السودان والسير في أرض موحلة

سيدأحمد علي بلال
حجم الخط
0

لابد من استهلال القول بان كل يوم يمر يؤكد مقولة ان الحقيقة هي الضحية الأولى في الحرب. فهناك كتائب من صناع الأكاذيب والحرب النفسية، لذلك على المتتبع للشان السوداني الآن (زمن الحرب) ان يتحرى الأخبار الصحيحة من مصادرها حتى لو كانت قليلة مقارنة بما تبذله وسائط التواصل الاجتماعي من أخبار ومعلومات مشكوك فيها. والذي لا شك فيه هو أننا بعد مرور ثلاثة أشهر على اندلاع الحرب في السودان في 15 نيسان/ابريل 2023 بين قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، أمام طور جديد في الحرب، فالذين كانوا يتحدثون باسم القوى المدنية بدأوا في التحرك وترميم معسكرهم استعداداً لخوض جولة أخرى.

تأتي هذه الجولة بعد تبدد وفشل الهدن العديدة التي تمت في إطار الفرص التي أتاحتها القمة الأمريكية-السعودية في جدة، وبهدف إيجاد ممرات آمنة والتعامل مع إغلاق المستشفيات وشح الأدوية وحرق المحلات وانهيار قطاع الخدمات من صحة ومواصلات واحتلال منازل المواطنين في العاصمة القومية.

تحرك

كانت الحرب قد أربكت حسابات الأطراف المدنية بعد أن كانت قوى إعلان الحرية والتغيير قاب قوسين أو أدنى من التوقيع على الاتفاق الإطاري، إذ فقدت القوى المدنية أسلحتها من تظاهرات سلمية في الشوارع وحاضنة جماهيرية صارت تتحرك نحو الأرياف السودانية ودول الجوار وتتعرض للقمع والقتل العشوائي دون حماية. وكان ياسر عرمان قد صرح في مقابلة مع تلفزيون «الجزيرة» بالقول «كنا مساء الجمعة 14 ابريل وحتى صباح السبت في منزل الفريق البرهان وكان يجب ان نلتقي الفريق حميدتي في الحادية عشرة صباح السبت» ولكنهم علموا باندلاع الحرب قبل وصولهم لحميدتي.

الجزرة والعصا

في إطار سياسة الجزرة والعصا وفي سياق قمة جدة، أدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية «اوفاك» بوزارة الخزانة الأمريكية في أول حزيران/يونيو الماضي أربع شركات سودانية، وصرحت وزيرة الخزانة الأمريكية قائلة «نحن نقطع تدفقات مالية رئيسية عن كل من قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية من خلال العقوبات ما يحرمهم من الموارد التي يحتاجون إليها لسداد مدفوعات الجنود وإعادة التسليح وإعادة الإمداد وشن الحرب في السودان». والشركات التي أدرجها مكتب المراجعة بوزارة الخزانة الأمريكية هي شركتا «الجنيد» و«تراديف» التابعة لقوات الدعم السريع وشركتا «منظومة الصناعات الدفاعية» و«كاسترتكنولوجي» التابعة للقوات المسلحة السودانية. لكن الرد البريطاني جاء متاخراً من حيث التاريخ ومختلفا من حيث المقدار كي لا يبدو متشابها وتبعياً يتسم بالذيلية، فقد ورد على موقع الحكومة البريطانية على الإنترنت يوم 12 حزيران/يونيو تقرير تحت عنوان «المملكة المتحدة تفرض عقوبات على شركات تمويل آلة الحرب في السودان» يقول التقرير إن المملكة المتحدة فرضت عقوبات على ست مؤسسات تجارية، ويرتبط بكل من الطرفين المتحاربين ثلاث من الشركات المستهدفة بالعقوبات. ونسب التقرير إلى وزير الخارجية البريطاني، جيمس كليفرلي، قوله إن «هذه العقوبات تستهدف مباشرة من دمرت أفعالهم حياة ملايين السودانيين. وقد انتهك كلا الطرفين وقف إطلاق النار مرات عديدة في حرب غير مبررة نهائياً. وما زال مدنيون أبرياء يواجهون الآثار المدمرة للقتال. ونحن لا يمكننا ان نقف متفرجين بينما نرى إنفاق الأموال المقدمة من هذه الشركات وكلها تمول القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، على صراع عقيم. وسوف نواصل العمل مع شركائنا الدوليين بكل ما في استطاعتنا لدعم عملية سياسية هادفة لإنهاء العنف وضمان حرية وصول المساعدات للمحتاجين إليها». ونسب التقرير للوزير البريطاني لشؤون التنمية وأفريقيا اندرو ميتشل ان الغرض من هذه العقوبات هو الضغط على الطرفين لحملهما على الانخراط في عملية سلام هادئة ودائمة. وأوضح التقرير أن الشركات التي ستتعرض للمعاقبة هي «الجنيد» و«جي إس كيه» و«تراديف» التابعة للدعم السريع ومؤسسة الصناعات العسكرية وشركة سودان «ماستر تكنولجي» وشركة «زادنا» التابعة للقوات المسلحة السودانيين.
جاءت تغريدة خالد عمر يوسف عن وصوله وزملائه من «المدنيين» إلى أديس أبابا التي قال فيها انه وصل إلى العاصمة الإثيوبية «التي تشهد أنشطة مهمة ترمي لوقف الحرب في السودان» مترافقة مع تحذير الأمم المتحدة يوم الأحد الماضي من ان السودان «على حافة حرب شاملة» وذلك غداة غارة جوية على أم درمان أسفرت عن مقتل 22 شخصاً على الأقل وعشرات الجرحى. وفي تصريح للأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش من خلال نائب المتحدث باسمه فرحان حق أن «الحرب المستمرة بين القوات المسلحة دفعت السودان إلى حافة حرب أهلية شاملة قد تزعزع استقرار المنطقة بأكملها». وأعرب غوتيريش عن قلقه «ازاء التقارير التي تتحدث عن تجدد القتال في ولايات شمال كردفان وجنوب كردفان والنيل الأزرق» وجدد دعوته إلى «وقف القتال والالتزام بوقف دائم للأعمال العدائية».
وفي يوم 10 تموز/يوليو الجاري أصدرت قوى الحرية والتغيير بيانا أشارت فيه إلى انعقاد اللجنة الرباعية المكونة من دول الإيغاد برئاسة الرئيس الكيني اليام روتو ورئيس وزراء إثيوبيا آبي احمد ووزراء خارجية دولتي جنوب السودان وجيبوتي. وجاء في البيان «نجدد مطالبتنا للقوات المسلحة وقوات الدعم السريع والمجتمعين الإقليمي والدولي للعمل بشكل جاد من أجل تخفيف المعاناة الإنسانية للسودانيين في مناطق الحرب بتوفير وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وصحة وشبكات اتصالات وغذاء وتوفير الحماية الكافية للمدنيين والامتناع عن خوض المعارك العسكرية في المناطق المأهولة بالسكان والإسراع بإرسال المساعدات وتوزيعها وتقليل معاناة الموجودين في المناطق الحدودية بتسهيل دخولهم لكل دول الجوار في ظل الظروف الحالية».

قمة جوار السودان

وأكد البيان الختامي لقمة جوار السودان في القاهرة تشكيل آلية وزارية على مستوى وزراء الخارجية تعقد اجتماعها الأول في جمهورية تشاد لاتخاذ ما يلي:
وضع خطة عمل تنفيذية تتضمن حلولا عملية وقابلة للتنفيذ والتوصل إلى حل شامل للأزمة السودانية عبر التواصل المباشر مع الأطراف السودانية المختلفة، في تكاملية مع الآليات القائمة، بما فيها الإيغاد والاتحاد الأفريقي.
وجاءت صيغة البيان الختامي كالآتي «بدعوة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رئيس جمهورية مصر العربية شارك رؤساء ورؤساء حكومات كل من أفريقيا الوسطى وتشاد واريتريا وإثيوبيا وليبيا وجنوب السودان في قمة دول جوار السودان بالقاهرة يوم 13 تموز/يوليو 2023 وبحضور رئيس الاتحاد الأفريقي وأمين عام جامعة الدول العربية لبحث كيفية معالجة الأزمة السودانية».
وخلص البيان إلى «التأكد من أهمية الحفاظ على الدولة السودانية ومقدراتها ومؤسساتها ومنع تفككها أو تشرذمها وانتشار عوامل الفوضى والجريمة المنظمة في محيطها، ما يكون له تداعيات بالغة الخطورة على أمن واستقرار دول الجوار والمنطقة ككل».
وفي محاولة لإدراج تمثيل القوات المسلحة والحكومة معا وتحاشي ذكر الفريق البرهان صدر يوم 13 تموز/يوليو الجاري بيان تأييد لمخرجات قمة دول جوار السودان من مجلس السيادة الانتقالي، جاء فيه «ترحب حكومة السودان بمخرجات قمة دول جوار السودان التي انعقدت يوم 13 تموز/يوليو بالقاهرة، وتتقدم بالشكر لجمهورية مصر العربية ولفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي على الدعوة واستضافة هذه القمة الهامة التي ترمي إلى استعادة الاستقرار والأمن في ربوع بلادنا الحبيبة، أيضا نتقدم بشكرنا لدول جوار السودان التي أبدت مواقف داعمة لأمن واستقرار السودان والحفاظ على وحدته وسلامته وسيادته ودعمها لشعب السودان لتجاوز هذه المحنة» وأضاف البيان «نتقدم بالشكر أيضا للمملكة العربية السعودية لمسعاها المتواصل من خلال منبر جدة، وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية من أجل دعم وقف الحرب وإنهاء معاناة السودانيين. وتؤكد حكومة السودان حرصها على العمل مع كل الأطراف الساعية لوقف الحرب وعودة الأمن والطمأنينة لربوع بلادنا الحبيبة، وتؤكد أن القوات المسلحة السودانية مستعدة لوقف العمليات العسكرية فورا إذا التزمت الميليشيا المتمردة بالتوقف عن مهاجمة المساكن والأحياء والأعيان المدنية والمرافق الحكومية وقطع الطرق وأعمال النهب».
وانتهى بيان مجلس السيادة إلى الالتزام «بابتدار حوار سياسي فور توقف الحرب يفضي إلى تشكيل حكومة مدنية تقود البلاد خلال فترة انتقالية تنتهي بانتخابات يشارك فيها جميع السودانيين».
ويعتمد نجاح هذا التحرك في السير على طريق موحلة في نهاية المطاف على توسيع قاعدة المشاركة في جبهة أكبر تضم الأطراف الأخرى التي شاركت في ثورة ديسمبر 2018 في اتجاه حلف انتخابي يهدف لتشكيل مجلس تشريعي وحكومة مدنية تمثل شرعية جديدة تقود في مرحلة تحول ديمقراطي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية