اختفاء وارتفاع في الأسعار.. أزمة سوق الدواء تهدد حياة المصريين

تامر هنداوي
حجم الخط
1

القاهرة- “القدس العربي”:

يخوض مصريون يوميا رحلة شاقة للبحث عن الدواء خاصة ما يتعلق بالأمراض المزمنة.

وألقت الأزمة الاقتصادية ونقص العملة الأجنبية، في بلد يعتمد بشكل كبير على استيراد معظم احتياجاته، بظلالها على سوق الدواء، فما بين اختفاء أصناف وارتفاع أسعار أخرى، يواجه المصريون أزمة ترتبط بشكل مباشر بصحتهم.

فشلت هيام عادل مريضة الغدة الدرقية في الحصول على الدواء لأكثر من شهر.

تقول هيام لـ”القدس العربي”، إنها تبحث عن دواء “إليتروكسين” المخصص لمرضى الغدة الدرقية منذ أسابيع، وإن سعر الدواء المصري يبلغ 70 جنيها “حوالي 2.5 دولار” وغير متوفر، وإنها لجأت في البداية إلى الدواء الأجنبي الذي يتراوح سعره بين 775 إلى 990 جنيها “حوالي 30 دولار” .

تتحدث هيام عن عدم قدرتها المادية على شراء الدواء الأجنبي حال توفره، وتؤكد أن عشرات الآلاف من مرضى الغدة الدرقية يعانون من اختفاء الدواء.

استغاثات على مواقع التواصل الاجتماعي، تطالب بتوفير أدوية السرطان والغدة الدرقية وأمراض القلب.

إحدى هذه الاستغاثات، نشرها محمود فؤاد، مدير مركز الحق في الدواء، قال فيها إن المرضى الذي خضعوا لعمليات جراحية تتعلق بالقلب على نفقة الدولة ينتظرون استيراد دواء (إنتريستو) المخصص لعلاج ضعف عضلة القلب.

الأزمة دفعت عددا من أعضاء مجلس النواب المصري إلى التحرك ومساءلة الحكومة عن خططها لمواجهتها.

%100 زيادة في الأسعار

زادت فاتورة العلاج الشهري للمصريين بنسبة 100 في المئة، بسبب رفع الشركات أسعار الأدوية بنسبة 40 في المئة، بالإضافة إلى تخفيض عدد الأقراص في العلبة الواحدة، بحسب طلب إحاطة لعضو مجلس النواب المصري سميرة الجزار.

وينفق المصريون نحو 10.5 في المئة من دخلهم الشهري على الرعاية الصحية بحسب بيانات البحث القومي للدخل والإنفاق الصادر عام 2020.

خطر الموت

الجزار قالت في طلب الإحاطة الذي وجهته الأحد، إلى مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، والدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، والمهندس أحمد سمير، وزير التجارة والصناعة بشأن مواجهة ظاهرة اختفاء الأدوية وارتفاع أسعارها، إن الأزمة تعرّض الأطفال والكبار أصحاب الأمراض المزمنة للموت.

‏وأضافت أن المرضى المصريين يعانون من اختفاء بعض الأدوية المستوردة والأدوية المحلية.

وزادت: “سألت أصحاب الصيدليات وعلمت منهم أن الأسعار زادت بنسبة 40% وأن هناك نقصا في الكثير من الأدوية خاصة المستوردة”.

وتابعت: “بسؤال المرضى الذين لديهم أمراض مزمنة ويحتاجون علاجا شهريا دائما، قالوا إن علاجهم الشهري زاد ثمنه إلى الضعف، نتيجة أن شركات الأدوية رفعوا أسعار الأدوية 40 في المئة، بالإضافة إلى خفض عدد الشرائط والأقراص في العلبة مثل فيتامين (أكتيمار) الذي كان يحتوي على 6 شرائط بسعر 32 جنيها وأصبحت العلبة 3 شرائط بسعر 57 جنيها.

أزمة الاستيراد

أضافت الجزار أن هناك مشكلة في استيراد الأدوية والمواد الخام التي تدخل في صناعة الدواء المحلي، ما أدى إلى عدم استقرار في أسعار.

وطالبت وزارة الصحة بتوضيح سياستها في صناعة الدواء والمتحكم في تحديد أسعار الأدوية.

وتساءلت على أي أساس يتم تحديد أسعار الأدوية، وهل مصانع الدواء والمستوردون هم المتحكمون في أسعار الأدوية بدون تدخل الوزارة، ‏وهل هناك دور من الوزارة في مراقبة الأسعار في ظل حرية السوق؟ خاصة أنه لا يتم بيع الأدوية الموجودة داخل الصيدليات بسعرها الحقيقي، وهل سياسة التعويم وارتفاع سعر الدولار هو السبب في ارتفاع أسعار الأدوية؟

الأمن القومي

وجهت عضو مجلس النواب رسالة إلى المسؤولينـ متسائلة: “أحيطكم علما أن الحكومة تخطت الخط الأحمر للأمن القومي بتعريض المواطنين إلى خطر الموت بسبب اختفاء بعض الأدوية الهامة الخطيرة وعدم إمكانية المواطن من شراء الدواء لارتفاع سعره بسبب سياسات الحكومة المالية الخاطئة وتعويم الجنية مرتين خلال عام واحد، ولم يقابله زيادة المرتبات والمعاشات بنفس نسب زيادة الأدوية؟ فماذا يفعل المواطن خاصة محدود الدخل والفقراء غير القادرين؟”.

وختمت طلبها بالقول: “الأمن القومي يعني أمن المواطن.. يعني طعامه وعلاجه وتعليمه وحرياته، ولابد رغما عن تعليمات صندوق النقد الدولي أن تتدخل الحكومة المعنية بخدمة المواطن بدعم الدواء بنسبة لا تقل عن 50% بعد مرور الأزمة الاقتصادية، ‏أو بعد تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، ‏أو بعد رفع المرتبات والمعاشات بنسبة تعادل زيادة أسعار الطعام والأدوية، فأمن المواطن أهم من سياسات السوق الحرة وأهم من خطة الدولة وسياساتها وأهم من تعليمات صندوق النقد الدولي”.

أدوية السرطان

لم يكن طلب البرلمانية سميرة الجزار هو الوحيد، حيث‏ تقدم  عصام محمود عثمان، عضو مجلس النواب بطلب إحاطة بشأن نقص أدوية مرضى السرطان على المستوى المحلي بالإضافة إلى ارتفاع أسعارها بشكل مبالغ فيه بسبب غياب الرقابة.

وقال النائب: “يعاني العديد من المرضى وخاصة مرضى السرطان من نقص العديد الأدوية وعدم وجود رقابة على سوق الدواء مما أدى إلى ارتفاع أسعار الأدوية بشكل مبالغ فيه وزيادة العبء على كاهل المواطنين”.

كما طالب النائب عادل عامر، عضو مجلس النواب، الهيئة المصرية للشراء الموحد والإمداد والتموين الطبي وإدارة التكنولوجيا الطبية، بتوفير الأدوية الناقصة في السوق المصري التى ظهرت خلال الفترة الأخيرة خاصة أدوية الأمراض المزمنة، وعلى رأسها أدوية مرضى السرطان.

ولفت عضو مجلس النواب، إلى أن الهيئة تختص وفقا للقانون، إجراء عمليات الشراء للمستحضرات والمستلزمات الطبية البشرية لجميع الجهات والهيئات الحكومية، وذلك مقابل أداء رسم شراء لا يجاوز 7 في المئة من صافي قيمة ما تقوم الهيئة بشرائه للجهات والهيئات والشركات المشار إليها، دون إضافة الرسوم الجمركية أو ضريبة القيمة المضافة أو غيرها من التكاليف، ويحصل نقداً أو بأية وسيلة دفع أخرى، ومن ثم القانون كفل لها ضرورة توفير الأدوية.

التعويم

تتعلق أزمة الأدوية في مصر بانخفاض قيمة العملة المحلية، بحسب أحمد ماهر، عضو اللجنة النقابية بشركة مصر للمستحضرات الطبية إحدى الشركات المملوكة للحكومة.

ومنذ عام 2016، تتبع الحكومة المصرية سياسة تحرير سعر صرف الجنيه في إطار اتفاق مع صندوق النقد الدولي، ما أدى إلى انخفاض قيمة العملة المحلية، ليسجل سعر الدولار 30.75 جنيها بحسب بيانات البنك المركزي المصري، فيما يتحدث تجار ومستوردون أن سعر الدولار في السوق السوداء خارج البنوك يبلغ أكثر من 35 جنيها.

ماهر قال لـ”القدس العربي”، إن ارتفاع أسعار الأدوية مرتبط بارتفاع سعر الدولار، حيث تعتمد مصر على استيراد المادة الخام من الخارج.

وأضاف ماهر، أن اختفاء الأدوية المستوردة، يعود أيضا لأزمة الدولار، أما اختفاء الأدوية المصنعة في الشركات الحكومية، يعود إلى انخفاض قيمة بيعها مقابل ارتفاع تكلفتها بعد ارتفاع أسعار المواد الخام، ما أدى إلى عزوف بعض الشركات عن إنتاجها.

وأكد ماهر أن الشركات الحكومية لم يكن لديها قدرة على تحريك أسعار منتجاتها الدوائية لسنوات، لحين اعتماد نظام المرجعية الخارجية في التسعير.

إلا أن الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية بالغرفة التجارية في القاهرة، قال إن رصيد مصر من الأدوية مستقر، ويبلغ 6 أشهر.

وعن اختفاء الأدوية الرخيصة من الأسواق، قال إن المادة الفعالة للأدوية موجودة في الأسواق ولكن بأسماء تجارية مختلفة.

ولفت رئيس شعبة الأدوية في تصريحات متلفزة إلى أن هناك نقصا في الأدوية المستوردة غالية الثمن، وليس في الأدوية المصرية المحلية رخيصة الثمن.

وبيّن أن مصر تستورد نحو 90 في المئة من أدوية السرطانات، لافتا إلى أدوية الأورام متوفرة في المستشفيات بكميات تغطي من 6 أشهر إلى سنة.

وظلت مصر لسنوات طويلة تعتمد على التسعير الجبري للأدوية، بناء على حساب تكلفة زائد الأرباح، إلى أن صدر قرار وزاري عام 2009 باعتماد نظام جديد في التسعير، لم يستمر أكثر من ثلاث سنوات، ليصدر قرار آخر عام 2019، يعتمد على نظام المرجعية الخارجية للتسعير.

يختلف النظام المتبع اختلافاً جذريا عن النظام السابق، ففي الوقت الذي اعتمد فيه النظام السابق على تكلفة المنتج، يربط النظام المتبع سعر الدواء في مصر بسعره في 36 دولة واردة على قائمة مرفقة بالقرار، وهو ما اعتبرته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أحد أسباب أزمات سوق الدواء المصري، وإنه يفتح  مجالا واسعا للفساد ولاستغلال الشركات بهدف تحقيق أضخم المكاسب، والتي قد تؤدي إلى ارتفاع في الأسعار.

وبحسب المبادرة، فإن كثير من الدول الواردة في القائمة المرفقة بالقرار ليس لديها ما يسمى “بسعر البيع للجمهور” بالمفهوم الذي نعرفه في مصر، وذلك في ظل وجود أنظمة صحية مختلفة في دول العالم. فبعض الدول تطبق نظام تأمين صحي شاملا مما يوفر الدواء لكل مريض دون الاحتياج إلى اللجوء للصيدلية، ومن ضمن هذه الدول المملكة المتحدة، النمسا، كندا، هولندا، السعودية.

وتابعت: “بالإضافة إلى صعوبة التوصل للأسعار الصحيحة للدواء في كل دولة، فإن الأمر يزداد تعقيدا خاصة حين نعلم أنه طبقاً لبيانات وزارة الصحة عن سنة 2008 يتم تسعير أكثر من 400 مستحضر دوائي سنوياً. ومعنى ذلك أنه على الجهة المعنية في الوزارة مراجعة أسعار أكثر من 400 مستحضر دوائي في 36 دولة سنوياً”.

يذكّر اختفاء الدواء المصريين، بالأزمة التي شهدتها البلاد عام 2016، حين اختفت آلاف الأنواع من الأدوية بعد إقدام السلطات المصرية على التعويم الأول للجنيه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية