الدكتور محمد غالي أستاذ الأخلاق الطبية والحيوية في الإسلام: الخوف من سيطرة الآلات الذكية على الحياة والانفراد بحكم العالم

حاوره: سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
0

يشير الدكتور محمد غالي أستاذ الأخلاق الطبية والحيوية في الإسلام، أن العالم ذهب بعيداً في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة بشكل عام، ولذلك لدول المنطقة أن تفعل شراكات مع المؤسسات والشركات التي تقود هذا المجال. واعتبر أن ثورة الذكاء الاصطناعي تمثل انتقالاً وتحولاً «طبيعياً» وربما «ضرورياً» بمعنى أنه كان أمراً لا مفر منه حتى يتمكن الإنسان من السيطرة على الانفجار المعلوماتي الذي نتج عن عصر الرقمنة. ويؤكد الخبير في العلاقة بين الأخلاق الإسلامية والقضايا التي تثيرها الثورة التكنولوجية الحديثة المتعلقة بالعلوم الطبية والحيوية والذكاء الاصطناعي، أننا لسنا أمام شر محض أنتجته مؤامرة أو مكيدة شيطانية، ولكننا في الوقت نفسه أمام تحول كبير له آثاره الإيجابية والسلبية على الجنس البشري ولا بد من النظر ملياً في هذه الآثار وكيفية التعامل معها. ويضيف رئيس مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق بكلية الدراسات الإسلامية في جامعة حمد بن خليفة، أن تطبيق «تشات جي بي تي» على سبيل المثال، ينتمي إلى الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي المعروف بالذكاء الاصطناعي التوليدي «Generative AI» حيث إنه لا يقوم فقط بتحليل البيانات المتاحة رقمياً وإنما «يولد» وينتج معلومات كذلك من خلال الإجابة على الأسئلة التي تُطرح عليه. وبالرغم من فوائده العديدة التي أبهرت البشرية خلال الشهور الماضية، إلا أن هذا النوع من تطبيقات الذكاء الاصطناعي ينطوي أيضا على مخاطر جمة. وكشف في حواره مع «القدس العربي» أن مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق في جامعة حمد بن خليفة، يعكف حالياً على عدد من المشاريع البحثية بالتعاون مع مكتبة قطر الوطنية بالإضافة إلى جامعات ومؤسسات أخرى داخل قطر وخارجها، لتحسين مستوى تمثيل اللغة العربية وتراثنا المعرفي الإسلامي في عصر الذكاء الاصطناعي. وتقديم نماذج لتطبيقات ذكية تستفيد من أحدث التقنيات المتاحة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولكنها تعتمد المعايير والآداب المتبعة في تراثنا المعرفي وتتلافى المخاطر والمشكلات. وفي ما يأتي تفاصيل الحوار:
○ كيف ننظر إلى ثورة الذكاء الاصطناعي ضمن إطار تاريخي أوسع يشمل التحولات التقنية الكبرى ويتخطى مجرد النظر إلى أثرها التقني والصناعي ليشمل النقاشات الأخلاقية والفلسفية التي دارت حول هذه التحولات وتأثيرها على إنتاج المعرفة؟
• كثير من التحولات التقنية الكبرى كان لها دوما أثر بالغ، ليس فقط على الجانب التقني والصناعي، وإنما كانت ذات أثر كبير كذلك على صناعة المعرفة وتشكيل المجتمعات والحضارات بشكل عام. خذ مثلاً التحول من اعتماد المشافهة والتلقي المباشر من شيخ أو معلم، إلى عصر «الكتاب المخطوط» الذي يمكن للشخص أن يستقي منه المعرفة دون الحاجة إلى تواصل مباشر مع مؤلفه أو كاتبه. وكان بعد ذلك التحول من عصر «الكتاب المخطوط» إلى عصر «الطباعة» ثم التحول إلى عصر «الرقمنة» وهكذا. كل هذه التحولات أثّرت على عملية إنتاج المعرفة، وتحديد الطريق الذي ينبغي للإنسان أن يسلكها حتى يصبح صاحب علم أو ذو سلطة معرفية أو علمية. ولم تكن هذه التحولات سهلة أو يسيرة وقد صارت نقاشات معمقة حول مدى الحاجة إلى هذه التحولات الكبرى وحول فوائدها ومخاطرها، وهي نقاشات أشبه ما تكون بما نشهده اليوم حول الذكاء الاصطناعي وتقنياته التي تلاحقنا بشكل شبه يومي.
فقط كمثال، أشير هنا إلى كلام مهم لأديب العربية، أبي عثمان بن بحر الجاحظ (ت. 255 هـ/886 م) وهو يدافع عن أهمية التحول إلى عصر «الكتاب» فيقول في كتابه «الحيوان»: «ولولا الكتب المدوّنة والأخبار المخلّدة، والحكم المخطوطة التي تحصّن الحساب وغير الحساب، لبطل أكثر العلم، ولغلب سلطان النّسيان سلطان الذكر، ولما كان للناس مفزع إلى موضع استذكار. وعرفت (يقصد الكتاب) به في شهر، ما لا تعرفه من أفواه الرجال في دهر، مع السلامة من الغرم، ومن كدّ الطلب، ومن الوقوف بباب المكتسب بالتعليم، ومن الجلوس بين يدي من أنت أفضل منه خلقاً، وأكرم منه عرقاً، ومع السلامة من مجالسة البغضاء ومقارنة الأغبياء».
○ ضمن هذا الإطار التاريخي، كيف يمكن رصد الانتقال الأخير من عصر الرقمنة إلى عصر الذكاء الاصطناعي وتقييمه من منظور أخلاقي؟
• حتى يكون التقييم الأخلاقي مؤسساً على تصورات سليمة، من المهم أن ندرك ما حدث في عصر التحول الرقمي، حتى نفهم طبيعة التحول الجديد الذي نعيش أجواءه اليوم مع الانتقال المتسارع إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي. في عصر التحول الرقمي، تم «رقمنة» كل شيء تقريباً في دول العالم المتقدم، بما في ذلك الكتب والبحوث العلمية وصارت هناك قواعد بيانات رقمية يمكن للإنسان أن يبحث فيها، سعياً وراء المعلومة التي يريد الحصول عليها، بدلاً من آلية البحث التقليدية في أرفف المكتبات وما تحويه من كتب مطبوعة. إلى جانب «رقمنة» الإنتاج العلمي والأكاديمي، ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي والتي أتاحت لسكان كوكب الأرض، طالما كان لديهم اتصال بالإنترنت، أن يكتبوا ما يشاؤون من خلال حسابات خاصة يدونون فيها أي شيء تقريباً، حتى وإن بدا تافهاً أو مغالطاً للحقيقة أو لأسس التفكير المنطقي في نظر الآخرين. ثم ظهرت أهمية تجارية لما يكتبه عموم الناس على وسائل التواصل الاجتماعي وما يدونونه من إعجاب لما يكتبه الآخرون، حيث تستطيع الشركات التجارية معرفة ميول هؤلاء الناس وما يحبون وما يكرهون، وبالتالي تتم هندسة الإعلانات وفقا للبيانات المستقاة من هذه الحسابات الشخصية على وسائل التواصل وعلى الشبكة العنكبوتية بشكل عام. ومع هذا «الانفجار الرقمي» إذا صح التعبير، لم يعد ممكناً استيعاب المعلومات المتاحة رقمياً، والتي تتزايد وتتضاعف بشكل هائل، عن طريق الوسائل التقليدية التي يتم الاعتماد فيها على قدرات البشر للنظر في هذه المعلومات وتحليلها. وفي هذا السياق التاريخي المفصلي، برزت حاجة الإنسان إلى الاعتماد على «الآلة الذكية» التي وفرها الذكاء الاصطناعي. فصارت الآلة قادرة على استيعاب المعلومات المتاحة رقمياً وهضمها ونقلها إلى الإنسان في شكل إجابات مباشرة على ما يطرحه الإنسان من أسئلة على هذه الآلة الذكية. ويمثل تطبيق «تشات جي بي تي (ChatGPT)» أحدث أشكال هذا التطور، حيث يمكن سؤال التطبيق عن كل شيء تقريباً، من كيفية صناعة الشوكولاتة إلى المخاطر البيئية التي تهدد الكوكب. وبالتالي فثورة الذكاء الاصطناعي تمثل انتقالا وتحولا «طبيعيا» وربما «ضروريا» بمعنى أنه كان أمرا لا مفر منه حتى يتمكن الإنسان من السيطرة على الانفجار المعلوماتي الذي نتج عن عصر الرقمنة. فنحن لسنا أمام شر محض أنتجته مؤامرة أو مكيدة شيطانية، ولكننا في الوقت نفسه أمام تحول كبير له آثاره الإيجابية والسلبية على الجنس البشري ولا بد من النظر ملياً في هذه الآثار وكيفية التعامل معها.
○ ما أهم فوائد الذكاء الاصطناعي وما أهم مخاطره كما تم رصدها في الخطاب الأخلاقي بشكل عام؟
• تتمثل أهم فوائد الذكاء الاصطناعي في تمكين الإنسان من التعامل مع «الانفجار المعلوماتي» الذي أنتجه عصر الرقمنة، وبالتالي فكرة السيطرة على هذا الكم الهائل من المعلومات المتاحة رقمياً التي يتخطى حجمها قدرة المكتبات على توفيرها في شكل مطبوعات، ويتخطى كذلك قدرة الإنسان على قراءتها واستيعابها بدون مساعدة «الآلة الذكية». إلى جانب ذلك، هناك فوائد أخرى عديدة وفق المجالات والتطبيقات التي يستخدم فيها الذكاء الاصطناعي. ففي الجانب الطبي وقطاع الرعاية الصحية، يمكن لتطبيقات كثيرة مساعدة الأطباء وفرق الرعاية من القيام بكثير من المهام في وقت أقل وبكفاءة أكبر، مثل تقليل وقت انتظار المرضى في المستشفى وتشخيص الأمراض وإجراء عمليات جراحية دقيقة وتحديد أنسب الأدوية وفق الحالة الصحية لكل مريض… ألخ. وهناك تطبيقات أخرى كثيرة لها صلة بكل نواحي الحياة تقريباً، مثل القطاع المصرفي والمالي والقطاع العسكري وإدارة الصراعات المسلحة والحروب والمدن الذكية. وفي كل هذه القطاعات، يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي أن تحدث نقلات نوعية فيما يتعلق بتوفير خدمات متميزة في وقت قصير وبكفاءة عالية وفي أحايين كثيرة مقابل أسعار معقولة وربما أقل من الأسعار الموجودة سلفاً. فإتاحة مثل هذه الفوائد للإنسان، تمثل عملاً أخلاقياً من حيث المبدأ، حيث إنها تساعدهم في توفير ما يمكن أن نطلق عليه «حياة طيبة (good life)».
أما بالنسبة للمخاطر فهي أيضا كثيرة ومتشعبة. أهم هذه المخاطر هو الخوف من أن تحل الآلة الذكية محل الإنسان، بدل أن تكون عوناً ومعيناً له. وفي هذا الإطار، يفرق علماء الأخلاق بين نوعين من المخاوف. يتمثل النوع الأول، وهو الأكثر واقعية، في الخوف على وظائف ومهن معينة يمكن للآلة أن تتفوق فيها على الإنسان. وقد بدأ الحديث بالفعل عن بعض المهن التي يهددها الذكاء الاصطناعي وصدرت تقارير مختلفة حول نوعية الوظائف والمهن المهددة بالانقراض. أما النوع الثاني فيتمثل في الخوف من أن يكون الذكاء الاصطناعي هو آخر مخترعات الإنسان، حيث تقوم الآلات الذكية بالسيطرة على الحياة لنعيش في عصر «ما بعد الإنسان (post-humanism)» ويعرف هذا النوع من الخوف في أدبيات الذكاء الاصطناعي بـ«فرضية الفرادة singularity hypothesis» حيث تنفرد الآلة بحكم العالم. وشخصياً أرى أن هذا نوع من الخوف البعيد وغير المحتمل، على الأقل في المنظور القريب. إلى جانب ذلك، هناك مخاوف أخرى تختلف تبعا لطبيعة تطبيقات الذكاء الاصطناعي والمجالات المستخدمة فيها.
• وماذا عن المخاوف المتعلقة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال إنتاج المعرفة مثل تطبيق «تشات جي بي تي ChatgGPT»؟
• تطبيق «تشات جي بي تي» ينتمي إلى الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي المعروف بالذكاء الاصطناعي التوليدي «Generative AI» حيث إنه لا يقوم فقط بتحليل البيانات المتاحة رقمياً وإنما «يولد» وينتج معلومات كذلك من خلال الإجابة على الأسئلة التي تُطرح عليه. وبالرغم من فوائده العديدة التي أبهرت البشرية خلال الشهور الماضية، إلا أن هذا النوع من تطبيقات الذكاء الاصطناعي ينطوي أيضا على مخاطر جمة. من أهم هذه المخاطر نوع البيانات التي يتم تدريب هذه التطبيقات عليها، من خلال تقنية «تعلم الآلة» (machine learning) لتقديم إجابات على الأسئلة التي تطرح عليها. حتى الآن، من الواضح أن العامل الأهم لنجاح هذه التطبيقات وقدرتها على الإبهار هو «الكم» وليس «الكيف» بالنسبة للمعلومات التي يتم التدريب عليها. وبالتالي لا نستطيع الجزم أن تطبيقا مثل «تشات جي بي تي» يفرق بين نص في كتاب أو مقال علمي مُحكَّم، وبين نص كتبه شخص مجهول على شبكات التواصل الاجتماعي. أضف إلى ذلك مشكلة أخرى تعرف بـ«الهلوسة « (hallucination) حيث يقوم التطبيق كثيراً بنسبة كتب إلى غير مؤلفيها ونصوص إلى غير أصحابها وأفكار إلى أشخاص لم يقولوا بها ولم يتبنوها… ألخ. ومثل هذه المخاطر تعني أننا أمام إشكال كبير حول «موثوقية» المعلومات المقدمة من هذه التطبيقات. أضف إلى ذلك إشكالية التحيزات الكامنة في البيانات المتاحة رقمياً والتي تم تدريب هذه التطبيقات عليها، فهذه البيانات قد تتضمن أفكاراً عنصرية وتحيزات عرقية وعبارات مسيئة ومعلومات مغلوطة. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن كافة البيانات التي يتم تدريب هذه التطبيقات عليها هي نتاج عصر الرقمنة الذي أشرنا إليه سابقاً. ولذلك فالمجتمعات والثقافات والأمم التي لا يزال تراثها في عصر الطباعة، بمعنى أنه غير متاح رقمياً، فلن تكون ممثلة في هذه البيانات وبالتالي ستصبح غير ممثلة في عصر الذكاء الاصطناعي. وللأسف فكثير من تراثنا العربي والإسلامي يعاني من هذه المشكلة.
○ هذا ينقلنا إلى الحديث عن عصر الذكاء الاصطناعي في سياقنا العربي والإسلامي تحديداً، فهل نحن مستعدون لهذه الثورة، وهل لنا من تأثير أو مساهمة في هذا المجال، وإلى أي مدى يتأثر محيطنا العربي والإسلامي بهذه التقنيات الحديثة؟
• بالرجوع إلى أمثلة التحولات الكبرى التي أشرت إليها سابقاً، نجد أن العالم العربي والإسلامي تعامل مع هذه التحولات بطرق مختلفة وفقاً للأوضاع السياسية والاجتماعية، والوضع الحضاري بشكل عام لأمة الإسلام.
فالتحول إلى عصر الكتاب المخطوط كان نموذجياً إلى حد بعيد واستطاع العالم الإسلامي أن يلعب دوراً قيادياً في هذا التحول. لكن مع الانتقال إلى عصر الطباعة، بدأت المشاكل تظهر، حيث كان دخول الطابعة إلى العالم الإسلامي متأخراً كثيراً عن أوروبا ولم يتم استخدام التقنية الجديدة لطباعة الكتب العربية وخاصة المتعلقة بالعلوم الشرعية إلا بعد ذلك بأكثر من قرن من الزمان. وقد كتبت دراسة منشورة عن هذا الموضوع وتطرقت فيها لقضية طباعة القرآن الكريم. أما التحول إلى عصر الرقمنة، فيبدو أنه كان أكثر التحولات إشكالاً وصعوبة بالنسبة لعالمنا العربي والإسلامي. فلا يزال جزء كبير من تراثنا المعرفي مطبوعاً فقط ولم يتم تحديثه بشكل يتلاءم مع عصر الرقمنة، بحيث يمكن البحث في نصوص الكتب والمنشورات كما يحدث مع النصوص المنشورة بحروف لاتينية مثلاً، بل إن بعضا من هذا التراث لا يزال في عصر الكتاب المخطوط. فالحضور الرقمي للعالم العربي والإسلامي لا يزال محدوداً للغاية من ناحية الكم والإشكالات المتعلقة بالكيف أكبر وأعمق. وبتوضيح هذه الخلفية التاريخية، ندرك أن الصعوبات التي أمام عالمنا العربي في هذا التحول الجديد ليست وليدة اللحظة الراهنة، وإنما هي امتداد لإشكالات تاريخية سابقة. فتراثنا المعرفي ليس ممثلاً كما ينبغي في البيانات التي يتدرب عليها تطبيقات المحادثة الذكية مثل تشات جي بي تي.
فيما يتعلق بالتأثير، محيطنا العربي والإسلامي هو جزء من هذا العالم الذي يتأثر بتقنيات الذكاء الاصطناعي ويطمح إلى تحقيق الاستفادة القصوى منها، وخاصة في الدول الغنية التي تسعى لتوفير هذه التقنيات لسكانها، مثل كثير من دول منطقة الخليج العربي. ما أخشاه في مقبل الأيام هو ألا نتعلم من دروس الماضي ونتحول إلى مستهلكين فقط لهذه التقنيات أو ممولين لشركات التقنية العملاقة بغرض تحسين صورتنا فقط أمام الآخر وإثبات أننا نواكب التطور والحداثة، لكن من دون أن يكون لنا دور أو كلمة في شكل هذا التطور ونوع هذه الحداثة التي تصنعها وتشكلها هذه التقنيات. فيصعب علي أن أتفهم المصلحة المبتغاة من تخصيص أموال وموارد الدول العربية لإنتاج تطبيقات ذكية تحاول مضاهاة ما هو موجود بالفعل ولا نجد فيها إضافة تذكر، لدرجة أن هذه التطبيقات لا تكون متاحة باللغة العربية! لا أتصور كذلك أن من الحكمة ترك صياغة وإدارة المحتوى المتعلق باللغة العربية والعلوم الإسلامية في يد شركات مثل «غوغل» و«ميكروسوفت» و«تشات جي تي» ثم ننتقدها لأنها لم تراع خصوصياتنا! في نهاية الأمر، الناس في عالمنا العربي والإسلامي يستخدمون هذه التقنيات واليوم أو غداً سيطرحون أسئلة تتعلق بثقافتهم ودينهم وشعائرهم وحياتهم بشكل عام، وسيحصلون على إجابات من تشات جي بي تي وأخواتها دون أن يكون لنا دور يذكر في تصميم هذه التقنيات أو البيانات المستخدمة لتدريب وتعليم هذه الآلات الذكية.
○ كيف السبيل لتحسين الوضع القائم وصناعة مستقبل لعالمنا العربي يكون أفضل من حاضره في ظل هذه التحولات التقنية الكبرى، ومن يقع على عاتقه مسؤولية تحسين هذا الوضع؟
• لا بد من وجود الثقة في الذات والإيمان بأن لدينا في العالم العربي والإسلامي من الموارد المادية والبشرية ما يمكننا من التعامل مع هذه التحديات. من جهة أخرى، علينا أن ندرك أن العالم قد ذهب بعيداً في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة بشكل عام ولذلك لا بد من عمل شراكات مع المؤسسات والشركات التي تقود هذا المجال. وأعني بالشراكة هنا وجود أجندة عمل مشتركة تحدد مسؤوليات كل طرف ومتطلباته وحقوقه، والشراكة هنا أمر مختلف تماماً عن نمطي الاستهلاك والتمويل السلبيين.
أما بالنسبة لمن تقع على عاتقه المسؤولية، فالجهات كثيرة ومتعددة. فإلى جانب مسؤولية توفير التمويل وحسن إدارة الموارد التي تقع على عاتق الحكومات والوزارات المعنية، هناك أيضا مسؤولية تطوير البحث العلمي والبرامج التعليمية لتتعامل وتشتبك معرفياً مع الذكاء الاصطناعي وتقنياته، والتي تقع على عاتق الجامعات والمؤسسات البحثية. فالذكاء الاصطناعي، يدخل في كل مجالات الحياة تقريباً، وبالتالي لا يمكن التعامل معه باعتباره فقط تخصصاً أكاديميا في كليات الهندسة، وإنما ينبغي أن يشغل بال الباحثين في مجالات أخرى مثل الأخلاق والعلوم الشرعية والعلوم الاجتماعية والعلوم الطبية والحيوية… الخ.
وكجزء من واجنبا ومسؤوليتنا في هذا الصدد، فنحن في مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق بجامعة حمد بن خليفة، عاكفون حالياً على عدد من المشاريع البحثية بالتعاون مع مكتبة قطر الوطنية بالإضافة إلى جامعات ومؤسسات أخرى داخل قطر وخارجها، بهدف تحسين مستوى تمثيل اللغة العربية وتراثنا المعرفي الإسلامي في عصر الذكاء الاصطناعي. نسعى من خلال هذه المشاريع البحثية تقديم نماذج لتطبيقات ذكية تستفيد من أحدث التقنيات المتاحة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولكنها تعتمد المعايير والآداب المتبعة في تراثنا المعرفي وتتلافى المخاطر والمشكلات. ونحن على يقين من أن نجاح مثل هذه المشاريع الرائدة في مجال اللغة العربية والدراسات الإسلامية سيكون لها أثر كبير في توجيه تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل عام وتوظيفها لصالح عالمنا العربي والإسلامي بشكل خاص. ومع تضافر الجهود لمؤسسات وجامعات أخرى تسعى لتحقيق مثل هذه الأهداف في مجالات مختلفة، لابد أن غدنا سيكون خيراً من يومنا بحول الله تعالى.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية