الحملة في جنين محدودة بأهدافها وبمدتها الزمنية، وكذا في بعدها الجغرافي الذي تجرى فيه. لا توجد في القيادة السياسية – الأمنية أوهام بأنها ستغير صورة الإرهاب في الضفة جوهرياً، وربما لا تكون هذه إلا حملة أولى.
هذه البداية ضرورية لتنسيق التوقعات مع الجمهور الإسرائيلي الذي كان من شأنه أن يخطئ أمس – لسماعه محافل في الحكومة والائتلاف – بأنها صيغة حديثة لحملة “السور الواقي”. من يدعي ذلك، ليس مطلعاً على أهداف الحملة. بخلاف الحملة في حينه والتي شاركت فيها بضع فرق على مدى أسابيع طويلة وفي كل المناطق، تعد هذه المرة حملة لوائية تركز على جنين فقط. كما أن ليس لأحد رغبة في أن يعلق في بقاء طويل في المكان؛ فهذه وصفة مؤكدة للتورط ولإصابات في جانبنا ولمواطنين قتلى في الجانب الآخر، وانتقاد دولي في أعقابها وربما أيضاً بارتباط الساحات مع غزة ولبنان وسوريا.
تسعى إسرائيل للامتناع عن كل هذا. وعليه فثمة رغبة في الوصول إلى إنجازات في أقصى فترة زمنية ممكنة؛ أن تعتقل أكبر عدد من المطلوبين (يوجد عشرات آخرون لم يلقَ القبض عليهم بعد)، والعثور على أكبر عدد ممكن من المختبرات والمخارط ومخازن السلاح وتدميرها، وجمع السلاح غير القانوني – والخروج من المدينة.
كل هذه يفترض بها أن تحقق أثراً ثلاثياً: اجتثاث فكرة المخربين بأن مخيم جنين يعدّ مدينة لجوء آمنة يمتنع الجيش الإسرائيلي عن العمل فيها؛ وإحباط المحاولات (وأساساً من الجهاد الإسلامي) لجعل جنين غزة أخرى، وخصوصاً في مجال العبوات والصواريخ؛ وخلق ردع أكبر خارج حدود جنين وفي المناطق التي رفعت مؤخراً الرأس وتهدد بأن تصبح مشكلة كبيرة (وعلى رأسها مخيم نور شمس للاجئين في طولكرم).
التنسيق مع الفلسطينيين
يفترض بالقسم الأول أن يتحقق في أثناء الحملة، وأساساً بعدها. ففي الفترة الأخيرة، وجد الجيش الإسرائيلي صعوبة في الدخول إلى جنين، وكل حملة ترافقت وقتالاً شديداً. عقب الحملة، ثمة مطالب للجيش الإسرائيلي بخلق تواصل جار لاقتحامات مخيم اللاجئين للإيضاح بأن المخيم لم يعد حصيناً. ويفترض بهذه الرسالة أن تنتقل إلى جبهات أخرى في الضفة أيضاً، وإذا لم يحصل هذا فسيعمل الجيش فيها في الوقت القريب القادم. في أثناء هذه الحملات، يفترض أن يتحقق القسم الثاني من الضربة للبنى التحتية ومنع التسلح الخطير، وخصوصاً العبوات والصواريخ.
الفهم بأنها حملة محدودة مهم أيضاً حيال الساحة الفلسطينية. فقد امتنعت إسرائيل عن عملية كبيرة في جنين كي تعطي أملاً لخيارات أخرى (فشلت)، وهنا سيكون مفضلاً العودة التدريجية لعمل أجهزة أمن السلطة الفلسطينية في شمال “السامرة”. احتمال حصول هذا يبدو طفيفاً الآن، إلا إذا تحققت ضربة قاسية ومتواصلة لبنى الإرهاب التحتية في المنطقة.
إن التحدي الأكبر في مثل هذه الحملات هو الامتناع عن التورط. في هذه الأثناء، يوجد لإسرائيل ائتمان دولي للعمل، ويخيل أن ليست هناك حماسة كبرى لفتح جبهة أخرى في أوساط منظمات الإرهاب في المنطقة أيضاً، لكن عدداً كبيراً من المصابين في جنين قد يغير كل شيء، ويشجع على تنفيذ عمليات على جانبي الخط الأخضر.
في اليوم التالي للحملة، ستكون هناك حاجة لصيانة جارية لما تحقق، وقول واضح ونزيه، يختلف عما قيل في اليوم الأخير: لا حلول بضربة واحدة وانتهينا. المتوقع من قيادة مسؤولة أن تقول الأمر المسلم به: الإرهاب يرافق إسرائيل منذ بدايتها بل وقبل ذلك، وسيرافقها في المستقبل أيضاً، بقوى متغيرة، ستستوجب رداً متغيراً.
وإلى ذلك، لا يمكن تجاهل أن الحملة ترابطت مع الاحتجاج المتعاظم حول التشريع القضائي. ظاهراً، لا يوجد ارتباط: الجيش الإسرائيلي يعتمد في الحملة على القوات النظامية، لكن تشديداً محتملاً للقتال في “المناطق” [الضفة الغربية] أو توسيعه سيتطلب جهداً وطنياً واسعاً بينما الوطن مقسوم. هذه إشارة تحذير تستوجب تفضيلاً وطنياً لما هو أهم: إما الأمن أو التشريع. من يعتقد أن دمج الاثنين ممكن بالتوازي سيخيب ظنه في المستقبل القريب، وبثمن أليم.
يوآف ليمور
إسرائيل اليوم 4/7/2023