هذا هو العمل الروائي الـ13 من الروائية اللبنانية حنان الشيخ، وهو يدشن مساراً كتابياً زاخراً وخصباً حفل بالكثير من السمات الأسلوبية وتعدّد الموضوعات وتشييد بصمة سردية خاصة ومتميزة لم تعد تخفى، من جهة أولى؛ ولكنها، من جهة ثانية، لم تتوقف عن الاغتناء والتجدد، والتبدّل أيضاً. ومنذ روايتها الأولى «انتحار رجل ميت»، 1970، اتضح على نحو مبكر أنّ الشيخ تعكف على خلائط من واقعية طبيعية، ذات مشهدية حاشدة من حيث العناصر المكانية والزمانية؛ وواقعية اجتماعية، تُدرج مكوّنات بشرية متنوعة ولكن من خلال شخوص نسائية غالباً، تقترح المرأة عدسة مكبّرة تارة ومقرّبة طوراً؛ بالتضافر، العميق والبارع، مع واقعية رمزية يبدو فيها إبدال الواقع الفعلي باستعاراته الترميزية بمثابة تحصيل حاصل تلقائي، شفيف ومرن ومتخفف من أثقال التكلّف وسطوة التنميطات المسبقة والكليشيه.
في «عين الطاووس»، رواية الشيخ الأحدث، يتجلى الكثير من مظاهر تقاطع الأساليب، التي تنامت تباعاً في الماضي لكنها اليوم أقرب إلى «تطاحن» إيجابي وحيوي قد تحرّض عليه العمارات الشعورية التي تطلقها الشيخ حول ثلاثة نماذج بشرية صانعة للحكاية؛ متغايرة مرّة أو متناغمة مرّة أخرى، بين 1) ياسمين المرأة/ الأمّ والعاملة الكادحة المغتربة، الطليقة من زوج خائن، المغتربة في فرنسا، ثمّ الأنثى العاشقة؛ و2) ابنها ناجي، الشاب، حامل قسط غير قليل من تشوّهات اللجوء والصدمة الثقافية واغتراب الذات، والإدمان على المخدرات، والعلاقة المحمومة مع فتاة فرنسية؛ و3) ريكا، الابن غير الشرعي من شقيق ياسمين المقيم في السنغال، والفتى أسود البشرة اللاجئ في ألمانيا والطامح إلى الإقامة في باريس، وفرصة الشيخ للدخول إلى مسائل التمييز العنصري من زوايا مشرق لبناني مع أفريقيا هذه المرّة، من دون أن يغيب الغرب الأوروبي بوصفه حاضنة الشقاء.
هنا فقرات من ختام الرواية:
«توسلتُ آنذاك إلى المفتاح الذي كان بين أصابعي أن يسرع ويدور في ثقب باب غرفتي بعد أن دار في قلبي. الشابّان يدفشان الباب وقد تحوّلا إلى سهمين من نار. نسرع نحن الثلاثة ننقضّ على ماغي وكلبتها، نحتضنهما وأنا أصيح كالمسعور، والشابان يضربان رأسيهما بكفيهما، وريكا ينادي «الحق علي، الجق علي، كان لازم أبقى إلى جانبها»، وعندما ظننتُ أن الحياة عادت تضمني إليها من جديد وأنا أرى ماغي تشهق الشهقة تلو الأخرى، وجدت نفسي وحيداً منبوذاً، والشابان يقودان ماغي وكلبتها إلى خارج الشقة، بينما تركتني الشقة بكلّ ما فيها من ماضٍ وذكريات وحاضر، تلحق بماغي التي لم تخصّني بنظرة، ولو نظرة غضب أو عتاب. وعدنا معاً كجدول ماء رقراق رغم غياب نظرتها إلىّ آنذاك، وهو ما أوحى إليّ أنه قد بات من المستحيل أن نعود كما كنّا.
انتفض ناجي وفارق سريره وأسرع بارتداء ملابسه، وعندما فكّر في الانتظار حتى الصباح صاح بعقله أن يتركه وشأنه. أسرع بدراجته إلى حيث تقيم ماغي، سيدقّ بابها دقّة خفيفة، وإذا لم تفتح له الباب سينتظرها حتى الصباح، وحتى الظهر وما بعده، وحتى اليوم التالي والأيام التي تليه».
دار الآداب، بيروت 2023