القاهرة ـ «القدس العربي»: المشاهد التي انتشرت على نطاق واسع لسيدة فلسطينية ترفع يديها للسماء إثر طردها وزوجها من بيتهما الذي يقيمان فيه في القدس منذ سبعة عقود، لم تحرك لا زعيما ولا مواطنا في أي من عواصم العرب والمسلمين، بل إن الأمين العام للجامعة العربية شغلته متاعب الشيخوخة، عما يجري في سائر البلدات الفلسطينية، فاكتفى بترك آلة الشجب والإدانة تعمل وخلد إلى الراحة، وعلى دربه سار معظم المسؤولين العرب، فيما الجماهير التي يراهن عليها المخلصون للقضية لنصرة أصحابها مشغولة بمعاركها الخاصة والصغيرة، فالطبقات الفقيرة في صراع على نطاق الساعة مع معركة الرغيف، بينما الفئات المترفة تتنقل بين المقاصد السياحية والملاهي، فيما تمثل اللحظة الفارقة التي يرزح تحتها الكتاب شديدة الغرابة، إذ فقد معظمهم القدرة على التأثير في المتلقي بعد أن فرطوا في القضية التي كانت تمثل لهم قبلة الحياة. وطيلة الساعات الماضية كان الكثيرون يبحثون عن إيمان البحر درويش المستسلم في سريره، فما زالت الصورة التي نشرتها ابنته أمنية، تثير كثيرا من الحرج لدوائر السلطة على الرغم من مبادرة الشركة المتحدة وثيقة الصلة بأحد الأجهزة السيادية، تكفلها بعلاج الفنان الذي تردى مؤخرا وضعه الصحي، وظهرت أمنية خلال الساعات الماضية لتنفي خبر وفاته. على الصعيد السياسي شهدت القاهرة، حراكا واسعاُ بشأن الأزمة السودانية وقضية سد النكبة، التي باتت تمثل صداعا مزمنا بالنسبة للجماهير. ومن اخبار مؤسسة الرئاسة: حذّر الرئيس عبد الفتاح السيسي من خطورة الأزمة السودانية قائلا: الأزمة السودانية خطيرة وحلها يجب أن يكون جذريا، جاء ذلك خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية لفعاليات مؤتمر قمة دول جوار السودان، في قصر الاتحادية لبحث سُبل إنهاء الصراع الحالي والتداعيات السلبية له على دول الجوار. وكشف السيسي عن أن هذه القمة المهمة، التي تنعقد في لحظة تاريخية فارقة من عمر السودان الشـقيق يمر خلالها هذا البلد الجار العزيز على قلوبنا بأزمة عميقة لها تداعياتها السلبية على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، وعلى دول جوار السودان بشكل خاص، باعتبارها الأشد تأثرا بالأزمة، والأكثر فهما ودراية بتعقيداتها ما يتعين معه على دولنا توحيد رؤيتها ومواقفها تجاه الأزمة، واتخاذ قرارات متناسقة وموحدة تسهم في حل الأزمة، بالتشاور مع أطروحات المؤسسات الإقليمية الفعالة، وعلى رأسها الاتحاد الافريقي وجامعة الدول العربية حفاظا على مصالح ومقدرات شعوب دول الجوار وأمن واستقرار المنطقة ككل.. في سياق القمة: استقبل الرئيس السيسي رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في قصر الاتحادية، لبحث الأزمة في السودان وقضية سد النهضة. ووجه آبي أحمد الشكر للرئيس السيسي، على مبادرته لإنهاء أزمة السودان، كما أكد في مؤتمر قمة دول جوار السودان، أن السودان ينزف بسبب نزاع سياسي عنيف وأن النزاع خلّف العديد من الضحايا والنازحين. كما أكد ضرورة أن تكون هناك سلطة في السودان للأخذ بزمام الأمور وأن أزمة السودان لا يمكن حلها إلا بالتضامن والوحدة..
لأنهم فلسطينيون
المشاهد المأساوية التي تداولتها وسائل الإعلام للسيدة نورا صب لبن وطرد عائلتها الفلسطينية من منزلها في القدس، الذي عاشت فيه لأكثر من سبعين عاما، هي مشاهد كما تصفها أميرة حواسك في “الوطن” تمزق القلوب، وتنكأ جراحا تغافلنا عنها لأسباب عديدة، جعلت الاهتمام بالقضية الفلسطينية يتراجع على الأرض ويتوارى خلف اهتمام معظم الدول العربية بقضاياها الداخلية، السيدة نورا يبلغ عمرها ثمانية وستين عاما، وزوجها مصطفى صب لبن قد تجاوز السبعين عاما، ويقيمان مع عائلتهما في هذا المنزل منذ عام 1953، ويقع في البلدة القديمة في القدس المحتلة. قامت قوات الاحتلال بطرد العائلة، وسلّمت المنزل لمستوطنين إسرائيليين، كما منعت المتضامنين مع العائلة المقهورة من الوصول إلى المنزل، بل اعتقلت خمسة منهم، واعتدت عليهم بالضرب، بينما السيدة نورا ترفع يديها للسماء بكلمات تشكو فيها إلى الله وتحتسب عنده ما تتعرض له هي وأسرتها من جبروت، وبيقين المظلوم تتضرع إلى الله أن يعيد فلسطين عربية والقدس والبيوت والتراب سيظل فلسطينيا. كالمعتاد أصدرت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بيانا أدانت فيه استيلاء المستوطنين على البيت في حماية قوات الاحتلال، ودعت المجتمع الدولي للتدخل فورا، كما دعت الأمم المتحدة إلى التحرك لإيجاد آلية توفر حماية للشعب الفلسطيني وممتلكاته ومقدساته، وأصدر الاتحاد الأوروبي هو الآخر بيانا يدين الواقعة، مبديا أسفه بقرار السلطات الإسرائيلية إخلاء البيت الذي تقطنه الأسرة منذ عام 1953 (إثر أمر قضائي)، المدهش أن السفارة البريطانية لدى إسرائيل عبرت عن صدمتها، وأكدت أن مثل هذه الإجراءات تتسبب في معاناة لا داعي لها لعائلة عانت بالفعل من معركة قانونية استمرت 45 عاما.
ليست لوحدها
مضت أميرة حواسك طارحة أسئلتها المفعمة بالمرارة بشأن المأساة الفلسطينية: إذا كل المؤسسات الدولية الكبرى في العالم أعلنت أسفها ورفضها لما حدث، بما في ذلك السفارة البريطانية الممثلة للدولة صانعة إسرائيل وصاحبة الفضل في وجودها، فماذا بقي إذن؟ لقد أدى العالم واجبه كاملا بما في ذلك جامعة الدول العربية في الشجب والإدانة، ثم مضى كل إلى إكمال روتينه اليومي، بينما يظل شعب كامل منذ ما يتجاوز السبعين عاما في نكبة لا يجد من يغيثه وينتشله منها، فالكل يؤدي ما عليه ويشجب ويدين. مع الأسف أن عائلة صف لبن ليست هي الوحيدة، فهناك عشر عائلات أخرى تختصمها سلطة الاحتلال من أجل إخلاء منازلها في القدس القديمة للاستيلاء على هذه المنازل، وطمس هوية مدينة القدس تماما، إضافة إلى ما يمارسه المحتل الإسرائيلي من جرائم في المسجد الأقصى وباقى المدينة المقدسة، بل بقية المدن الفلسطينية، يعد دليلا قاطعا على نية إسرائيل في التمادي في صلفها والابتعاد عن أي توجه سبق وأبدته حكوماتها على مدى عقود سابقة تؤكد فيه توجهها نحو السلام وخلق علاقات جديدة وطبيعية مع جيرانها من الدول العربية، بل إن ما يصدر عن حكومة الاحتلال الإسرائيلي يضع كل الحكومات العربية التي أبدت استعدادها لإقامة سلام مع إسرائيل في حرج شديد أمام شعوبها، التي تدرك جيدا أن فلسطين ستظل هي الحائل الدائم دون إقامة سلام حقيقي، لا يمكن تحقيقه مع هذه السياسات الإجرامية من الحكومة الإسرائيلية.
قد تمطر
تعرف الحكومة أنه لا مجال للمنافسة بينها وبين القطاع الخاص، وأن أي منافسة اقتصادية بينهما محسومة لصالحها في كل الأحوال. والغالب أن هذا الإدراك هو الذي أدى إلى إصدار «وثيقة ملكية الدولة»، التي لما خرجت إلى النور قبل شهور، كان الغرض من إصدارها كما أوضح سليمان جودة في “المصري اليوم”، أن تأخذ الدولة خطوات إلى الوراء، وأن يجد القطاع الخاص مجالا أوسع في الأنشطة الاقتصادية، ثم يجد منافسة أقل من جانب الدولة. وعندما أنهى مجلس النواب دور الانعقاد الثالث، مؤخرا، كان قد وافق على مشروع قانون تقدمت به الحكومة بإلغاء إعفاءات الضرائب والرسوم الممنوحة لجهات الدولة في الأنشطة المشار إليها.. وقد جاء هذا الإلغاء وكأنه أول الغيث للاقتصاد في البلد. ويلفت الانتباه أن مشروع القانون تقدمت به الحكومة نفسها، ولم يتقدم به نائب مستقل في البرلمان، ولا نائب يمثل حزبا من الأحزاب.. وهذا معناه أن الحكومة أدركت من تلقاء نفسها، وبالتجربة، أنه لا مجال للحديث عن فرص عادلة أمام القطاع الخاص في الاستثمار، ما دامت هذه الإعفاءات موجودة وقائمة. ومن قبل كنت قد دعوت الحكومة إلى خطوة كهذه، وكان غيري قد دعاها إلى الشيء نفسه، والحمد لله أنها أدركت الآن أن تلك الدعوات لم تكن أبدا عن موقف ضدها، ولكنها كانت انتصارا للمنطق الاقتصادي السليم، الذي لا تستقيم الأمور بسواه. ولا بد أن الحكومة قد راقبت الأداء الاقتصادي في البلد، ولا بد أنها قد لاحظت أن الإبقاء على تلك الإعفاءات كان عقبة كبيرة في طريق القطاع الخاص، وأن الإعفاءات كانت تصرف القطاع الخاص عن المشاركة في ما يجب عليه أن يشارك فيه، ولم يكن انصرافه عن تأفف من جانبه في المشاركة، ولكن لأن المنافسة بينه وبين الجهات المعفاة كانت غير عادلة. هذه خطوة محسوبة للحكومة التي تقدمت بمشروع القانون، ومحسوبة للبرلمان الذي وافق عليه، ولكن الأهم أن يتواصل إدراكها في هذا الاتجاه، وأن تلتفت إلى أن هذه ليست آخر الخطوات، بل ربما تكون الأولى من حيث وضوحها وحسمها في الموضوع، ولا سبيل سوى قطع الخطوات إلى آخرها لأن الأمر يتعلق باقتصاد بلد وبمستقبل دولة.
نفاق الغرب
جاءت واقعة حرق المصحف الشريف بتصريح وموافقة حكومة السويد بمثابة “القشة التي قصمت ظهر البعير” في السجال حول حرية التعبير وعدم التعدي على مقدسات وحقوق الآخرين، ويرى عصام شيحة في “المصري اليوم” ثمة وضوح كبير في ما يتعلق بازدواجية المعايير الغربية والأوروبية تجاه بقية العالم في الجنوب. ولقد تبددت “الهالات الأخلاقية”، واللغة التبشيرية سواء في ما يتعلق بحرية المعتقد أو تعايش الثقافات أو حقوق الإنسان، وأهمها الحق في الحياة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وحق الشعوب في مقاومة قوات الاحتلال، ومقاومة “السياسات العنصرية”. ويوما بعد يوم، تسقط أقنعة الغرب الواحد تلو الآخر، وذلك في دعم الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين المحتلة، أو موجات العنصرية والكراهية ضد كل ما هو عربي وافريقي ومسلم، وممارسات وتبريرات عنصرية فجة، حتى في فرنسا بعد مقتل شاب فرنسي من أصل جزائري بيد الشرطة، ومهرجانات «حرق المصحف الشريف» في السويد ومن قبل في الدنمارك، والتعامل المخزي مع المهاجرين عبر «المتوسط». وأخيرا وليس آخرا محاولة فرض «المثلية الجنسية» على المجتمعات العربية والافريقية والإسلامية تحت المعزوفة الكريهة ذاتها المنحازة بفجاجة للمصالح الغربية، ألَا وهي «حقوق الإنسان» المأسوف عليها من كثرة استخدامها للابتزاز السياسي ضد دول الجنوب. إن حرق نسخة من المصحف الشريف أمام مسجد ستوكهولم المركزي في العاصمة السويدية هو تصرف ليس الأول من نوعه في ظل ازدواجية معايير حرية التعبير لدى الغرب. وفي الوقت الذي تصاعدت فيه حدة الإدانات الإسلامية والدولية، من المؤسف أن استفزاز المسلمين بهذه التصرفات الهمجية لم يعد أمرا فرديّا، بل هناك حكومات وأحزاب غربية متطرفة تدعم مثل تلك التصرفات الهمجية، وهي أن دلتَّ على شيء فهي تدل على ازدواجية الغرب.
ازدواجية مقيتة
الحرية في الغرب ليست إلا حرية التطاول على الأديان ونشر الانحلال الأخلاقي، وتقف خرساء بلهاء أمام فظائع الاحتلال الإسرائيلي وجرائم المستوطنين، ولا تسمح لأحد بمجرد مناقشة الهولوكوست. يتفق الكثير من الخبراء والمحللين السياسيين، كما اوضح عصام شيحة على أن الحملة الغربية والأوروبية تحديدا على التنظيم القطري لواحدة من أفضل دورات كأس العالم منذ انطلاقها، تعود إلى عوامل عديدة ليس لأي منها علاقة بحقوق الإنسان والديمقراطية، حيث دأبت على الحديث عن انتهاكات لحقوق الإنسان، وانتهاك حقوق المثليين. وقد ظهرت الازدواجية الأوروبية في المعايير ممجوجة بشكل وقح، بعدما جاءت في ظل سعيها لتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع قطر من أجل الحصول على إمدادات الغاز منها، أى أن قطر يمكن أن تكون صديقة وحليفة عندما يتعلق الأمر بالغاز، حتى ولو كانت دولة لا تشترك في منظومة القيم مع أوروبا، عندما يتعلق الأمر بكأس العالم. ويرى الخبراء أن سر هذه الحملة يعود إلى النظرة الغربية، التي تنظر بنظرة دونية إلى غير البيض أولا، وإلى المسلمين ثانيا، والتى ترى أن كرة القدم – وكأس العالم – منتج أوروبي، وينبغي أن تكون الريادة فيها أوروبية دون منازع. ويبقى أن الغرب يشهد حاليا موجات عنيفة من التطرف والشعبوية، وكراهية الآخرين، وعدم قدرة النظم السياسية الغربية على توفير «الفرص المتساوية» وحقوق الإنسان للمُهمَّشين والفقراء، مثل السود في أمريكا، وسكان الضواحي الفقيرة في فرنسا، إن اليمين بكل درجاته يشعر بحاجة مرضية لتشويه صورة الآخر العربي المسلم، الذي تم تصويره منذ عقود باعتباره، إما إرهابيّا يفجر نفسه ويقتل الأبرياء، أو أحمق لا يُجيد إدارة المال الذي يملك. في الوقت الذي تقدم فيه دول إسلامية وعربية مثل إندونيسيا وماليزيا مثالا على التقدم والتعايش العرقي، وتقدم مصر نموذجا على التعايش والتسامح الديني، كما سبق أن قدمت قطر خلال المونديال صورة مختلفة ومشرقة عما يمكن أن يفعله العربي المسلم. وأحسب أن المجتمعات العربية والإسلامية، بل دول الجنوب، لم تعد بحاجة إلى «الدروس المُمِلّة» و«الوصفات المضروبة» من الغرب بشأن معزوفة حقوق الإنسان، التي تُنتهك يوميّا في الغرب.
إهماله جريمة
ليس مستساغا من وجهة نظر علي هاشم في “فيتو” أن نرى صور الفنانين المحزنة على أسرَّة المرض، وكأنهم بلا رعاية ولا اهتمام، لا من الدولة ولا من النقابات الفنية المسؤولة عنهم.. كما حدث أخيرا مع الفنان القدير إيمان البحر درويش حفيد الموسيقار العظيم سيد درويش. ما جرى تداوله للفنان إيمان البحر درويش من صور ينفطر لها القلب ألما وحزنا، لما صار إليه من وهن وشيخوخة ومرض لا يليق أبدا بفنان أعطى لفنه وبلده دون حدود، فضلا عن أنه من أسرة فنية مشهود لها بالإبداع والتاريخ الفني العريق. ما الذي دفع ابنة الفنان إيمان البحر درويش لنشر صور أبيها على فراش الموت، وهي الصورة التي ارتج لها السوشيال ميديا والرأي العام في مصر.. وما الرسالة التي أرادت توصيلها لمن يهمه الأمر، خصوصا أنها أعلنت أنه مريض منذ فترة؟ الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية تجاوبت مع حالة إيمان البحر درويش وأعلنت استعدادها التكفل بنفقات علاجه امتنانا لموهبته.. وهو أمر تستوجب الشكر عليه.. لكن السؤال: لماذا تتباطأ نقابة الموسيقيين في التحرك لإنقاذ الفنان من براثن المرض قبل أن يتوحش ويستفحل ويصبح من الصعب استدراك الموقف.. لماذا قامت الدنيا ولم تقعد بعد قيام ابنته بنشر تلك الصورة المؤسفة.. ولماذا ننتظر حتى اللحظات الأخيرة.. ألم تكن نقابة الموسيقيين التي يحمل إيمان البحر درويش عضويتها تعلم بحالته المرضية منذ البداية.. إذا كانت تعلم وتقاعست فتلك مصيبة.. وإذا لم تكن تعلم فالمصيبة أعظم.. وكم في مصر من المضحكات لكنه ضحك كالبكا، متى نرى العلاج الفوري والمناسب – وهو حق دستوري أصيل – متاحا لكل مواطن متى احتاج إليه وفي أي مكان يؤويه.. ظني أن اكتمال منظومة التأمين الصحي الشامل بأسرع ما يمكن، ينبغي أن يكون أولوية قصوى على أجندة الحكومة ـ أي حكومة – حتى لا يخرج علينا بين الحين والحين مرضى بين الحياة والموت يحول ضعف الإمكانيات وقلة الموارد دون إنقاذ حياتهم من المرض.. متى تكون النقابات درعا حقيقيا في كل أزمة صحية تواجه أي عضو من أعضائها؟
مخاوف حقيقية
ظلَّت أصواتُ العلماء المُحذِّرين من مخاوف الذكاء الاصطناعي خافتة حتى سنوات قليلة، ليس عن عمد منهم ولكن كما يقول أحمد عبد التواب في “الأهرام” لعدم اهتمام وسائل الإعلام الجماهيري بطرح أفكارهم ونتائج بحوثهم على الجماهير العريضة، وهذا ما أفسح المجال للسينما أن تتصدر بطرح هذه المضامين لهذه الجماهير، في إطار الخيال العلمي الذي ثَبُت أنه، في معالجات كثيرة، لم يكن خيالا صرفا وإنما كان يعتمد على اجتهادات علمية، وكان هذا أفضل وسيلة لنقل بعض نتائج العلم إلى مئات الملايين الذين لا يُقبِل معظمُهم على أخبار العلم والعلماء، وقد ترتب على هذا أن الرأي العام قد تهيأ بالفعل لسماع كلمة العلم والعلماء، ما جعل لهذه القضايا بلسان العلماء هذه الأيام متابعين بعشرات الملايين عبر الكوكب. وقد نشرت جريدة “الغارديان” البريطانية قبل أيام تقريرا يعرض لآراء عدد من العلماء، طيَّرته وكالات الأنباء ونشرته بعض الصحف والمواقع العربية، جاء فيه أن مخاوفهم تتركَّز في: أولا، أن يصبح الإنسان النوع الأقل ذكاء، بما يُهدِّده بالتراجع والفناء، للأسباب نفسها التي جعلت البشر يقضون على كائنات أخرى، فقط لأن البشر الأكثر ذكاء، ولم يكن إيقافهم ممكنا. وهذا ما يجعل العلماء يخشون أن تكون للذكاء الاصطناعي خطط يعترض عليها البشر فيصيرون آفة ومصدر إزعاج للذكاء الاصطناعي فيقضي عليهم ببساطة. وثانيا، عن الفشل في السيطرة على الذكاء الاصطناعي، فكما أن الحكومات الحالية تشك في نيات وأفعال بعض مواطنيها، وتضع النظم الرقابية للإيقاع بهم، فقد يقوم الذكاء الاصطناعي بالعملية نفسها، إذا حاولت الحكومات، أو أخطأت، في قرارات وسياسات، فيتصدى لها الذكاء الاصطناعي ويوقع بها ويسيطر بدلا منها. ثالثا، رغبة الذكاء الاصطناعي في قتل البشر، فقد يخشى من أن يطور البشر أجهزة أكثر ذكاء، فيقضي على البشر ليمنعهم، أو قد يقرر أن يقوم بتجارب، نووية مثلا، أو أن يبتدع بكتيريا قاتلة يطلقها للإيذاء، فيقضي على البشر، دون أن يُصاب بأذى. رابعا، عن سقوط البشر بالتقادم، وهو احتمال يكون قويا مع كثرة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إدارة البيزنس، وفي خوض الحروب، وفي إدارة الشرطة والجيش، إلخ، فقد يتعاون المفترض أنهم أعداء في الذكاء الاصطناعي للتخلص من البشر الذين يكونون عاجزين عن حماية أنفسهم.
اللي حصل حصل
يرى الدكتور مصطفى عبد الرازق في “الوفد”، أن اللحظة حانت بالفعل لوقف حالة الجدل المتزايد، بشأن كون العاصمة تعبر عن الخلل في فقه الأولويات، كما يرى البعض أم لا، وهو حديث يطول الكلام بشأنه ويطول الرد أكثر، فإن الوقت هو وقت تحقيق الاستفادة القصوى مما أنفق على العاصمة، فما حدث قد حدث، والجهد يجب أن ينصرف لتحقيق أكبر عائد ممكن من مبلغ الـ60 مليار دولار التي تذكر بعض المصادر أنها حجم الاستثمارات في العاصمة حتى الآن. في حدود متابعتي أتصور أن الحراك في اتجاه العاصمة بطيء ومحدود ودون المستوى المطلوب، وهذا أمر للتخفيف من وطأة الكلمات ربما يكون طبيعيا ومنطقيا، فأنت لا تتحرك من بيت لآخر، وإنما دولة بأكملها تتحرك من مقر حكم إلى آخر. إذا تخيلت أسرة تنتقل من سكن إلى آخر بديل، والعقبات التي تصادفها وتجعلها في حالة توتر واستنفار يمكن لك مع الفارق الهائل طبعا أن تدرك ضخامة الخطوة، لكن هذا ليس مبررا بالطبع لأن يكون من يقطن العاصمة حتى الآن نحو عشرين أسرة حسب تصريحات المهندس خالد عباس رئيس مجلس إدارة شركة العاصمة الإدارية، كما أنه ليس طموحا نفخر به أن يكون العدد المتوقع للأسر التي ستنتقل إلى هناك خلال الصيف مع بدء الحياة في المدينة، من ألف وخمسمئة إلى ألفى أسرة، كما أشار المهندس خالد كذلك خلال لقاء له مع أحمد موسى في برنامج «على مسؤوليتي».
لعل وعسى
المنطق الذي انتهى عنده الدكتور مصطفى عبد الرازق يقرر، أن المشاريع الكبرى يجب أن تواكبها آمال وطموحات كبرى، وهذا يفترض أن تكون العاصمة قبلة المصريين الراغبين في حياة نوعية مختلفة، وهم كثر، حيث إن حجم الوحدات التي تم بيعها من قبل شركات التطوير العقاري، من شقق وفيلات كبير، رغم أنه ليس في حوزتي رقم محدد. وإذا كنا نريد أن نجعل من مفهوم الجمهورية الجديدة مفهوما يمشي على الأرض نراه ماثلا أمام أعيننا رأي العين، فإن مجال هذه الرؤية هو العاصمة.. إنها المجال الحقيقي لاختبار كل الفرضيات وكل النظريات وكل الرؤى، وكل الأفكار التي نرددها بشأن انتقالنا بمصر إلى عتبة عصر جديد، وأفق للحياة مختلف. هو تحدٍ بكل ما تحمله الكلمة من معاني التحدي؛ ولذلك فإن المطلوب التعامل معه بمنطق ولغة مختلفين، مساحة الابتكار فيها أكبر بكثير من مساحته في أى مجال آخر، ويجب اعتبار التواضع في الأحلام والأفكار أمرا منكورا، خاصة أن العاصمة أصبح لها على الأقل عنوان للوصول هو القطار الكهربائي الخفيف، لم تعد معه العاصمة بعيدة، والبقية في الطريق من مونوريل وخطوط مواصلات عامة أخرى، فضلا عن شبكة طرق حديثة وبالشكل الذي عليه شبكات الطرق العالمية. ومع أنه يمكن اعتبار افتتاح مركز لخدمة المواطنين في جهاز العاصمة مؤخرا خطوة على طريق تعزيز الخدمات هناك، إلا أنه يجب النظر إليها باعتبارها الأولى على طريق الألف ميل. بهذه الرؤية أتصور أن تحويل العاصمة لمدينة مليونية أمر يمكن أن نلمسه ونراه في القريب العاجل.. لعل وعسى.
ماذا سنفعل؟
أعلن الدكتور مصطفى مدبولي أن الحكومة نجحت في بيع أصول لشركات تقدر بنحو ملياري دولار كما خططت لذلك، وأكد أن الحكومة سوف تتوسع في برنامج الأطروحات ليصل عدد الشركات المطروحةَ لبيع حصص فيها نحو خمسين شركة، وهذا سيوفر بالطبع وفق رأي عبد القادر شهيب في “فيتو” حصيلة من النقد الأجنبي سوف تساعد في سد الفجوة الدولارية التي نعاني منها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ماذا سنفعل بعد أن نبيع تلك الحصص المعروضة من الشركات العامة والحكومية لتوفير ما نحتاجه من النقد الأجنبي، الذي هو في تزايد بالطبع؟ هنا يتبين أن علينا أن نجد مصادر مستدامة ومتزايدة من النقد الأجنبي غير بيع شركاتنا وأصولنا العامة، خاصة أننا كما قال رئيس الوزراء نستهدف التوسع في برنامج الأطروحات، وبالتالي سيأتي وقت علينا لا نجد ما نطرحه للبيع للحصول على نقد أجنبي نحتاجه. ولعل ذلك يفسر لنا ما قاله رئيس الوزراء عن ضرورة توفير موارد من النقد الأجنبي تفي باحتياجاتنا منه، من خلال توطين الصناعات التي ستغنينا عن كميات من الواردات وتوفر لنا نقدا أجنبيا ننفقه عليها، وستتيح لنا زيادة الصادرات التي تعد المصدر الأول للنقد الأجنبي الآن. والمهم بالطبع أن تنفذ الحكومة وعودها في هذا الصدد بجد واجتهاد، وألا تفكر مجددا في العودة للرهان على الأموال الساخنة الذي صنع هروبها المفاجئ من أسواقنا تلك الأزمة التي نعاني منها الآن في النقد الأجنبي.. فالحل فعلا في الصناعة لتخفيض الواردات وزيادة الصادرات.. وهذا أمر في أيدينا، بينما المصادرالأخرى للنقد الأجنبي ليست كلها في أيدينا، مثل عائد السياحة وإيرادات قناة السويس، وتحويلات العاملين في الخارج.. أما الاستثمارت الأجنبية فإنها تعد في جانب منها إنفاقا للنقد الأجنبي يتمثل في تحويل أرباح المستثمرين الأجانب للخارج، وهذا ما سيحدث مستقبلا لما سنطرحه من أصول للبيع، كما إننا باعتراف رئيس الحكومة نعاني من بعض التأخر في تدبير هذه التحويلات، وعد رئيس الوزراء بانتظامها قريبا.
نظرة فاحصة
تسأل تمارا الرفاعي في “الشروق”، هل تعرفون النظارة التي يستخدمها طبيب العيون حين يفحص نظرنا فيضع على وجهنا إطارا سميكا ويغير العدسة حتى نقول له إننا الآن نرى بوضوح؟ هكذا أرى «البلاد» عن بعد. تعلمت كلمة «البلاد» من الأصدقاء الفلسطينيين، فكل بلد في منطقتنا هو عدة بلاد فعلا، أراها من خلال عدسة الغربة، أدخل «فلتر» بعد الآخر في النظارة بمساعدة عامل الزمن، فمع كل مرحلة أقضيها بعيدة تزداد العدسة تمويها وتحلى «البلاد» في نظري. ربما تأثر نظري كثيرا بالبعد والعمر والشوق، ربما أحتاج فلاتر كثيرة فعلا لأتصالح مع ما دفعنى، والملايين الآخرين، إلى الرحيل. أتساءل كثيرا عن الشعور بالانتماء إلى المكان، عن هوية مرتبطة بلغة، برائحة، بطعام، بفترة بعد الظهر حين يتكاسل أهل البيت وتدخل أشعة الشمس إلى المطبخ على خلفية رائحة صابون غسيل الأطباق وصوت غسيلها. هي ساعة بعينها يوم العطلة، بعد وجبة الغداء وقبل فنجان القهوة، كان من سبقنى يقدس القيلولة لكني لم أعتمدها رغم أنني أحب جدا تلك الفترة بعد الظهر. أقرأ أحيانا كتبا لأولاد الجيل الثاني من العرب في الغرب، أستمتع جدا بمقارنة شعوري بما يصفونه. أحاول أن أسقط كلماتهم على أولادي وأن أقدر مدى ارتباط أولادي بمكان، أي مكان، وهم يتنقلون معي ومع زوجى بسبب عملنا.
فلتر الذكريات
تتخيل تمارا الرفاعي صغارها يعيدون تركيب حياتها يوما ما، من خلال ملاحظات تدونها على أوراق كثيرة، في دفاتر العمل، على ظهر فاتورة، على ورقة صفراء تلصقتها يوما داخل كتاب. قد يفهم أولادى من خلال القصاصات كم الشوق الذي حملته في سنوات ترحالي لمكان لم أعد أعرف تماما موقعه الجغرافي بقدر ما أعرف شعوري فيه، حتى يكتشفوا أنني لم أعد أحدد مكانا بعينه على أنه «البلاد»، إنما أصف حالة: هو بلد طقسه عموما حار وشمسه جريئة، فوضوي إلى حد ما، لي فيه أصدقاء يشكلون شبكة أمان، عشت فيه مراحل مهمة في حياتي وكانوا دوما قربي يساندونني ويقفون إلى جانبي. أظن أنني أبحث دوما عن ناس أشاركهم مرجعيات حياتية يومية، لا أحتاج أن أشرح لهم ساعة الكسل التي تتبع غداء العائلة، صوت مذيع على التلفزيون وحركة في المطبخ لإخلاء الطاولة مما عليها، حديث سريع بين أم وابنتها بعد أن تفرق أفراد العائلة فأصبحتا وحدهما في المطبخ وعلقتا على قصة أو شخص. صوت الزوج من الغرفة يسأل عمن تتحدثان، أليس نائما؟ على كل حال ليست القصة من شأنه ولن تجيب الابنة ولا الأم. رائحة القهوة بعد رائحة الصابون، الشمس حين تصبح حنونة بعد قسوتها عند الظهر، تماما كما تخف صرامة الأم مع تقدمها في العمر. فلتر الغربة قد يمحو بعض منغصات الطفولة والشباب، ويصبغ الرؤيا فيعطي الذكريات ذلك اللون المائل إلى البرتقالي، الذي يظهر في الصور القديمة. أحزن على جيل لن يعرف أهمية أن تصفر الصور كما تصفر أوراق الشجر في الخريف. ما فائدة أن تبقى الصور الرقمية بكامل عنفوانها؟ كيف سيدخل على الصور الرقمية اصفرار الورق ذلك الشعور الدفين بطفولة اصفرت هي الأخرى؟ أعود من خلال هذه الصور إلى أماكن هي في الحقيقة مراحل تبدو اليوم كأنها محطات في طريق ضيق متعرج أسلكه وأعود أدراجي أحيانا بحثا عن شخص أو صداقة ذبلت عند زاوية علنا نتصالح، لأن فلتر الغربة غالبا ما يطري القلوب.
نقمة أم نعمة؟
إمام عاشور لاعب الزمالك السابق وميتلاند الدنماركي بات من وجهة نظر صبري حافظ التي ابداها في “الوفد”، حالة جدلية بعد أن عاش فترة من أفضل فتراته مع نادي الزمالك وساهم مع زملائه في الفوز ببطولتي دوري موسمين متتاليين وبطولة كأس مصر، وفجأة فكر في الاحتراف الخارجي وسانده بقوة نادي الزمالك في خوض التجربة. وكانت المفاجأة أن يعود سريعا إلى مصر عن طريق بوابة الأهلي بصرف النظر عمّا إذا كان مخططا أن تكون محطة ميتلاند جسر عبور للأهلي من عدمه، وبعيدا أيضا عن الإساءة لأسطورة ورمز الكرة المصرية صالح سليم، التي يحاول الأهلي تطييب جراحها وتهدئة الجماهير الثائرة للإصرار على غض الطرف عنها. ما يدعو للأسى أن اللاعب قضى 5 أشهر تقريبا خارج مصر وعاوده الحنين إلى وطنه، بعد أن لعب 8 مباريات فقط مع فريقه سجل هدفين فقط، وغاب عن فريقه وهو يقاتل من أجل البقاء في الدوري «المتواضع» فنيا بسبب الإصابة، تجربة احترافية فاشلة زمانا ومكانا وفنيا بكل المقاييس، وضاعف الفشل ما أكده ناديه أنه لاعب لا يجيد اللغة التي تقف عائقا في التفاهم المشترك، وتعمق الغربة وتؤثر في تفاعله ومستواه، خاصة أن وصول المعلومة يستنزف وقته وجهده والمتعاونين معه «مدربين ومساعدين ومترجمين»، بجانب أن طريقة اللعب الخاصة بمدربه الجديد لا تناسبه، والذى يفضل طريقة 4/4/2، ورؤية هذا المدرب أنه لاعب لن يفيد الفريق في ظل الطريقة الجديدة.
ثروة بشرية
أزمة اللاعب إمام عاشور أكبر من كونه يسعى للانضمام لصفوف الأهلي وخلق حالة من التشنج بين جماهير الزمالك وحتى محبي الأهلي المعارضين لضمه لإساءته السابقة لسليم صالح، فهذه التجربة وفق ما يرى صبري حافظ صنع خيوطها بنفسه وكتب فشلها بيده لعدم دراسة التجربة قبل بدايتها وإعداد نفسه لخوضها بشكل ناجح كلاعب يملك مقومات النجم الشامل والانتقال لأي نادٍ آخر أفضل في أوروبا مع إجادة اللغة، ومواصلة مسيرة نجاح محمد صلاح ومحمد النني وأحمد حجازي كمنارات تضيء له الطريق وتصنع منه لاعبا قادرا على كتابة تاريخ جديد له ولمنتخب بلاده. تجربة عاشور لها فوائد جمة رغم فشلها، إذ فضح المنظومة الكروية في مصر وغياب خطة احتضان اللاعبين الدوليين منذ الصغر، والسير في طريقين مهمين: تعليم النشء «الصغار» أكثر من لغة ولو فقط المصطلحات الكروية والتعامل اليومي مع الكرة، وإعداده نفسيا للتأقلم سريعا على الغربة وصعوبات بداية الاحتراف الخارجي. والمصيبة الكبرى المبالغ التي يحصل عليها أنصاف نجوم في مصر، فالمسابقة المحلية تقف حائلا أمام أي لاعب يفكر في الاحتراف الخارجي، فلن يحصل على ربع ما يتقاضاه لو احترف في أقوى الدوريات الأوروبية، ما يتطلب من وزير الرياضة التدخل لحل أزمة تهدد الكرة المصرية عنوانها المبالغ الفلكية للاعبين في مسابقة «ميتة إكلينيكيا»، عقلية اللاعب المصري في حاجة لإعادة تشكيل، ليس في تعليم لغة الآخرين والمعايشة الخارجية فقط، وإنما العقلية نفسها وطريقة التفكير وغرس الإرادة في داخله، والنظرة للرياضة وكرة القدم خاصة، فمصر تملك مناجم وكنوزا وعدم الاهتمام يهدر ثروة بشرية قادرة على وضع مصر في مصاف المتقدمين كرويا.