية العام الحالي. وما من شك بأن الحضور العسكري النظامي الروسي سيجد نفسه في مواجهة مع رغبة «فاغنر» بتوسيع مناطق نفوذها، خاصة في مالي وأفريقيا الوسطى، فكيف سيخرج الحليفان اللدودان من هذه الورطة؟