الإخوان المسلمون.. من المعرفة إلى الأيديولوجيا

حجم الخط
0

مروان العياصرة كيف يمكننا تصنيف (الوسطية الإسلامية) الشعار المحوري أو النظرية المحورية بحسب تعليق الشيخ راشد الغنوشي على كتاب فقه الجهاد للعلامة يوسف القرضاوي؟

، الفكرة أكبر من كتاب خاص في الجهاد، وأقرب ما تكون إلى رؤية إسلاموية متساوقة مع تحولات فكرية كبرى، أو ربما متساوقة مع انحرافات فكرية في المفاهيم، او ربما أيضا متساوقة مع الاثنين معا. ليس هذا المدخل للحديث عن الجهاد وعصرنة المفهوم وتحولات الفهم والتحليل فيه، لكنه إضاءة لوسطية إسلامية يجري الآن اختبارها وتجربتها في سياق ممارسة إسلامية متحولة من المعرفي إلى الأيديولوجي، وهو اختبار ليس سهلاً وتجربته ليست بسيطة، إذا ما كان الهدف الخروج من أسر سلطة المفهوم إلى الحالة العملية المنجزة عبر فاعلية عقلية نشيطة، لكن المقلق هو في عكس مجرى التحول، إذ بنت الحركة الإسلامية كل نظرياتها وفقا للتحول من الأيديولوجي إلى المعرفي، لكن في الحسابات السياسية يجري الاستعاضة عنه بعكسه، والاشتغال بالفاعلية الأيديولوجية كبديل ربما ظرفي عن الفاعلية المعرفية.

الإخوان المسلمون، يمثلون اليوم نموذجا متمايزاً لدراسة الإشكال المعرفي الأديلولوجي والاشتغال عليه، وتوظيفه في أقصى طاقاته، كما يمثلون وفقا لما أحاول عرضه الحالة الحرجة في جدل الإنفصال والاتصال، وفي مجال (الحركة) وتنظيراتها وفاعلياتها ومشاركاتها في المشهد السياسي والاجتماعي العربي الراهن، وقد انطلقوا في ذلك من قناعتهم بأن الفاعلين الآخرين وضعوهم أمام حتميات المواجهة مع الآخر، الاطراف والفاعليات الأخرى، التي لمحوا فيها نية عزل الحركة وركنها في أحد هوامش السياق المعرفي.

يحاول الإخوان أن يعيدوا للمجتمع إنتاج الأيديولوجيا في إطار يزيل اللبس من الإشكال المعرفي والأيديولوجي، منحازين للتعريف الماركسي المتحول للأيديولوجيا من اعتبارها فكرا زائفاً، ووعياً مشوهاً إلى أعتبارها قيمة معرفية مضافة، لكن في مواجهة ميكانيزمات مؤثرة في الوعي المجتمعي يجد الإخوان المسلمون أنهم في السياق الإشكالي ذاته، فالخصوم التقليديون، يعيدون إنتاج صور هذا الإشكال ويعممون تأثيراته السلبية ويكرسون قناعة مطلقة بأن الأيديولوجيا الإسلامية موقوفة فقط على خطابها، وأنها تفك الارتباط بينها وبين المعرفي العام لصالح الطرح الأيديولوجي الخاص، ويغفل هؤلاء الخصوم عن أن الأيديولوجيا بغض النظر عن انحيازاتها الفكرية انما هي جزء من الفاعلية المعرفية أو أنها متماهية فيها، وبخلافها يصبح المعرفي مهمش بإرادة السلطة التي لا تنتمي أساساً إلى المعرفي أو الأيديولوجي.

قريباً من الفكرة المخصوصة في هذا المقال، فإن مشاركة الإخوان المسلمين في تنافسية رئاسية مصرية جعلتهم يدخلون في سياق الأيديولوجي، متحولين عن المعرفي العام، بخلاف التجربة التونسية التي فرض واقعها عليها ربما أكثر من واقع مصر، أن تمارس حضورها في خطيَّة معرفية تنجز فيه أيديولوجيات متعددة الشكل المعرفي العام، ولعل هذا أبلغ في اجتراح نجاحات مثلى، أكثر مما هو في مصر اليوم.

هل يستطيع (المرشح الإخواني محمد مرسي) في حال نجاحه أن يقول على غرار ما قال ماركس (أنا لست ماركسيا)، أو كما قال البنيوي ميشال فوكو (أنا لست بنيويا)، في إشارة إلى أن التحيز المعرفي حسب عبارة المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري أهم وأجدى من التحيز الأيديولوجي.. ؟ ، وإن استطاع، كيف يستطيع أن ينطلق بهذه المقولة من الوضعية إلى الموضوعية، وهل يكفي تعهد المرشد العام للإخوان المسلمين بأن يحلَّ الرئيس المحتمل في حال فوزه من بيعته ليتمكن من أن يقول (أنا لست إخوانياً)، كل هذا مجال اشتباك لم ينجز بعد، بين المعرفي والأيديولوجي، وقد يستقيم الحكم هنا ان هذه الحركة التي قاربت على بلوغ قرنها الأول نضجت أيديولــوجــيــا بما فيه الكفاية، لكنها تراوح مــكــانها في النــضـج المعرفي، ولا يقع هذا الحكم في سياق الإتهامية بقدر ما هو في السياق النقدي الذي تمارسة الحركة على نفسها بنفسها أيضاً.

في هذا التناول الشائك للتحولات أو الانحرافات الفكرية بين المعرفي والأيديولوجي تبدو القيم والفاعليات الجزئية كالفاعلية الاقتصادية على سبيل المثال قادرة على تقديم تقييم موضوعي جاد للأيديولوجي، وهذه الفاعلية هي الميكانيزم المعتمد في هذا الراهن العربي اكثر من الفاعلية الثقافية، وعلى هذا التأسيس – حسب فرانسيس فوكوياما في (نهاية التاريخ) (يصبح النضال الأيديولوجي الذي يدّعي جسارته وشجاعته ومثاليته إلى أقصى حد، سيتم استبداله بالتقييم الاقتصادي، فالحلول اللانهائية للمشكلات التكنولوجية، والاهتمامات أو القضايا البيئية، وإشباع حاجة المستهلك المعقدة في مرحلة ما بعد التاريخية Post – historical لن تكون فنية ولا فلسفية، إنها بمثابة المعرض الدائم للروح الإنسانية). وأخيرا، يبقى الرهان الأيديولوجي لدى الإخوان المسلمين كقوة ثورية إصلاحية تسير في موازاة التحدي التحدي المعرفي.’ كاتب اردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية