بيروت- “القدس العربي”:
أصبح مفهوم غسيل الأموال من المفاهيم التي تحرص الدول كافة على محاربتها والتصدي لها بكل الوسائل والطرق، لما تسببه تلك الظاهرة من أضرار على الاقتصاد المحلي والعالمي، ولما يترتب عليها من استغلال لهذه الظاهرة في دعم وتمويل العمليات الإرهابية، والتي تشكل ظاهرة خطيرة على المجتمعات. وقد أدرك بنك الكويت الصناعي أن محاربة هذه الظاهرة والظواهر المرتبطة بها لن تجدي نفعا إلا بتعاون القطاعات كافة، والذي يعتبر القطاع المصرفي. ولذا التزم مصرفنا بالقواعد والإرشادات التي تصدر عن الجهات المختصة، والتي تساعدنا على التصدي لتلك الظواهر وتحمي المجتمع من كل مكروه.
يُقصد بغسيل الأموال: العملية التي يجري من خلالها إخفاء المصدر الحقيقي لدخل مكتسب بطريقة غير شرعية، وفيها يحدث، على سبيل المثال، “غسيل” الأموال المكتسبة من تجارة المخدرات، عبر إدراجها في دورة رأس المال الاقتصادية والمالية، وبذلك تُمْنَع سلطات الملاحقة القضائية من الوصول إليها وملاحقتها.
وفي العادة، تكون الشركات المستهدفة غير مدركة لكونها مُستَغلة في أغراض غسيل الأموال. ولغسيل الأموال تداعيات ضارة على الاقتصاد، ويصيب أيضًا القطاعات متوسطة البنية. يعتبر غسيل الأموال في ألمانيا جريمة جنائية بمقتضى المادة 261 من القانون الجنائي، ويجري تعقبه من خلال سلطات الملاحقة القضائية المعنية: النيابة العامة ومكتب الشرطة الجنائية للولاية (LKA).
تهدف مكافحة غسيل الأموال في المقام الأول إلى منع إخفاء المصدر الحقيقي للدخل المكتسب بطريقة غير شرعية، كما تهدف مكافحة غسيل الأموال بشكل جوهري إلى حماية الشركات المستهدفة من “استغلالها” في جرائم غسيل الأموال، لما لذلك من تبعات على سلامة النظام وسمعته واستقراره الاقتصادي والمالي؛ لألمانيا ككل، وعلى الشركات والمؤسسات المستهدفة.
وقدّرت مصادر اقتصادية عديدة أن نسبة الأموال التي جرى غسلها في العالم تصل ما بين 3 ـ 5% من مجموع إجمالي الناتج المحلي العالمي سنة 2022، أي ما يقارب 3 ـ 5 ترليونات دولار، وهذا الرقم يفوق إجمالي الناتج.
وأصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت، ورقة علمية بعنوان: “غسيل الأموال في الاقتصاد السياسي العالمي”، وهي من إعداد الأستاذ الدكتور وليد عبد الحي، خبير الدراسات المستقبلية.
وقال د. عبد الحي إن البعض يعتقد أن حجم غسيل الأموال أمر هامشي في الاقتصاد العالمي، لكن حجم الأموال التي يجري غسلها أكبر مما يعتقد الكثيرون، إذ تُقدّر مصادر عديدة أن نسبة الأموال التي يجري غسلها تصل ما بين 3-5% من مجموع إجمالي الناتج المحلي العالمي سنة 2022، أي ما يقارب 3-5 ترليون دولار، وهذا الرقم يفوق إجمالي الناتج المحلي لجميع الدول العربية.
ولفت د. عبد الحي إلى أنه بناء على نماذج قياس غسيل الأموال عالمياً، تصدرت موريتانيا الدول الشرق أوسطية كافة، وجاء ترتيبها 13 عالمياً، تليها الإمارات العربية بترتيب عالمي وصل إلى 44، ثم تركيا التي كان ترتيبها العالمي 49، وذلك لسنة 2022. وجاءت السعودية والمغرب والأردن وتونس ومصر والبحرين ضمن الدول العشر الأولى في غسيل الأموال في الشرق الأوسط بعد تركيا.
وأشار الباحث إلى أنّ العديد من الدراسات المتخصصة سجّلت فشلاً في نشاط “هيئة العمل المالية الدولية”، الجهة الرقابية الدولية لمكافحة غسيل الأموال، والتي تضم ما مجموعه 187 دولة. فقد تبيّن أن تدخل سياسة مكافحة غسيل الأموال له تأثير أقل من 0.1% على التمويل الإجرامي، وأن تكاليف ضمان ومراقبة الامتثال لقواعد الهيئة تتجاوز الأموال الإجرامية المستردة بأكثر من مئة مرة، وأن البنوك ودافعي الضرائب والمواطنين العاديين يتحملون أعباء التكاليف أكثر من الشركات الإجرامية.
وقد حدَّد د. عبد الحي في بحثه أربع قنوات رئيسية لغسيل الأموال، هي: المؤسسات المالية، والتجارة عبر الإنترنت، والوسائط الإلكترونية المتمثلة في البطاقات الذكية أو التحويل الإلكتروني للنقود أو العملات المشفرة، وقنوات الأصول العينية. وقال إنّ التقارير الدولية حدّدت أنماط الجريمة التي تدرّ الأموال الهائلة، وهي تتمركز في الأنماط الأربعة التالية طبقاً لمقياس غسيل الأموال: الاتجار بالبشر (نحو 1.1 تريليون دولار سنوياً)، وتجارة المخدرات (نحو 1 تريليون دولار سنوياً)، وتجارة السلاح (نحو 984 مليار دولار سنوياً)، وتهريب البشر (نحو 954 مليار دولار سنوياً).
وأضاف الباحث أنه يمكن الافتراض بأن العولمة ذات صلة وثيقة بعمليات غسيل الأموال، لكن هذه الصلة ذات طبيعة متناقضة، فالعولمة التي ربطت المجتمعات بالتكنولوجيا بأشكالها المتنوعة من مواصلات واتصالات من ناحية، ويسَّرت قنوات غسيل الأموال عبر اتِّساع قاعدة التجارة العالمية وانتقال الأفراد من ناحية ثانية، فإنها أيضاً أوجدت مجالاً للتعاون الدولي عبر منظمات دولية وإقليمية لمواجهة عمليات غسيل الأموال والسيطرة عليها بأكبر قدر ممكن. وعليه، فإن تحليل تأثير العولمة على عمليات غسيل الأموال لا بدّ أن يضع موازنة بين كفَّتَي المعادلة، وهما مؤشرات زيادة غسيل الأموال بسبب قنوات العولمة من ناحية، ومؤشرات التعاون الدولي لضبط هذه المؤشرات من ناحية مقابلة.
ونشر البحث جدولاً مقارناً للدول العشر الأولى شرق أوسطياً في غسيل الأموال مع ترتيبها عالمياً في العولمة الاقتصادية، حيث تبين أن هناك تقارب بين الترتيبين؛ فمثلاً جاءت الإمارات العربية في المرتبة الأولى شرق أوسطياً في العولمة واحتلت في الوقت نفسه المرتبة الثانية في غسيل الأموال.
وختم الباحث دراسته بالتأكيد على أنّ درجة الالتزام في الدول العربية بضوابط الهيئات الدولية لمنع غسيل الأموال لا تزال محدودة، وأنَّ فترة عشرية الاضطراب (الربيع العربي) عرفت تزايداً ملحوظاً في مجال غسيل الأموال، وأنَّ هناك علاقة بين الفساد وغسيل الأموال وعدم الاستقرار السياسي. كما أكّد على أنَّ عوامل القرب الجغرافي تسهم في انتقال عمليات غسيل الأموال بين دولة وأخرى، طبقاً لنماذج القياس الدولية، وأنَّ “إسرائيل” تحتل مرتبة متقدمة في نسبة غسيل الأموال إلى إجمالي الناتج المحلي.