بغداد ـ «القدس العربي»: أعلن وزير الداخلية العراقي، عبد الأمير الشمري، طرد ضباط ومنتسبين في وزارته على خلفية تورطهم بقضايا «فساد» مؤكداً خفض الفساد بنسبة كبيرة في دوائر وزارته.
وذكر في مؤتمر صحافي عقده في محافظة المثنى جنوبي البلاد، مع محافظها أحمد منفي، أن «ملف الفساد شائك، ويحتاج إلى وقت للقضاء عليه بالكامل» لافتاً إلى تمكّن وزارته من «خفض الفساد بنسبة كبيرة في دوائر وزارة الداخلية».
إجراءات رادعة
وكشف عن «إجراءات رادعة وحازمة بحق الضباط والمنتسبين الذين يتعاطون الرشوة وتصل إلى حد الطرد من الخدمة» معلناً في الوقت عينه «طرد أعداد من الضباط والمنتسبين المتورطين بقضايا فساد، إضافة إلى الإحالة على التقاعد».
وأكد مواصلته «حملة مكافحة الفساد. ولن نتوقف، ويتعين أن تكون وزارة الداخلية نظيفة من هكذا قضايا».
وكان الشمري، قد وصل إلى محافظة المثنى، يرافقه وكلاء الوزارة، وعدد من المديرين العامين.
ولا يقتصر الفاسد في العراق على وزارة أو جهة حكومية محدّدة، بل يطال أغلب مفاصل الدولة. وعادة ما تكشف، بشكل شبه يومي، هيئة النزاهة الاتحادية عن تفاصيل ملفات تحقق فيها يشوبها الفساد، آخرها إصدار أمرٍ باستقدام رئيس ديوان الوقف السني الأسبق (لم تسمّه)؛ «لارتكابه عمداً ما يخالف واجبات وظيفته؛ بقصد منفعة اشخاصٍ على حساب الدولة».
وأفادت دائرة التحقيقات في الهيئة، في معرض حديثها عن القضيَّة التي حقَّقت فيها الهيئة وأحالتها إلى القضاء، أنَّ «محكمة تحقيق الكرخ الثانية (في بغداد) أصدرت أمراً باستقدام رئيس ديوان الوقف السني الأسبق، على خلفيَّـة قيامه بتعيين أقارب له، بالرغم من كونهم خارج العراق».
وأوضحت في بيان صحافي أمس، أن «المحكمة أصدرت أمر الاستقدام، استناداً إلى أحكام المادة (331) من قانون العقوبات، التي نصَّت على (يعاقب بالحبس وبالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين: كل موظف أو مكلف بخدمةٍ عامةٍ ارتكب عمداً ما يخالف واجبات وظيفته، أو امتنع عن أداء عملٍ من أعمالها؛ بقصد الإضرار بمصلحة أحد الأفراد، أو بقصد منفعة شخص على حساب آخر أو على حساب الدولة)».
وتنامى الفساد في العراق طوال العقدين الماضيين حتى بات تفكيكه أمراً في غاية الصعوبة، وفقاً لتقرير أوردته منظمة «فير أوبزرفر» الدولية.
وطبقاً للتقرير، في 12 نيسان/ أبريل 2023، أعلن مكتب رئيس الوزراء العراقي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عن تجديد تعاونهما من أجل منع الفساد والقضاء عليه في العراق، وهو «التزام تم ترسيخه من خلال التوقيع على مذكرة تفاهم تستهدف تقوية ثقافة الشفافية والمساءلة والسلوك الأخلاقي في كل من المجالين العام والخاص».
مشكلة متجذرة
واعتبر أن الفساد في الحكومة «مشكلة متفشية ومتجذرة، تسببت في إعاقة تطور البلاد وتنميتها طوال عقود» مبيناً أن «فهم أسباب هذا الفساد يتطلب دراسة دقيقة للعوامل التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تساهم فيها».
ورأى أن «عدم الاستقرار في العراق كان طوال العقدين الماضيين أحد الأسباب الرئيسية للفساد في البلد، بعدما أدى انهيار النظام الاستبدادي الطويل الأمد في العام 2003 إلى نشوء فترة من عدم اليقين، حيث أن الفصائل السياسية والجماعات الطائفية المتنافسة سارعت إلى تعبئة هذا الفراغ، في حين، صراعات القوى الطائفية أدت لاحقا إلى خلق أجواء انعدام الثقة في نزاعهم على السلطة».
وحسب المنظمة فإن «الفساد تنامى في هذه البيئة، حيث صار السعي وراء اكتساب السلطة والنفوذ متداخلا مع المكاسب الشخصية إذ أن الأفراد سعوا إلى استغلال مواقعهم السياسية بهدف تحقيق مكاسب مالية، وتطور النفوذ السياسي بتحوله إلى وسيلة من أجل تكديس الثروات، وتأمين العقود المربحة والسيطرة على الموارد».
هذه البيئة، شجعت المسؤولين على «استغلال مناصبهم» لانتزاع الرشاوى والاختلاس والتلاعب بالأموال العامة بهدف تحقيق مكاسب شخصية» وفق المنظمة التي ضربت مثال «سرقة القرن» التي تضمنت تورط مسؤولين حكوميين سابقين في سرقة 2.5 مليار دولار من الأموال العامة.
ولفت التقرير إلى أن «عدم الاستقرار السياسي أدى إلى تقويض فعالية المؤسسات لمكافحة الفساد» موضحا أن «القضاء ووكالات تطبيق القانون والهيئات التنظيمية واجهت في أحيان كثيرة التدخل والتلاعب والترهيب في مناخ سياسي غير مستقر، ما عرقل قدرتهم على ملاحقة الفاسدين قضائيا ومحاسبتهم».
وإلى جانب ذلك، ذكر التقرير أن «عدم الاستقرار السياسي أثر سلبا على استمرارية وفعالية آليات الحكم» مبينا أن «التغييرات المتكررة في القيادة والهيكل الحكومي تؤدي إلى عرقلة تنفيذ سياسات مكافحة الفساد والإصلاحات».
وذكر أيضاً أن «تفشي ظاهرة المحسوبية في الحكومة ساهم في انتشار الفساد، ففي الكثير من الأحيان، يتم شغل المناصب النافذة على أساس العلاقات الشخصية بدلا من الكفاءات، وهو ما يعزز فرص ازدهار الفساد».
ولفت إلى «وجود أوجه قصور في آليات مكافحة الفساد والتي من بينها التدقيق في الحسابات المالية العامة ومراقبة العقود العامة وعمليات الشراء، وتطبيق قواعد السلوك للموظفين في القطاع العام».
وفي ظل «الرقابة غير الكافية» يصبح بإمكان الأفراد الفاسدين أن يستغلوا الثغرات والتورط في أنشطة احتيالية في ظل عدم مواجهتهم للتدقيق في نشاطاتهم، حسب التقرير الذي تحدث أيضاً عن «افتقار العراق للأمن، يؤدي إلى عرقلة الجهود لمكافحة الفساد بشكل مؤثر، وإن استمرار الإرهاب والتمرد والنزاعات المسلحة تسبب في تحويل الموارد والاهتمام والإرادة السياسية بعيدا عن مبادرات مكافحة الفساد».
وأشار إلى أن «السلطات تمنح الأولوية للمخاوف الأمنية على مواجهة الفساد، ما يعزز بالتالي، البيئة المؤاتية للفساد، بلا رقابة».
وحذر التقرير من أن «عدم تطبيق القانون بشكل فعال، يؤدي إلى حماية المسؤولين الفاسدين وتأكل ثقة الجمهور في الحكومة ومؤسساتها» معتبراً أن، «عندما يشعر المواطنون أنهم لا يستطيعون الوثوق بحكومتهم، فإنهم يشعرون بخيبة أمل ويشعرون أنهم منفصلون عن العملية الديمقراطية، وهو ما يقوض العقد الاجتماعي للحكومة مع مواطنيها، ويعرقل الجهود المبذولة لتعزيز الحكم الرشيد والمحاسبة».
رقيب يحاسب الحكومة
وبين أن «في ظل عدم وجود مجتمع مدني قادر ونشط، فإن مشاركة المواطنين والمساءلة تتعرضان للعرقلة لأن المجتمع المدني القوي يفترض أن يعمل بمثابة رقيب يحاسب الحكومة» منوهاً أن «المجتمع المدني في العراق يواجه قمعا منتظما ونقصا في الموارد ومساحة محدودة للمشاركة».
ورأى أن «من دون جمهور نشط يطالب بالمساءلة والشفافية، سيكون بإمكان الفساد، الازدهار بلا رادع» مبدياً أسفه «لأن المواطنين العراقيين يخشون التحدث علانية ضد الفساد، خصوصا بعد اعتقال مواطنين وتعذيبهم وقتلهم أثناء وبعد تظاهرات تشرين الأول/ اكتوبر 2019».
وحسب التقرير «الفساد كان التحدي الأكبر للعراق، وعواقبه بعيدة المدى، ويقوض ثقة المواطنين في العملية الديمقراطية ويضعف ثقة الجمهور في الحكومة، وهو يعزز ثقافة الإفلات من العقاب ويضعف سيادة القانون».
وإضافة إلى أن «الفساد يتسبب في تحويل الأموال بعيدا عن البرامج الإنسانية الأساسية والخدمات العامة وتطوير البنية التحتية، فهو يؤدي إلى تقويض الاحتمالات الاقتصادية ويعرقل الاستثمار الأجنبي».
وخلص التقرير بالقول: «الفساد يمس الاستقرار السياسي من خلال تقويض شرعية الحكومة ومفاقمة التوترات الطائفية وتعزيز السخط والاضطرابات العامة، ولهذا، مكافحة الفساد تمثل مشكلة معقدة بالتأكيد، وهناك حاجة إلى معالجة الأسباب والأسس الكامنة وراء الفساد من أجل تحقيق تقدم كبير، ولهذا فمن الضروري التحقيق في الأسباب الجذرية للفساد وسن إصلاحات لها معنى».