تأثير صنع الله إبراهيم على آني إرنو في رواية «السنوات»

حجم الخط
0

في حوارٍ خاصٍ أجريته مع الروائية الفرنسية الفائزة بجائزة نوبل آني إرنو، وهو الأول باللغة العربية، في بيتها في مدينة «سيرجي» المحاذية لباريس، في نهاية شهر نيسان/أبريل من هذا العام، تحدثت الكاتبة الفرنسية عن مواضيع عديدة منها علاقتها بالثقافة والأدب العربي، وموقفها من القضايا الاجتماعية والسياسية التي يمور بها العالم العربي، وعن رأيها بالترحيب الواسع في الصحافة العربية لنيلها جائزة نوبل بالمقارنة مع بعض الصحف الفرنسية التي استقبلت بامتعاض، وقامت بالتهجم على الكاتبة والتقليل من شأنها.
وقد تشعب الحوار أيضا لجوانب مختلفة عن عالمها الروائي، فردت على سؤال لي حول من ينتقدون أسلوبها في الكتابة، ويتهمون نصوصها بالبساطة والسذاجة، قائلة إنهم «لم يفهموا نهجي في الكتابة الذي يسعى دائما للوصول إلى الواقع والواقعي» مُضيفة أيضا «إذا وضعنا جانبا القراء الذين يحبون الغنائية أو الكتابة الكلاسيكية، فغالبا ما يأتيني اللوم من أشخاص لا يعتقدون أن الكتابة فعل سياسي» مُتهمة إياهم بالقول «بل إنهم يفضلون، بالأساس، الكتب التي تصرف الانتباه عن العالم».
السؤال الأثير الذي ظل يراودني بكثرة خلال فترة إعدادي لهذه المقابلة، التي أخذ تحضيرها والإعداد لها شهورا عديدة، هو حول ما إذا كانت آني إرنو قد أحبت أو تأثرتْ بكتابٍ أو بكاتبٍ عربي، حديثا كان أم قديما، مما تُرجم إلى اللغة الفرنسية. وحين حانت الفرصة خلال حوارنا الذي امتد لأكثر من ساعة ونصف الساعة، طرحتُ عليها السؤال فأجابتني بلا تردد: «قرأتُ الكاتب المصري صنع الله إبراهيم، وكنتُ قد التقيتُ به في القاهرة، ألهمني عنوان روايته «سنوات ذات» فكرة عنوان كتابي «السنوات» وقد عززَتْ روايته لدي الرغبة في كتابة سيرة جماعية «Récit collectif» كما فعل بشكلٍ ما في كتابه».
الطريف في الأمر، أن عنوان رواية صنع الله إبراهيم هو «ذات» لكنها تُرجِمَت إلى الفرنسية تحت عنوان (Les années de Zeth) أي «سنوات ذات» وقد ألهم هذا العنوان الفرنسي آني إرنو عنوان روايتها «السنوات» (Les années). بذلك يكون صنع الله إبراهيم عبر روايته «ذات» التي أصدرتها أكت سود، عام 1993، وترجمها إلى الفرنسية ريشارد جاكموند Richard Jacquemond، قد ترك تأثيرا على إحدى أهم رواياتها وهي «السنوات» التي صدرت عام 2008، والتي نالت عليها عدَة جوائز مهمة مثل جائزة «مارغريت دوراس» و»جائزة فرانسوا مورياك» و»جائزة اللغة الفرنسية» و»جائزة ستريجا».
صنع الله إبراهيم في روايته هذه يتحدث عن مراحل متلاحقة من حياة «ذات» الشخصية الرئيسية في الرواية، وعن أفكارها، وهواجسها، وأحلامها الليلية، ودراستها الجامعية، وزواجها من عبد المجيد وعملها في الأرشيف، ويرصد من خلال سيرة حياتها تفاصيل الحياة اليومية داخل بيتها وخارجه، في قسم أرشيف الصحيفة الذي تعمل فيه، وفي واقع المجتمع المصري خلال عصرَي السادات ومبارك مع عودة متواترة إلى فترة جمال عبد الناصر، واستحضاره ليلا في هواجس وأحلام ذات. ويتتبع القارئ ذات في زياراتها للمحلات التجارية والمستشفى ومركز الشرطة والمدرسة ومكتب الصحة إلخ، ليرى ما يجري في هذه الدوائر الحكومية والمرافق المدنية من إهمال وعدم كفاءة وانعدام للإمكانيات. ويسلط الراوي الضوءَ على التحولاتِ السياسية والاقتصادية، وأثرها في حياة الشخصيات في الرواية، وطريقةِ تفاعلها ومواكبتها لهذه التحولات التي تترك أثراً، مباشرا أو خفياً، على مسارات وقرارات هذه الشخصيات في حياتها اليومية وفي قراراتها المستقبلية أيضا.

الرواية مبنية على شكلين رئيسيين من السرد: سرد روائي لوصف شخصية وتصرفات وأفكار وقرارات ذات بشكل رئيسي، وكذلك الشخصيات المحيطة بها والتي تتفاعل معها، يتبعه سرد صحافي إخباري مُقتبس من صحف ووسائل إعلام مصرية ودولية، فقد تميز صنع الله إبراهيم في عدد من رواياته بتوظيف الخبر الصحافي والإعلان والخطابات والتحليل الخبري والبحث واليوميات والمذكرات الشخصية. هذه الأخبار تتحدث هنا عن الفساد وسوء الإدارة والإهمال والجشع عند المسؤولين، وأصحاب رؤوس الأموال، وتحكم الدين في مرافق المؤسسات، وتكشف أيضا عن الأهداف المُبطنة للمانحين الأوروبيين، واستغلالهم لديون مصر الخارجية في علاقتهم معها، وتعميقهم لها.
وإدخال الخبر الصحافي إلى متن النص، في هذه الرواية، لم يكن مجرد اقتباسات متفرقة، بل اتخذ فصولا كاملة، فقد جاءت الرواية في تسعة عشر فصلا، وكانت هذه الفصول منقسمة على هذا النحو: الفصل الأول عن عالم ذات والشخصيات المحيطة بها، الفصل الثاني سرد إخباري وصحافي، الفصل الثالث عن عالم ذات، الفصل الرابع إخباري صحافي.. وهكذا دواليك. المحصلة في النهاية، تسعة فصول عن حياة وواقع ذات، ثم تسعة فصول أخرى تتابع فيها الأخبار الصحافية، وينتهي الفصل الأخير بحديث عن حياة ذات. المثير في الأمر أن السرد الإخباري الصحافي بلغ أكثر من 150 صفحة من الرواية التي جاء حجمها في 352 صفحة، أي أقل من نصفها بقليل. القارئ يقرأ هذا الحجم الكبير من الأخبار، المنتقاة بعناية، من قبل الكاتب، التي تشير لمناحي كثيرة ومختلفة من جوانب الحياة، بحيث تكاد تغطي على كل شيء وكل تفصيلة وكبيرة، دون أن يخرج الراوي عن القالب الفني لعمله الروائي، أو يخل بذلك. لذا فإن مهارته الفريدة تكمن في عنصرين أساسيين من خلال هذا العمل: من ناحية، في إدخال تسعة فصول من الأخبار الصحافية الجافة، دون أن نشعر بالضجر، فيبدو نصه الروائي هنا واسعا فضفاضا يتسع لتقلبات مرحلة كاملة من حياة المجتمع المصري. ومن ناحية أخرى، في لغة السرد نفسه، سرد حيوي، ساخر، عميق، متدفق، دقيق يشرح الواقع ويلتقط بخفة ملابساته وتناقضات شخصياته التي تقودنا غالبا إلى أقصى حالات الفكاهة. لدى صنع الله إبراهيم قدرة هائلة على إذابة عناصر الواقع في نص أدبي روائي، حتى أن ما قد يشكل حظراً أو رقابةً على الكتابة نفسها يوظفه ببراعة في السرد الروائي ذاته لتعرية هذا الحظر والتهكم عليه، كما جاء في الرواية: «تمنعنا ظروف النشر الراهنة من التعرض بالتفصيل لواحدة من أخطر اللحظات في حياة كل من ذات وعبد المجيد، لهذا سنتركهما بعض الوقت، وقد انهمك عبد المجيد في فض زجاجة ويسكي ليهدئ ما انتابه من روع، ثم نعود إليهما بعد حوالي الساعة، لنجدهما جالسين على حافة الفراش، عاريين تماما، وهما يبكيان».
بينما آني إرنو، تختار شكلا أتوبوغرافيا لنصها، هو بين الرواية والسيرة الذاتية والتوثيق التاريخي. منطلقةً من صور شخصية للكاتبة نفسها، التقطتها بين عامي 1941 و2006، تصف من خلالها حياتها وحياة الجميع من حولها في فرنسا ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى بداية القرن الحادي والعشرين. هذا النص استغراق عميق في الزمن وفي ذاكرة امرأة، هي آني إرنو نفسها، كما عاشت في سياق تاريخي واجتماعي وسياسي محدد. لم تستخدم كعادتها ضمير المتكلم، بل اختارت هنا ضمير الغائب «هي» لتتحدث عن نفسها، فهي «تتحدث عن ذكرياتها الشخصيَة جاعلة منها موضوعا جماعيا، عبر استخدامها ضمير الغائب». وهناك هدف أوتوغرافي أساسي في نصها وهو تسجيل «عبورها على الأرض في فترة محددة» عبر سرد تستخدم فيه أيضا ضمير الجماعة، لتتحدث عن زمن تحولات عميقة في المجتمع. تطرقت في كتابها لمواضيع عديدة، نهاية نظام «الثلاثون المجيدة» التي تشير إلى الفترة بين 1945 و1975 التي شهدت فيها أغلب الدول المتقدمة عموما نموا اقتصاديا كبيرا، وبداية فترة الركود العميق، وأحداث مايو/أيار 68 وما تخللها من مظاهرات وإضرابات عامة واعتصامات في الجامعات والمصانع أيام الثورة الطلابية في فرنسا «ضد الرأسمالية والنزعة الاستهلاكية والإمبريالية الأمريكية والمؤسسات التقليدية». وتحدثت عن التحولات المجتمعية متمثلة في العادات الجديدة: الإنترنت والمجتمع الاستهلاكي «الذي جعل من الحرية تأخذ صورة مركز تسوق».
اختار صنع الله إبراهيم تسجيل مرحلة كاملة من المجتمع المصري، تسارعت فيه التحولات العميقة والمتعددة، معتمدا على شكل فني يتداخل فيه السرد الروائي بالسرد الصحافي الإخباري، وقدم لنا عملا روائيا باهرا كسجلٍ أدبيٍ وتاريخيٍ لمرحلة كاملة في أكثر من جانب، وعلى أكثر من مستوى. أما آني إرنو فقد وصفت مجتمعا كاملا عبر وصفها لحياتها الشخصية، معتمدة على شكل فني، أكثر بساطة وأكثر مباشرة، والجدة فيه تكمن في هذا المزج بين السيرة الذاتية، باستخدامها ضمير الغائب، والتوثيق والتأريخ من خلال استخدامها ضمير الجماعة «نحن». المشترك بين الكاتبين، فضلا عن هاجس الكشف والتأريخ، وتعرية المجتمع، هو أنهما يتحدثان عن مرحلة متقاربة، تتسارع فيها التحولات والتقلبات وهي النصف الثاني من القرن العشرين.

كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية