بغداد ـ «القدس العربي»: استذكر العراقيون أمس الإثنين، مرور ستّة أعوام على إعلان تحرير الموصل، مركز محافظة نينوى الشمالية، من سيطرة «الدولة الإسلامية» بعد أن قبعت المدينة ومحافظات أخرى، سنوات تحت سلطة التنظيم، وسط تأكيد أمريكي على مساعدة العراق وضمان الهزيمة الدائمة للتنظيم. وفي تموز/ يوليو 2017، أعلن رئيس الوزراء العراقي حينها، حيدر العبادي، «يوم النصر» على التنظيم في مدينة الموصل، التي كانت تعدّ المعقل الأبرز للتنظيم و«دولة خلافته».
وأمس استذكر العبادي تحرير الموصل، وحذر في بيان صحافي من «إعادة التاريخ فعلته السوداء».
وقال إن «الأمم الحيّة تستذكر انتصاراتها لتستلهم منها الدروس والاحتفاء. دروس الإرادة والإدارة التي أدّت إلى نصرنا وهزيمة العدو، والاحتفاء باليقظة والنهضة التي قادت إلى الانتصار. أما إذا استوى لدى الأمم الهزائم والانتصارات، فستكتب نهايتها بيدها».
وأضاف: «نصرنا العراقي في معركة الموصل الكبرى، فهي من أهم محطات استذكار أمتنا الوطنية التي توجب وعي عوامل الهزيمة والانتصار معاً، كي لا يعيد التاريخ فعلته السوداء، ولكي نزداد إيماناً بقدرتنا على البقاء والتجديد والريادة» معتبراً أن «داعش مشروع سياسي وجودي أراد إعادة رسم الخرائط السيادية للعراق والمنطقة، وهو المشروع المخدوم والمدعوم بكل أدوات المخابرات والمال والتعبئة والتوحش الإقليمي الدولي، لذا، فإسقاطه كان إسقاطاً لأكبر مشروع شهدته المنطقة خلال العقود الأخيرة، وكان شرف إسقاطه عراقياً، تخطيطاً وإرادةً وتضحيةً، فلا ينازعن أحد العراق وسامه وشرفه».
رمزية كبرى
وأشار إلى أن «لمعركة تحرير الموصل رمزية كبرى، فهي قلب المعركة كونها (عاصمة) دولة الخرافة، وفيها من التعقيد السياسي ـ العسكري ـ الأمني ـ الجيوسياسي ما يرشحها لتكون معركة وجود لكيان ومستقبل العراق، لذا فالتخطيط للمعركة وإدارتها وكسبها كانت من أعقد مهام الحرب والسياسة التي كسبها العراق قيادةً وشعباً».
وحيّا «جميع مَن ساهم بملحمة تحرير الإنسان والأرض، وأعاد الوحدة والكرامة والسيادة للعراق، فهو نصر أمّة بجميع رموزها ونخبها وطوائفها وقومياتها، وبجميع مؤسساتها وقواتها وعديدها وعدتها».
أما رئيس الجمهورية، عبد اللطيف رشيد، فاستذكر فتوى رجل الدين الشيعي البارز علي السيستاني بـ«الجهاد الكفائي» ودورها في تحرير الموصل.
قال في بيان صحافي إن «في هذه الذكرى نحتفل بالبطولة والأبطال، بالشجعان الذين ضحوا بدمائهم من أجل تطهير الموصل العزيزة، فصنعوا النصر وأعادوا الموصل مرفوعة الرأس» موضحاً إن «بهذه المناسبة نستذكر باعتزاز المآثر العظيمة التي سطرها الشهداء من أبناء قواتنا المسلحة بمختلف تشكيلاتها، من جيشنا الباسل وجهاز مكافحة الإرهاب وشرطتنا الاتحادية والحشد الشعبي والبيشمركة، كما نستعيد باعتزاز وتقدير الدور الكبير الذي اضطلعت به المرجعية الدينية العليا من خلال فتوى الجهاد الكفائي».
وأثنى في الوقت عينه على «المؤازرة التي قدمتها الدول الصديقة والأسرة الدولية لقواتنا المسلحة ولشعبنا وهو يقاتل دفاعاً عن الإنسانية جمعاء» لافتاً إلى أنه «في يوم النصر، نستلهم الدروس والعِبَر التي تؤكد قيمة الوحدة الوطنية المتماسكة وأهمية العمل على أن يكون التنوع الوطني عاملَ قوةٍ للشعب في الظروف التي تتوحد فيها الإرادات وتتعزز المشاعر الوطنية العابرة على أي انقسام».
موقع أمريكي يؤكد أن أي توتر قد يتسبب في تعطيل إعادة إعمار المدينة
وزاد: «نحن نحتفل بالنصر العظيم، نحيي ونترحم على أرواح الشهداء الأبطال، فخر عوائلهم وشعبهم، كما نشيد بالأدوار البطولية للشجعان من القادة والمقاتلين صنّاع المآثر العظيمة» معتبراً أن «أفضل ما يمكن تقديمه لكل هؤلاء، ونحن نحيا بنعمة الأمن والأمان، هو العمل بإرادة موحدة من أجل مواصلة بناء الدولة الديمقراطية العزيزة على أبنائها والمنيعة على الأعداء».
إلى ذلك، أكدت السفيرة الأمريكية في العراق، آلينيا رومانسكي، التزام بلادها بمساعدة العراق.
وقالت في «تغريدة» عبر «تويتر» إنه «بمناسبة ذكرى تحرير الموصل، نؤكد التزامنا بالعمل من خلال التحالف الدولي ضد داعش والشركاء الآخرين لمساعدة العراق وضمان الهزيمة الدائمة لداعش، ودعم جهود الاستقرار لتشجيع عودة النازحين الى مجتمعاتهم المحلية».
وعقب مرور ستّة أعوام على تحرير المدينة، سلط تقرير لموقع «المونيتور» الأمريكي الضوء على الأعمال الجارية لإعادة المدينة إلى الحياة، والتحديات التي تواجهها بعد سنوات الرعب التي ميزت احتلال التنظيم لها، بما في ذلك بطء عمليات إعادة الإعمار والفساد والألغام في ظل تحدي الحفاظ على الإرث المعماري والتاريخي للمدينة.
وتناول التقرير حكاية عماد زكي محمد (55 عاما) وهو إمام من الموصل، والذي كان يذهب بانتظام ليرفع الأذان في مسجد النوري الكبير، قبل تدميره على يد التنظيم إلى جانب منارة الحدباء المائلة في حزيران/ يونيو 2017، في آخر تمركز «للإرهابيين» قبل إعلان هزيمتهم، وقبل ذلك، خلال المعركة التي بدأت في تشرين الأول/أكتوبر العام 2016.
وبعد مرور ما يقرب من عقد من الزمان، أصبح صوت محمد يسمع مرة أخرى من المسجد خلال الأذان، ليعلو على نشاز الأصوات التي يتسبب بها نشاط إعادة إعمار ليس فقط لمسجد النوري، وإنما أيضا للمباني التاريخية الأخرى والمواقع الدينية والمتاحف في الموصل.
وعاد محمد ليرفع الآذان من المسجد قبل عامين، حيث نقل التقرير عنه قوله إن «المدينة تعود إلينا الآن. الوضع أفضل كل ما يريده سكان الموصل الآن هو حياة أفضل».
وحسب التقرير الأمريكي، فإن محمد مثل غيره من الموصليين، هرب من المدينة خلال المعركة، لكنه في السنوات الماضية، عندما بدأ اتحاد المنظمات الدولية العمل على إعادة بناء المدينة، عادت عائلته وغيرها.
الموصل في حالة خراب
لكنه أشار إلى أن الموصل، ثاني أكبر مدن العراق وأحد أهم المدن في التاريخ القديم والتي كانت عاصمة للإمبراطورية الآشورية «ما تزال في حالة خراب، حيث في الإمكان مشاهدة ملامح هندستها المعمارية التي كانت جميلة في هياكلها المتداعية وسط أكوام من الركام والواجهات التي اخترقها الرصاص».
فكل شارع في الموصل، يتضمن هياكل المباني التي مزقتها الحرب والتي يتم إعادة إحيائها ببطء فيما يعمل العراقيون والمنظمات الدولية على إعادة المدينة إلى الحياة، حسب التقرير.
وتناول، مشاريع إعادة إعمار المسجد النوري في إطار مشروع منظمة «اليونسكو» (إحياء روح الموصل).
وهناك أيضا مشروع ترميم كنيسة الساعة وكنيسة الطاهرة التي يبلغ عمرها 800 عام، وهي من رموز التنوع في الموصل، والتي من المقرر أن تكتمل بحلول نهاية العام 2023.
إضافة إلى ذلك تجري جهود لإعادة بناء متحف الموصل – ثاني أكبر متحف في العراق – بعد المتحف الوطني في بغداد، والمقرر إن يعاد افتتاحه في العام 2026.
وطبقاً للتقرير فإن «ما تزال هناك مجموعة من المسؤولين الفاسدين ونقاط الضعف المؤسسية، وعدد محدود من خلايا داعش المتبقية في البلد، خصوصا في المناطق الريفية، في حين ما تزال أيضاً السياسات العراقية تتسم بالفوضوية والفساد» مؤكداً أن «أي تجدد للتوتر بمقدوره أن يتسبب في تعطيل إعادة إعمار الموصل».
وختم بالقول: «بعد العمليات المعقدة لإزالة الألغام والتي نفذها الجيش العراقي، بدأت أعمال الترميم في العام 2020، لكن الألغام ما تزال نشطة حتى يومنا هذا في المدينة، حيث تم وضع علامة (آمنة) على الجدران في المواقع التي تم فيها إزالة الألغام، فيما تم وضع إشارة بخط أحمر، إذ ما يزال يتحتم إزالة الألغام التي تسببت بوقوع العديد من الإصابات وحتى وفاة عدد من الأطفال».