ملاحظات أولية حول الحملة العسكرية على اليمن

حجم الخط
2

كما يعلم الجميع السعودية معها وكلاء محليون لهم مخصصات مالية شهرية، ويتوزعون على مختلف القطاعات والفئات، ومنهم في مواقع صنع القرار السياسي والامني والعسكري وشيوخ قبائل، ومع هؤلاء كانت تستطيع تنفذ رغباتها ومطامحها، كما جرت العادة، خلال اكثر من ستين عاما.. فلماذا ذهبت الى العمل العسكري الذي سيدمر كل ما لليمنيين من بنية تحتية وقتل الابرياء.
السبب الوحيد انها تنفذ خطة امريكية بهدفين، الاول تنشيط السلاح السعودي الذي لم يستخدم من خمسين سنة، وعقد صفقات جديدة تدعم الخزينة الامريكية، وهي مناورة تم فيها جمع الدول المتسولة اموال السعودية، وعلى رأسهم السيسي، الذي لم يقف كما وقف رجل مصر والعروبة ناصر، مع التأكيد على جهل القيادة المصرية بأمنها القومي، فاليمن يشكل أهم نقاط الامن القومي المصري.. وهنا سيتم ضرب كل المؤسسة العسكرية اليمنية وترسانتها من الاسلحة والمعدات، ويتم افقار اليمن الى ما دون الصفر، حتى تأتي مرحلة لاحقا تكون السعودية ممولا محتكرا لإعادة البناء بطريقتها وشروطها. الهدف الثاني وهو الاساس، استدراج ايران الى ساحة المواجهة المباشر، وهو امر لن يتحقق، لأن ايران مشروعها القومي ليس اليمن ولا سوريا ولا العراق، فهذه اوراق سياسية تكتيكية في خدمة المشروع النووي، حتى تحقق تفوقا استراتيجيا على دول المنطقة، ويتم الاعتراف بها في النادي النووي، كما باكستان سابقا.
وللعلم المحادثات الامريكية الايرانية السرية لم تنقطع من عشرين سنة، ولولا ايران ما تمكنت امريكا من دخول افغانستان ولا العراق، والمجال الجوي الايراني كان مفتوحا امام الطائرات الامريكية في تلك الحروب. وهنا قد يكون التهديد بالقوة العسكرية والحشد الحكومي مقدمة لعمل نوعي، يظهر في الايام المقبلة، يدفع ايران للمواجهة، فأمريكا وإسرائيل وحلفائهما جاهزون لتوجيه ضربة عسكرية لإيران، واذا تمكنت ايران من فهم اللعبة وتم توجيه انذار روسي صيني لأمريكا، ستقتصر العملية على اليمن، باعتبارها ضربا لأحد اعوان واتباع ايران، مع العلم بأن السعودية والامارات الاولى بهما استعادة جزر الامارات المحتلة من سنوات، وهما لا تجرآن حتى على اطلاق كلمة على ايران.
الهدف الثالث استكمالا لخطة امريكا بتدمير الدولة القومية في المنطقة وتعميم الفوضى، حتى يعاد رسم دول جديدة وتشكيل نخب جديدة من ازلام السفارات الامريكية، الذين يبيعون بلادهم ويطلبون تدخلا اجنبيا لحمايتهم كما فعل هادي.. ولأن الحوثيين كما صدام ركبهم الغرور والجهل، وتصوروا ان معركة في ارحب وعمران ستكون هي ذاتها مع الخارج الاقليمي، ولم يحسبوا مصالح الاخرين وخطورة إظهار جماعة مذهبية تستملك السلطة على حدود وجوار دول غنية مختلفة مذهبيا وفي حالة عداء مع مذهبهم.
هنا يكون الحوار السري بين امريكا وايران في نقاط خاصة بالسعودية ودورها وحضورها وسلامة اراضيها، لكن امريكا لن تتحدث عن الجزر الاماراتية، لأنها تراها بؤرة نزاع مقبل، وكل بؤرة نزاع تكتسب منها امريكا مليارات الدولارات. وللعلم الحملة على اليمن بتخطيط امريكي وتسهيلات لوجستية واستخباراتية متعددة. وهناك اهداف اخرى للحملة على اليمن، تتمثل في اعادة رسم خريطة سياسية في اليمن، تتشكل معها قوى جديدة حليفة للسعودية، ومنها كثير من جيل الابناء للنخب السابقة، مع اضافة نخبة من الجنوب، تجارا وحزبيين وشبابا ونساء وعسكريين، ليكونوا كما نخبة الشمال في كتلة واحدة، وكلاء جددا واعادة تفعيل الوكلاء القدامى..
هنا يظهر صالح بهدفه الحقيقي، وهو ليس الثأر فقط من معارضيه، وإضعاف الحوثيين وتدمير قوتهم، بل ايضا تقديم ابنه كأحد الوجوه والاسماء التي يناط بها إدارة اليمن في مرحلة ما بعد الحملة العسكرية، وهو على استعداد للتنازل عن أي شيء مقابل هذا الهدف. وللعلم فإن بقاء اليمن موحدا أمر ايجابي، لكن تشكيل حكومة ورئاسة عقب انتهاء الحملة العسكرية سيكون بأوامر سعودية امريكية، ولن يسمح للاحزاب ومكوناتها ان تتحدث كثيرا او تحاور، فالأجندة السياسية جاهزة، وهنا تكون سيادة اليمن قد ضاعت. والخطير هو السيطرة السعودية على فضاء اليمن وحدوده البحرية، خصوصا باب المندب مع اعوانها من دول اخرى.
واستكمالا لما سبق فإن الحملة، وهي في الاساس خطة ودعم وتسهيلات لوجستية امريكية، أوكل تنفيذها الى تحالف عربي بقيادة السعودية، وهذا الامر يشبه ويماثل حرب امريكا ضد الاتحاد السوفييتي عام 79، فبدلا من المواجهة المباشرة بينهما درءا لحرب نووية، تم اقرار الحرب بشكل غير مباشر، من خلال الدول العربية بحملات تطوع من شبابها، وتمويل الحكومات، وباعتماد ايديولوجيا دينية متطرفة ضد السوفييت، انعكست سلبا على الواقع العربي، ثم ما اعقب ذلك من مشاكل ومخاطر عودة العرب الافغان، ونحن إلى اليوم نعاني من مشاكلهم التي تتجدد مع ثالث جيل منهم .
وبدلا من المواجهة مع ايران مباشرة، تمت المواجهة معها في اليمن، وربما تنتقل المعركة لاحقا الى لبنان، وللعلم تم اقرار الحملة ضد اليمن في الاسبوع نفسه الذي تتعثر فيه المفاوضات الايرانية الامريكية. والسبب الآخر للحملة، التي جاءت في الايام الاولى لتولي الملك سلمان مقاليد السلطة، وهي مهمة مزدوجة يريد منها اعادة ترتيب البيت السعودي من الداخل، عبر ازاحة اشخاص ومجموعات وتقريب اخرى، كان قد بدأ اولى عملية الترتيب في مجموعة قرارات وتعيينات وسيستكملها خلال انجاز حملته العسكرية.
الجدير بالذكر أن الحملة ضد اليمن لا تحظى بإجماع وموافقة شاملة من الأمراء في الصف الاول في مؤسسات صناعة القرار السعودي، فهناك امراء غير موافقين لا يظهرون معارضتهم على وسائل الاعلام، لكنها تنتقل بعد حين وتصل الى الاعلام. ولأنه ايضا يريد خلق نمط من السياسية المتحررة من قيود المرحلة السابقة، وهو مطلب امريكي ايضا، وهو ما سنراه في الاشهر المقبلة، وثالثا لان السعودية تريد فرض واستعادة هيبتها في المنطقة خليجيا بدرجة اساسية، خاصة انها قوبلت بمعارضة قوية من قطر، واحيانا من عمــــان، وثالثا من الامارات، وعربيا بدرجــــة ثانية مع غياب فاعلية مصر وخروج العراق والجزائر من الفاعلية والحضور.. ولأن الحرب الراهنة قد تطول زمنيا وتتسع في مداها وآثارها، ربما يخرج من الاجماع الراهن بعض الدول او تدخل اخرى في المواجهات.
وللعلم السعودية لا تضرب الحوثيين فقط، فهم جماعات متنقلة وليست ذات مواقع ثابتة، وهنا تستهدف السعودية ضرب الجيش اليمني بكل مؤسساته وكوادره ومعداته، لأنها تخشى هذا الجيش من زمان، ولأنها لا تريد دولة يمنية قوية بمؤسساتها وجيشها، وهنا ستكون الفرص سانحة لوكلائها من المشايخ والعسكر والاحزاب، للسيطرة على السلطة والدولة والانحراف بها وبقراراتها وفقا لمصالح السعودية..
وللعلم، كما اشرت سابقا، الحملة السعودية هي اشبه بمناورات كبيرة جوا وبحرا، ولأول مرة تتحرك القطع البحرية السعودية وربما تتحرك برا في ايام مقبلة، وهو نوع من اظهار العضلات، كرسالة الى ايران، مع ان هذه الاخيرة تمتلك مخزونا من الاسلحة التقليدية والحديثة، يفوق ما تمتلكه السعودية، وفي حال تحقق مشروعها النووي ستكون السعودية محل تهديد مستمر من ايران، وستكون التوازنات قد مالت نهائيا لصالح ايران. وللعلم أيضا فإن الترتيبات اللاحقة للعدوان على اليمن، أي شكل الدولة ونظام الحكم واسماء الحكومة، هي محل نظر اجهزة الامن السعودية من الان، وهناك من يعد قوائم بهذا الخصوص وكل الترتيبات اللاحقة ستشمل ايضا وكلاء سابقين للسعودية، مع وكلاء جدد من مختلف الاحزاب والمكونات ومن الجنوب خصوصا، وقد لا نندهش إن اعتمدت السعودية صالح ونجله ضمن الترتيبات المقبلة.
والاخطر في هذه المواجهات انها كشفت علنا عن تفاهة قادة حزبيين وعسكر وقبائل وجموع شعبية، ومعهم رئيس ووزراء يتفاخرون بهذا العدوان على بلادهم، ومن جانب آخر تشبع هذه الحملة رغبة جامحة تاريخيا للجيران بانتصار ميداني وقهر معنوي لليمن.. ومثلما كان العراق الدولة الرخوة في جعلها ميدان حرب امريكية واقليمية، ومن قبلها افغانستان، اليوم تحل اللعنة على اليمن ليكون اخراجه من دائرة الحضور ويتم رميه الى مجاهل التاريخ، وهذا بفضل جهل ونزق صالح والحوثيين ومعهم الاحزاب وبعض المكونات السياسية.

٭ استاذ علم الاجتماع السياسي ـ اليمن

فــؤاد الصلاحي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية