حليم بركات… الموت واسئلة الاغتراب الثقافي

موت حليم بركات وسط عطبٍ ثقافي عربي، يُثير أسئلة فاجعة حول علاقة موت المثقف بموت الأحلام الكبرى، وبرهاب الفراغ «الجيوثقافي» الذي يتركه موت النُخب المُؤسِسة لـ«نقد العقل العربي والإسلامي» ونقد «النظام الفكري العربي» فموت محمد عابد الجابري ومحمد أركون وهشام جعيط وهشام شرابي وجورج طرابيشي وصادق جلال العظم، وأخيرا حليم بركات، تحوّل إلى موت «سيميائي» للمشروع النقدي العربي، ولأيقوناته التي استقطبت سجالات ثقافية ونقدية واسعة، ووضعت محنة العقل العربي في سياق محنة المشروع النهضوي.
سؤال الاغتراب الثقافي هو المجال المفهومي لمشروع حليم بركات، بوصفه تمثيلا لاغتراب الذات القومية، وعزلا لفاعليتها الثقافية، إذ بات هذا الاغتراب مثارا لجدل فكري صاخب في سياق علاقته بالاجتماع الثقافي العربي، أو في سياق تحوّله إلى مأزق أيديولوجي، فبركات وجد في هذا المفهوم حمولة رمزية ونفسية وفلسفية واجتماعية، لتمثيل هذا المأزق في صيغته الثقافية، وفي صيغة انوجاده الإشكالي في المكان/ المؤسسة/ النظام، فضلا عن علاقته الإشكالية مع السلطة، فكانت أطروحته البحثية والاستطلاعية تذهب في اتجاه البحث عن تمثلات المأزق، عبر جذر «الهزيمة» وعبر ما تركته من تشوهات بنيوية في تداول مفاهيم مجاورة ظلت تعيش إسقاطات لعنة الاغتراب، مثل الهوية، الحرية، الديمقراطية، الإصلاح، النهضة، التعليم، السياسة، الأمة وغيرها. هذه التمثّلات الشائهة، عبّرت عن أزمتها من خلال مظاهر «الحداثة المُجهَضة» كما سمّاها فيصل درّاج، إذ بدت مظاهر الإجهاض صاخبة وعشوائية عبر رثاثة الأنتلجنسيا العربية التي كانت تعيش تحديات عجزها، وبحثها عن حلمٍ تطهيري، وعن «حريات واقعية» وليست استيهامية، مقابل صعود الشعوبيات الأيديولوجية والثقافية السياسية، المسؤولة عن إنتاج سلسلة أكثر رعبا لـ«الاغترابات العميقة» التي وجد المثقف نفسه مسكونا بتداعيات نكوصاتها وخرافاتها وأوهامها وسطوتها القامعة.

كتابات بركات عن الاغتراب، كانت محاولة لقراءة جوهر الأزمة، وليس الاكتفاء بالتعاطي مع شكلها المحكوم بعوامل الرعب والاستبداد السياسي، إذ يعكس هذا الاغتراب حمولات تتجاوز ما هو فلسفي كما يطرحه كارل ماركس، إلى اغترابات وجودية عميقة، تتبدى من خلال الضياع النفسي والسياسي الذي عاشه المثقف ومشروعه، مثلما كان تعاطيه مع الاغتراب الثقافي منطلقا لتمثيل سوسيولوجيا الصراع بين الذات العربية والعالم، والذي أضحى أكثر تغولا عبر مظاهر الاستهلاك والهيمنة، وبقدر ما كان مشروع حليم بركات التنويري قرينا بالقراءة النقد ثقافية لما يجري، فإن تحوّل النقد إلى مانع أنطولوجي جعل المثقف يعيشه بوصفه عزلة، وتهميشا، وربما طردا عن مدن لا تحلم، ولا تفكّر، وتعيش أضحويتها مثل كائنها المُستلب بالاستبداد والرعب والعزل، والمحكوم بسطوة المعسكر والأيديولوجيا والعصاب.. وجد بركات في كتاباته عن سرديات المنفى والهزيمة، مجالا للكشف عن محنة الشخصية، وعن محنة حلمها وعن مأزقها الوجودي، فكانت رواياته الواقعية تنحاز إلى مشروع المثقف/ البطل الرائي، الذي يجد في المشاهدة والمراقبة أفقا سوسيولوجيا للمراقبة، إذ يرقب من خلالها كل التحولات العاصفة التي عاش مخاضها «المشروع القومي العربي» في ثوريته، وفي رومانسياته، وفي علاقته الملتبسة مع الآخر، وصولا إلى هزيمته في «الأيام الستة» التي حفّزت الكاتب على اصطناع ما يمكن تسميته بـ«الواقعية الوحشية» تلك التي حملت معها سرديات الصراع، بوصفها سرديات إجهاض، للحلم والحرية وللنهضة، ولموت المدينة «الملونة» عند صدمة الهزيمة، وعند صدمة الحرب الأهلية، وهي حرب تمثيلية للاجتماع المأزوم الذي عاش عقدة الذات المتشظية. كتب بركات عن مسؤولية الكاتب، وعن تعاطيه مع الأسئلة الكبرى، ومساءلته لكثير من النكوصات التي أفقدت المثقف قدرته على وعي الحاجة إلى مشاريع التنوير والإصلاح والحداثة، وإلى دينامية المواجهة، فكانت كتابته عن المنفى والهزيمة هي الشواهد على «وعيه الشقي» بالمحنة، وعلى تعاطيه الفلسفي والاجتماعي النقدي والصادم مع مفهوم الاغتراب، بوصفه تمثيلا للضياع، ولطبيعة المهيمنات التي يفرضها الآخر «الاستعماري» عبر دوره في صناعة الكثير من الهزائم والمنافي والاغترابات… موت حليم بركات هو موت لشاهد واع، ولمثقف تركته التحولات العاصفة عند عتبة الدرس، ليدوّن هزائمنا في المعارك الأنطولوجية، التي حملت معها تمثيلات فارقة لهزائم مشاريع التنوير والإصلاح والحداثة.

قد تبدو كتابات حليم بركات الروائية أكثر التزاما بالواقعية وبقضاياه الإنسانية والقومية، لكنها كانت أكثر تمثيلا لوعي المثقف وهو يرصد تحولات الاجتماع العربي في مخاضاته الصراعية، وفي علاقة الأدب بالدرس الاجتماعي والتحليل الفكري الأكاديمي، إذ وجد فيه بركات مجالا لتمثيل الأفكار التي تعجز الدراسات الاجتماعية عن تمثلها.

بركات والنقد الاجتماعي

يمثّل النقد الاجتماعي مظهرا ثقافيا واضحا في مشروع حليم بركات، إذ حفلت دراساته وكتاباته الاجتماعية والروائية بكثير من أسئلة هذا النقد وأطروحاته، لاسيما ما يتعلّق بـ«الحراك الثقافي» وعلاقته بالفكر الاجتماعي، ودور النخب الثقافية في مواجهة تحديات «الداخل» حيث المشكلات الاجتماعية المعقدة، وحيث الانسداد السياسي، وحيث رثاثة البنى المؤسِسة في التعليم والتنمية والإدارة والحريات العامة والعدل الاجتماعي، وكذلك في مواجهة تحديات «الخارج» حيث الهيمنة الغربية ومركزيتها، وحيث الصراع القومي مع إسرائيل، وحيث تمثلات العزل الحضاري والعلمي وتمثلاتها في مظاهر الاغتراب التي عاشها المجتمع العربي، والمثقف العربي، فالاغتراب تحوّل إلى ما يشبه العزل، والهجرة الاضطرارية، وحتى الطرد الاضطراري. انطلق سؤال النقد الاجتماعي في المشروع التنويري لحليم بركات من خلال نقد واقع الاجتماع العربي، ونقد النخب الثقافية والأحزاب السياسية، التي لم تستطع أن تصنع مواجهات حقيقية مع «الآخر» بمفهومه الاستعماري، أو الاستشراقي، بل انشغلت بطموحاتها وبأطروحاتها الثورية والشعبوية عن الحكم والثروة والهيمنة، ما أسهم في صناعة مؤسسات الاستبداد السياسي والعسكري، التي عملت على إنتاج وتكريس الديكتاتوريات، وتقويض أي مناعة لـ«الشعوب» ولطموحاتها، فضلا عن تجريدها من أي فاعلية لتشييد مشروع نهضوي حقيقي قابل للحياة، وهو ما وصفه بركات بالقول «إن خلق كيانات مفتعلة وهزيلة، بل متنازعة في ما بينها، أسهم في صناعة هويات صغيرة، اخترعت لنفسها رموزا وشعارات وادعاءات فارغة، وليس غريبا في هذه الحالة أن يُصاب الوطن بالعجز، وأن تنشأ فجوات عميقة بين الشعب والدولة»

المثقف وأزمة النقد الاجتماعي

منظور حليم بركات لوعي التغيير، ولمواجهة أزمة الوعي الثقافي تبدّى من خلال رؤيته الواقعية الإصلاحية الدارجة في علم الاجتماع، إذ يجد أن أزمة المثقف هي أزمة مركّبة، تبدأ من علاقته المأزومة بالسلطة والمهيمنات الأيديولوجية الحاكمة، وغياب المؤسسات الديمقراطية الصيانية، وصولا إلى علاقته الأكثر غموضا واغترابا مع «الثقافة الدينية» التي وظفتها بعض المؤسسات لدعم الاستبداد تحت يافطة شرعنة «ولاية الأمر» وتبرير ما تصنعه الحكومات المُستبدة من رعب وتغييب وقهر اجتماعي وسياسي، ما يعني ربط المجتمع بغايات ووسائل جعلته أمام أشكال معقدة لانسداد الأفق السياسي والاجتماعي. ولعل فشل المثقف العربي في أن يكون «نقديا» و«عضويا» عكس مدى الضعف الذي كرّسه الاستبداد، بما فيه التماهي مع الماضي بوصفه استبدادا زمنيا، فضلا عن تعطيل الوظائف الحيوية لهذا المثقف وتعطيل طاقته في صناعة مؤسساته ومشاريعه وبرامجه وتجديد رؤيته للعالم، ليس بمواجهة الاستعمارات الخارجية فقط، بل بمواجهة الرثاثات الوطنية والتشوهات والانسدادات، التي جعلت من المثقف تابعا ومهزوما، ومُغتربا ومعزولا وباحثا عن الهجرات الاضطرارية كنظير للخلاص والتطهّر والتلذذ بسعة الحلم.

حليم بركات وسرديات الاغتراب

قد تبدو كتابات حليم بركات الروائية أكثر التزاما بالواقعية وبقضاياه الإنسانية والقومية، لكنها كانت أكثر تمثيلا لوعي المثقف وهو يرصد تحولات الاجتماع العربي في مخاضاته الصراعية، وفي علاقة الأدب بالدرس الاجتماعي والتحليل الفكري الأكاديمي، إذ وجد فيه بركات مجالا لتمثيل الأفكار التي تعجز الدراسات الاجتماعية عن تمثلها، لاسيما الروايات التي تخص معاناته في المهجر، وفي داخل المكان العربي، وفي ما يخصّ رؤيته لما يجري فيها من عنف، ولما يصطخب في عوالمه من أسئلة جعلته أكثر تواريا خلف سرديات التخيّل الروائي، ولما يُتيحه من فضاء استعاري حر، للكتابة عن الأفكار والصراعات، وعن أزمة الإنسان العربي وسط رثاثاته الوطنية، وما يعيشه من عنف سياسي واغتراب داخلي، تجسدت عبر وعيه بأزمة النظام العربي، وهشاشة إرادته، فضلا عن رصده ليوميات مدينة بيروت التي عاشت إجهاضات مشروعها التنويري في حربها الأهلية في السبعينيات، والتي تسببت في احتلالها من الجيش الإسرائيلي عام 1982. كتب في رواياته الأولى عن وعيه القلق بالمتغيرات الفارقة في استشرافها لثيمات العنف والصراع وللعلاقة مع الآخر، لاسيما في روايته «ستة أيام» الصادرة عام 1961 والتي عدّها البعض نبوءة لما حدث في ما بعد في حرب الأيام الستة في حزيران/يونيو عام 1967، إذ اصطنع لروايته مكانا افتراضيا سمّاه «دير البحر» جعله يواجه حصارا مرعبا، وخيارا أكثر رعبا بين الاستسلام أو الموت..
هذه الرواية المليئة بالإشارات الأسطورية والأدبية، جعلت من تضادات الغدر والفداء والبحث عن الخلاص ثيمات رئيسة، فغدر العدو للمدينة، جعل أبناءها أكثر شغفا بالدفاع عنها حدّ الموت، وبالبحث عن خلاصات عاطفية، عبر النداء، واستدعاء الاحتفال، وعبر الجنس بدلالته الإشباعية، لتكون المدينة/ دير البحر رمزا، وتموضعا أمام قدر وجودي يصطنع له بطولة تقوم على الشعب، وليس على الاستعانة بالآخر، والتي تبدو جلية في النهاية الفاجعة، إذ تكشف عن القوة الداخلية التي تجعل من البطولة أسطورة أخرى لمواجهة العدو والهزيمة.
وفي روايته «عودة الطائر إلى البحر» الصادرة عام 1969 جعل من مأساة الهزيمة عتبة لإدانة الواقع العربي، وللأسباب التي صنعتها، وللأنظمة التي جعلت من الصراع القومي محكوما بالفشل والعجز والهزيمة، كما أن روايته «طائر الحوم» الصادرة عام 1981 جعلته أكثر رغبة في مراجعة مشروعه النقدي، فهي رواية الذات التي تتوق لاستعادة وجودها عبر العودة إلى المكان الأم، لكنها تظل عودة محفوفة بالقلق، وبالأسئلة التي تحاصره حول علاقة تلك الذات بالتحولات العاصفة في العالم، وبالاغتراب الذي تعيشه، والذي يتحوّل إلى وجع داخلي يُحاصره دائما برهاب الفقد والضياع…

‏كاتب ‏عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية