نيويورك ـ (الأمم المتحدة) ـ «القدس العربي»: كشفت معركة مخيم جنين البطولية التي خاضها شباب ولدوا في معظمهم بعد معركة مخيم جنين الأولى عام 2002 كثيرا من المواقف المخجلة على الساحات جميعها فلسطينيا وعربيا ودوليا. ولا أريد أن أمحص في مواقف السلطة والفصائل والدول العربية وكيف ترك المخيم والمدينة يخوضان معركة غير متكافئة قامت بها القوات الفاشية الصهيوينة بلواء كامل من الجيش قد يصل إلى 3000 جندي وأكثر من 200 مدرعة وعربة عسكرية وعدد كبير من طائرات الأباشي والمسيرات الخطيرة على مساحة مكتظة من السكان لا تزيد عن كيلومتر مربع واحد. لقد تحول المخيم إلى رمز كوني لصناعة البطولة والصمود والكرامة والعزة أطلق البعض عليه جنينغراد. جاءت مواقف المسؤولين الدوليين المعنيين في البداية خاصة مخزية ومتذبذبة، بدأت تتغير قليلا بعد الصمود الأسطوري والتضحيات الجسام وانجلاء مدى الجرائم التي ارتكبها الغزاة ضد المخيم والبنى التحتية والمستشفيات والمدارس وكوابل الكهرباء وأنابيب المياه والطرقات وبيوت المخيم التي هدمت بنسبة 80 في المئة.
تدليل لإسرائيل أم خوف منها؟
تزامن الهجوم على المخيم مع إطلاق فرجينيا غامبا، ممثلة الأمين العام للأطفال والنزاعات المسلحة، تقرير عام 2022 حول انتهاكات الأطفال في مناطق النزاعات التي وصلت إلى 27 ألف انتهاك شملت نحو 19 ألف طفل وطفلة في 20 منطقة. كانت الطامة الكبرى، عندما علمنا أن التقرير الذي وافق عليه الأمين العام غوتيريش، قد أخرج إسرائيل من القائمة بسبب انخفاض الغارات الجوية على قطاع غزة من 598 عام 2021 إلى 52 عام 2022. كنا سنفهم ذلك لو أن إسرائيل أدرجت على القائمة في التقرير الذي يغطي انتهاكات عام 2021 أما أن تساق التبريرات لعدم إدراجها في التقريرين فذاك تجاوز لكل منطق وعقلانية وضمير وخلق. ثم جاءت عملية المخيم لتزيد الحنق على هؤلاء المنافقين المدافعين عن الكيان.
العدوان والمواقف الرخوة
أصدر الأمين العام أنطونيو غوتيريش يوم الإثنين 3 تموز/يوليو بيانا مقتضبا مكونا من سطرين لا ثالث لهما يعبر فيه عن القلق من التصعيد (من كل الأطراف) ويدعو إلى أن تلتزم العملية العسكرية الإسرائيلية بمبادئ القانون الدولي الإنساني فقط. موقف يكاد يؤيد العملية العسكرية الإسرائيلية إذا التزمت بالقانون الدولي الإنساني فقط.
أما ممثله في الأرض الفلسطينية المحتلة، تور وينسلاند، فكان بيانه أسوأ بكثير لدرجة أنه لم يأت إلا على ذكر ثمانية ضحايا وقال «من بينهم مسلحون» بدل أن يقول من بينهم أطفال. وفي هذه الإضافة فقط وضع الإطار القانوني للعدوان الإسرائيلي وحدد نوعية الضحايا، مبررا لإسرائيل ما تقوم به. بدأ البيان بالتعبير عن القلق (كالعادة) من التصعيد الخطير الذي يأتي بعد شهور من التوتر. لاحظوا موضوع الغموض. الفاعل دائما مجهول. ثم ذكر موضوع الثمانية الذين قتلوا بمن فيهم المسلحون خلال عملية عسكرية تقوم بها قوات «قوات الأمن الإسرائيلية» وبالتالي يبعد الجيش عن الموضوع تماما وكأن الجيش الإسرائيلي صانع سلام.
بعد بيانه الأول والأخير هذا، اختفى وينسلاند ولم يسمع صوته بعد ذلك، رغم أن الأيام التي تلت العملية كشفت عن حجم الدمار الذي لحق بالمدنيين والأطفال والبنى التحتية واستهداف المباني والمستشفيات.
لين هاستينغز، المنسقة الإنسانية المقيمة للأمم المتحدة في فلسطين المحتلة، أعربت هي الأخرى عن انزعاجها من حجم عمليات القوات الإسرائيلية في جنين، مضيفة على تويتر: «تم استخدام الضربات الجوية في مخيم اللاجئين المكتظ بالسكان، ما أدى إلى وقوع عدد من القتلى والجرحى جراح بعضهم خطيرة» وطالبت بضرورة ضمان الوصول إلى جميع المصابين. بيان من وكالة الإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» بنفس اللغة يطالب بحرية الوصول إلى الجرحى والسماح لطواقم الإسعاف والمساعدات الإنسانية الوصول إلى المخيم.
اصوات أكثر موضوعية من جنيف
أصدر المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، بيانا تفصيليا عن أحداث جنين وصنف عمليات القصف من الجو لمناطق مكتظة بالمدنيين بأنها «قتل متعمد». وأضاف في بيان صحافي أصدره الثلاثاء «أن القتل والتشويه وتدمير الممتلكات يجب أن يتوقف». وأفاد البيان بأن 3000 فلسطيني فروا من مخيم جنين في أعقاب موجة مميتة من الضربات الجوية على المخيم، وأوضح المسؤول الأممي أن نطاق العملية العسكرية التي تقوم بها قوات الأمن الإسرائيلية في جنين بما في ذلك الاستخدام المتكرر للغارات الجوية وتدمير الممتلكات، يثير عددا من التساؤلات بشأن احترام معايير وأعراف قانون حقوق الإنسان الدولي بما فيها حماية الحق في الحياة واحترامه. وقال تورك إن بعض الأساليب والأسلحة التي تم استخدامها أثناء العمليات ترتبط بصورة عامة بأساليب الأعمال العدائية في النزاعات المسلحة وليس عمليات إنفاذ القانون، مضيفا أن استخدام الغارات الجوية لا يتسق مع القواعد المطبقة في أساليب عمليات إنفاذ القانون. وفي سياق الاحتلال، «فإن الوفيات الناجمة عن تلك الغارات الجوية قد تعد قتلا متعمدا».
خبيرات حقوق الإنسان
أصدرت ثلاث خبيرات من مجموعة خبراء الأمم المتحدة في حقوق الإنسان بيانا مشتركا عبرن فيه عن إدانتهن لاستخدام القوة المفرطة واعتبرن أن ما جرى في مخيم جنين يرقى إلى مستوى جرائم حرب. والخبيرات الثلاث هن: فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967. بولا جافيريا بيتانكور، المقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان للمشردين داخليًا، وريم السالم، المقررة الخاصة المعنية بالعنف ضد النساء والفتيات. وجاء في البيان: أن الضربات الجوية والعمليات البرية الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة التي استهدفت مخيم جنين للاجئين وقتل ما لا يقل عن 12 فلسطينيا قد تشكل جريمة حرب. و«إن عمليات القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، وقتل وإصابة السكان المحتلين بجروح خطيرة، وتدمير منازلهم وبنيتهم التحتية، وتهجير الآلاف بشكل تعسفي، ترقى إلى مستوى الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي والمعايير المتعلقة باستخدام القوة وقد تشكل جريمة حرب». وقال البيان إن نحو 4000 فلسطيني فروا من مخيم جنين بعد الضربات الجوية القاتلة، «إنه لأمر مفجع أن نرى آلاف اللاجئين الفلسطينيين، الذين نزحوا أصلاً منذ 1947-1949 قد أجبروا على الخروج من المخيم في خوف شديد مع حلول الظلام».
التحرك العربي داخل الأمم المتحدة
محاولات المجموعة العربية بقيادة السفير الفلسطيني رياض منصور، لعقد جلسة مفتوحة لمجلس الأمن لم تثمر إلا جلسة مشاورات مغلقة الجمعة. لكن المجموعة ضغطت على الأمين العام ورئيسة مجلس الأمن لاتخاذ مواقف أكثر جدية من التي أطلقها الأمين العام وممثله في الأرض الفلسطينية المحتلة تور وينسلاند. والتقى الوفد يوم الأربعاء برئيسة مجلس الأمن، السفيرة البريطانية، باربرا وودورد، وشرح لها السفير الوضع في مخيم جنين مركزا على موضوع تأمين الحماية للشعب الفلسطيني من آلة الدمار والقتل الصهيوينة. يوم الخميس التقى منصور والوفد العربي المرافق الأمين العام غوتيريش، وشرح له خطورة الموقف والذي غاب عن بيان الأمين العام وممثله وينسلاند. وعبر منصور عن رفض الشعب الفلسطيني بكافة أطيافه لعدم إدراج إسرائيل على القائمة السوداء. وهو موقف تكرر في جلسة مجلس الأمن المطولة التي ناقشت تقرير غامبا يوم الإثنين حيث أشار العديد من المندوبين العرب والمسلمين ومجموعة دول عدم الانحياز عن انتقادهم للتقرير بسبب غياب إسرائيل عن القائمة.
الأمين العام يعدل موقفه
بعد هذا الكم الكبير من الضغط الرسمي والإعلامي على الأمين العام وممثله في فلسطين المحتلة، وبعد ظهور الحقائق حول مدى الدمار والخراب الذي أحدثه العدوان الإسرائيلي في مخيم جنين والمدينة نفسها، وقف الأمين العام يوم الخميس أمام مدخل مجلس الأمن وأدلى ببيان عدل فيه بعض المواقف المائعة التي أطلقها يوم الإثنين. وجاء في بيانه:
«أدين بشدة، جميع أعمال العنف ضد المدنيين، بما في ذلك الأعمال الإرهابية. وأدعو إسرائيل- مرة أخرى- إلى التقيد بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، بما في ذلك واجب ممارسة ضبط النفس واستخدام القوة بشكل متناسب، وواجب تقليل الضرر والإصابة واحترام الحياة الإنسانية والحفاظ عليها».
وعبر البيان عن قلقه إزاء الغارات الجوية والعمليات البرية الإسرائيلية في مخيم مكتظ «هذه أسوأ أعمال عنف تشهدها الضفة الغربية منذ سنوات عديدة». وأضاف: «لقد تضررت المدارس والمستشفيات. وتعطلت شبكات المياه والكهرباء. ومُنع المحتاجون من الحصول على الرعاية الأساسية والإغاثة». ومع إدانة الأمين العام لاستهداف المدنيين إلا أنه أقحم جملة إدانة الإرهاب التي لا مكان لها إلا ليرضي الصهاينة وحماتهم في مجلس الأمن.
إسرائيل هي الكيان الوحيد في العالم الذي ينتهك ميثاق الأمم المتحدة، ويضرب عرض الحائط بقراراتها، ويرتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية توثق في تقارير أممية، ومع هذا تجد من يدافع عنها ويحميها ويؤمن لها مظلة سياسية ودبلوماسية لتمعن في غيها وعربدتها. ولولا صمود الشعب الفلسطيني وفرض إرداته بالمقاومة لأغلق ملف القضية منذ زمن في ظل التراجع العربي وانفضاض الإجماع الدولي وغياب المشروع الوطني وقيادة مؤتمنة عليه. الفلسطينيون هم وحدهم من سيصنعون النصر بصمودهم ووحدتهم ومقاومتهم الباسلة ولا يعولون كثيرا على هذه البيانات الباردة.