السودان: تصاعد الانتهاكات والجنائية تفتح تحقيقا جديدا في جرائم حرب دارفور

محمد عبد الحفيظ
حجم الخط
0

أكملت الحرب في السودان شهرها الثالث، بينما تستمر معاناة ملايين السودانيين في العاصمة الخرطوم وإقليم دارفور وعدد من المناطق الأخرى، جراء الانتهاكات الجسيمة التي يتعرضون لها نتيجة للصراع المسلح بين الجيش السوداني والدعم السريع.

وفي الخامس عشر من نيسان/ابريل الماضي، اندلعت مواجهات عسكرية عنيفة بين الجيش والدعم السريع، صحبتها انتهاكات واسعة شملت القصف الجوي وتدمير المنازل والمقار الحكومية واحتلالها بواسطة عناصر الدعم السريع، فضلاً عن عدد من حالات الاغتصاب المسجلة.
في ولاية الخرطوم، تستمر أوضاع المواطنين في التدهور، مع استمرار نقص الغذاء والمعارك العسكرية وتزايد أعداد القتلى والجرحى وسط انعدام تام للرعاية الصحية. ومع انتقال المعارك العسكرية إلى إقليم دارفور وتزايد وتيرة العنف والاقتتال العسكري، بدءاً بالجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور ومناطق أخرى، دعت منظمة «هيومن رايتس ووتش» مكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في الهجوم على مستري وقرى وبلدات أخرى بما في ذلك إعدام الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها 28 شخصاً، بعد اقتحامهم البلدة في 28 ايار/مايو الماضي.
وتقع مستري على بعد 42 كيلومترا جنوب الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور.
ودعت المنظمة الدولية في تقرير الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية للتقيد بالتزاماتهما بموجب القانون الإنساني، لا سيما حماية المدنيين وتسهيل إيصال المساعدات والإقرار بأن القادة المسؤولين عن الانتهاكات بمن فيهم من لديه مسؤولية القيادة، يمكن أن يخضعوا للملاحقة القضائية في المستقبل.
ولفتت المنظمة إلى أنه ينبغي لمجلس الأمن الدولي ومجلس الأمن والسلم التابع للاتحاد الأفريقي اتخاذ إجراءات هادفة للتصدي للانتهاكات الجسيمة في السودان، عبر الضغط على الأطراف المتحاربة لضمان حماية العاملين في مجال الإغاثة والصحة والمرافق والإمدادات الإنسانية والطبية من الهجمات والنهب.
وضمن نقاط أخرى، فإن المنظمة الدولية دعت الأطراف المتحاربة للتعاون مع تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية، بما في ذلك تسليم الهاربين، ودعم عمل المحكمة في السودان.
كما دعت إلى التحقيق بشأن المسؤولين عن الانتهاكات في غرب دارفور وتسميتهم ومطالبة مجلس الأمن بمعاقبتهم.
والخميس، أعلن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان عن فتح تحقيق جديد بشأن جرائم حرب وقعت في ولاية غرب دارفور يُزعم أن مرتكبيها عناصر يتبعون لقوات الدعم السريع.
ومنذ بدء الحرب تلاحق قوات الدعم السريع والميليشيات ذات الطابع القبلي اتهامات بارتكاب انتهاكات ضد قبائل أخرى غرب دارفور.
وقال خان في تقريره لمجلس الأمن الدولي: «نحقق في مزاعم مقتل 87 مدنياً على أيدي قوات الدعم السريع في ولاية غرب دارفور».
وكانت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أدانت الانتهاكات الواسعة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع وميليشيات القبائل العربية المتحالفة معها في ولاية غرب دارفور، وأكدت على وجود مقابر جماعية دفنت فيها جثامين العشرات من قبيلة المساليت.
وأكد بيان صادر من مكتب مفوض حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة فولكر تورك، دفن جثث ما لا يقل عن 87 من أثنية المساليت وقبائل أخرى يُزعم أنهم قتلوا بواسطة قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها في مقبرة جماعية خارج مدينة الجنينة تنفيذاً لأوامر صادرة عن الدعم السريع.
وحسب مصادر مكتب المفوض دفن ما لا يقل عن 37 جثة في 20 حزيران/يونيو الماضي، في مقبرة بعمق متر واحد تقريباً بمنطقة مكشوفة تسمى التراب الأحمر بمنطقة الرانقا على بعد 2 كيلومترا شمال غرب المقر الرئيسي لشرطة الاحتياطي المركزي غرب الجنينة. كما دُفنت 50 جثة أخرى بنفس الموقع في 21 حزيران/يونيو، وضمن الذين دفنوا، جثث سبعة نساء وسبعة أطفال.
وقال المدعي العام في تقريره لمجلس الأمن الدولي: «الحقيقة أننا نواجه، في هذا المجلس السماح بتكرار التاريخ، التاريخ المروع نفسه، الذي أدى إلى فتح التحقيق الأول في دارفور قبل نحو عقدين من الزمن».

جرائم إبادة جماعية

ورأى المحامي والباحث القانوني، عبد الباسط الحاج، أن التقرير الذي أصدرته منظمة «هيومن رايتس ووتش» بخصوص السودان يقوم على معلومات موثوقة رُصدت بعناية فائقة.
ووصف الحاج، في حديثه لـ«القدس العربي» الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت في كل من ولاية الخرطوم وإقليم دارفور بالفظيعة.
واعتبر أن الحرب المشتعلة الآن في السودان شهدت انتهاكات ترقى لأن تكون جرائم حرب وإبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية.
وأوضح أن جرائم الحرب هي التي تقع أثناء نزاع مسلح، دولي أو غير دولي، ويستهدف فيها الأشخاص أو الأعيان أو الممتلكات المشمولة بالحماية وفقاً لاتفاقيات جنيف الأربع.
ولفت إلى أن طبيعة الانتهاكات التي وقعت في الثلاثة أشهر الماضية، مثل اعتداء قوات الدعم السريع على المستشفيات والمنازل واستخدامها لأغراض عسكرية تعتبر جريمة حرب.
وأكد أن إقليم دارفور شهد انتهاكات ضد الأطباء، كما تم استهداف المستشفيات وتدميرها بالكامل ونهب ممتلكاتها وتم تدمير المرافق التعليمية.
وقال إن ولايتي غرب ووسط درافور، شهدتا تدمير كل المؤسسات الحكومية المدنية وجزءا من المساكن ونهبها وتهجير المدنيين منها بالقوة المسلحة.
حسب الحاج، ففي الجنينة تم استهداف المدنيين على أساس أثني، وملاحقة الفارين من جحيم الحرب، كما تم استهداف القرى والمحليات المجاورة لها. واعتبر أن هذه الانتهاكات تقود إلى تصنيف تلك الجرائم كجرائم إبادة جماعية.
وأوضح أن شهادات الناجين الذين عبروا الحدود نحو دولة تشاد أكدت وجود استهداف أثني لقبيلة المساليت، بالقتل والتهجير القسري وملاحقة الفارين وقتلهم.
وشدد المحامي والباحث القانوني على أن هذه الجرائم خطيرة ومهددة للسلم والأمن الدوليين، وتدخل ضمن الجرائم الدولية التي يجب التحقيق فيها وعدم ترك فرصة للجناة للإفلات من العقاب.
وأكد أن عرقلة وصول المساعدات الإنسانية عن عمد، تعتبر جريمة حرب لأنها تسبب الضرر البليغ للمدنيين والمعاناة عبر قطع الإمداد والدواء وغيرها من ضروريات الحياة.
وفي الأثناء يستمر تدفق اللاجئين السودانيين الفارين من الجنينة إلى تشاد تحت ظروف أمنية خطرة وتحديات كبرى.

القتل والإرهاب والسرقة

وفي مدينة كتم التي تقع في ولاية شمال دارفور، فإن ميليشيات الجنجويد تمارس القتل والإرهاب والسرقة. وحسب تنسيقيات لجان مقاومة الفاشر فإن ميليشيات الجنجويد تعمل على خطف التجار وأصحاب الأموال وتطلب منهم دفع فدية بمبالغ خرافية مقابل حريتهم.
وفي محلية طويلة، بولاية شمال دارفور، أفادت التنسيقية بأن الميليشيات تفرض حصاراً على المواطنين وتمنعهم من المغادرة، وسط إنعدام تام للدواء وشح المواد الغذائية.
وحسب اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء فقد استشهد 27 من الأطباء والكوادر الصحية وطلاب الطب منذ بدء الاشتباكات المسلحة بين الجيش والدعم السريع.
والأربعاء، قالت المنظمة الدولية للهجرة، إن الوضع الإنساني في السودان يستمر في التدهور. وأكدت تقديرات المنظمة أن عدد النازحين بسبب الصراع بين الجيش والدعم السريع تجاوز الثلاثة ملايين شخص. وأوضحت أن أكثر من 2.4 مليون نزحوا داخلياً، بينما عبر أكثر من 730 ألفاً الحدود إلى بلدان مجاورة.
والثلاثاء، أعلنت وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل التابعة لوزارة الرعاية الاجتماعية عن ارتفاع حلات الاعتداء الجنسي بالعاصمة الخرطوم إلى 51 حالة منذ بداية النزاع المسلح. وقالت أنها سجلت 9 حالات اعتداء جنسي جديدة في الخرطوم.
وقالت منسقية الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية أن 11 مليون شخص في السودان بحاجة إلى مساعدات صحية عاجلة.
والأربعاء، عقد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فكي، بالعاصمة الأثيوبية أديس أبابا، اجتماعاً مع وفد القيادات المدنية والمهنية السودانية لبحث تطورات الأوضاع في السودان.
وحسب بيان للوفد فإن اللقاء تناول الوضع في السودان بعد حرب الخامس عشر من نيسان/أبريل والانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها المدنيون السودانيون والمأساة الإنسانية التي يعيشونها.
وأكد البيان على أهمية انطلاق عملية سياسية شاملة يقودها ويمتلكها السودانيون، تخاطب أسباب الحرب وتوقفها فوراً وتعالج آثارها لضمان الوصول إلى سلام مستدام وتحول مدني ديمقراطي.

مناقشة قضايا تفصيلية

والاثنين الماضي، انعقد اجتماع الآلية الرباعية المشكلة من إيغاد، قاطعه الجيش السوداني الذي يعترض على رئاسة كينيا للمجموعة الرباعية التي تضمها وجيبوتي وأثيوبيا وجنوب السودان.
وناقش المجتمعون امكانية طلب عقد قمة للقوة الاحتياطية لشرق أفريقيا «إيساف» لبحث إمكانية نشر قوات لحماية المدنيين في السودان وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
وسارعت حكومة السودان، عبر وزارة الخارجية رفضها نشر قوات على أراضيها، وقالت إنها لن تقبل بنشر قوات أجنبية، كما أنها ستعتبرها قوات معتدية.
وشجبت تصريحات رؤساء كينيا وأثيوبيا خلال اجتماعات الآلية الرباعية لبحث الأزمة السودانية، وقالت إنها ستعيد النظر في عضوية السودان بمنظمة «إيغاد».
وكان الرئيس الكيني وليم روتو قال إن الوضع في السودان يتطلب قيادة جديدة قادرة على إخراجه من الكارثة الإنسانية بشكل عاجل، بينما قال رئيس الوزراء الأثيوبي أبي أحمد، إن السودان يواجه فراغاً في القيادة، وهو ما اعتبرته الخارجية السودانية عدم اعتراف بقيادة الدولة الحالية.
وقالت الخارجية السودانية، إن المساعدات الإنسانية المقدمة من الجهات الدولية تصل للمحتاجين.
وأمام رفض السودان نشر قوات أفريقية، قال رئيس هيئة الأركان المشتركة لقوات التدخل السريع لشرق أفريقيا، عثمان عباس، إن إيساف أوقفت رسمياً عملية التخطيط لانتشار قواتها في السودان.
وأوضح في تغريدة الجمعة، أن الهيئة المشاركة في عملية التخطيط تغادر العاصمة الكينية نيروبي.
وتابع: وفقاً لبيان وزارة الخارجية السودانية، الذي أبدى رفضه لتدخل قوات إيساف، فقد أصبح خيار نشر قواتنا غير وارد حسب لوائح الإيساف.
وقال الخبير الأمني والعسكري، أمين مجذوب، إن قمة الإيغاد التي انعقدت في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا، نصبت نفسها بديلاً لمجلس الأمن والسلم الأفريقي، عندما دعت لمناقشة امكانية نشر قوات أفريقية في السودان.
وأضح في حديث لـ«القدس العربي» أن مثل هذه القرارات يجب أن تخرج من المجلس وليس من الإيغاد لتأخذ قوتها أولاً ولتخاطب قوات التدخل السريع لشرق أفريقيا ثانياً.
ولفت إلى أن نشر قوات أفريقية بشكل قانوني وإجرائي يتطلب موافقة السودان الذي لم يشارك في القمة، وبذلك تنتفي الصفة القانونية والإجرائية لهذا المشروع.
وأضاف أن قمة إيغاد عمدت لمناقشة قضايا تفصيلية، كان الأجدر أن تتأجل إلى المفاوضات وبحضور الطرف المعني وهو السودان.
ورأى أن الظروف التي انعقدت فيها القمة لم تكن مواتية وسط اعتراضات من الخرطوم على رئيس اللجنة الرباعية وعدم تقبل السودان تصريحات الرئيسين الكيني والأثيوبي.
ودعا إلى إعادة تعريف الأزمة السودانية، والأطراف المتصارعة بصورة واضحة، مشيراً إلى أن القوات المسلحة هي الجيش السوداني المعروف أما الدعم السريع وبعد استعانته بالأجانب فأصبح قوة متمردة تقود غزواً أجنبياً على دولة السودان.
وأشار إلى أن الانتهاكات التي تمت ضد المواطنين بواسطة قوات الدعم السريع، أشبه بالإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، ما يحتم تعريف هذه المجموعات المسلحة بشكل صحيح وهو ما اعتبره المدخل السليم لأي وساطة ناجحة للإيغاد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية