الخرطوم ـ «القدس العربي»: أبدى الجيش السوداني، الأحد، انفتاحه على أي مبادرة جادة لإيقاف الحرب المندلعة في البلاد منذ منتصف إبريل/ نيسان الماضي، مشيرا إلى تقدم في المبادرة السعودية ـ الأمريكية، في وقت أعلن زعيم قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» عن تكوين لجنة اتصالات لمناقشة الحلول اللازمة لإنهاء الأزمة مع القوى المدنية والسياسية والحركات المسلحة.
وتأتي التصريحات الأخيرة للجانبين، في ظل تحركات دولية واسعة، ومبادرات لإنهاء النزاع في السودان، بينما تتحدث واشنطن عن خطة جديدة لدفع المباحثات بمشاركة أطراف مدنية.
وأجرى رئيس المجلس السيادي، عبد الفتاح البرهان، أول اتصال مع الرئيس الكيني، وليم روتو، بعد توتر العلاقات بين الجانبين، واتهام الحكومة السودانية للأخير بـ«الانحياز إلى الدعم السريع وعدم الحياد بشأن الصراع الدائر في البلاد».
وحسب المجلس «البرهان بين لنظيره الكيني أسباب تحفظ السودان على رئاسة كينيا للجنة الرباعية المنبثقة من إيغاد لحل الأزمة السودانية».
شروط
وأكد «استعداد الحكومة السودانية لوقف إطلاق النار متى ما استجاب المتمردون (في إشارة إلى قوات الدعم السريع)» مشترطا قيام تلك القوات بـ«إخلاء مساكن المواطنين ومراكز خدمات المياه والكهرباء والطاقة والمستشفيات والأعيان المدنية والمقرات الحكومية من قبل متمردي الدعم السريع».
وأوضح أسباب رفضه لمخرجات الاجتماعات التي عقدتها اللجنة الرباعية برئاسة كينيا، الإثنين الماضي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، مشددا على سيادة السودان على أراضيه ورفضه إدخال قوات شرق أفريقيا (إيساف) دون موافقة حكومة السودان.
وقال إن «الدعم السريع كان مكونا ضمن القوات المسلحة وتمرد عليها» متهما إياه بـ«تدمير البنية التحتية للبلاد وقتل ونهب وتهجير المواطنين واحتلال منازلهم واغتصاب النساء وتدمير مراكز الخدمات واحتلالها وتخريبها».
وزاد «قوات الدعم قتلت وهجّرت المواطنين في مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور في أبشع صور لجرائم الحرب».
كما شكر الرئيس الكيني على اتصاله واطمئنانه على الأوضاع في السودان، حسب بيان المجلس السيادي.
أما الرئيس الكيني، فشدد في بيان على «أهمية منبر جدة للتفاوض، والتحركات التي تقوم بها الوساطة الأمريكية السعودية لتسهيل المباحثات» مشيرا إلى «ضرورة العمل المشترك بين إيغاد ومنبر جدة لتسهيل تحقيق وقف دائم لإطلاق النار في السودان».
ودعا الوساطة الأمريكية السعودية لـ«الضغط من أجل حرية حركة المساعدات الإنسانية وحماية اللاجئين وإعادة تنشيط العملية السياسية».
وفي 3 يونيو/ حزيران الماضي، أعلنت الوساطة الأمريكية السعودية تعليق مباحثات غير مباشرة بين الجيش وقوات «الدعم السريع» في مدينة جدة بسبب عدم التزام الجانبين باتفاقات وقف إطلاق النار وحماية المدنيين، إلا أن مساعدة وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية لي مولي، أشارت في لقاء مع رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك، الأسبوع الماضي، في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، إلى خطة جديدة لحل الأزمة السودانية، بمشاركة المدنيين.
وفي السياق، قال عضو المجلس السيادي، نائب القائد العام للجيش السوداني، شمس الدين كباشي، في مقابلة تلفزيونية، إن «الجيش منفتح على أي مبادرة جادة لوقف الحرب في إطار المحافظة على السيادة الوطنية ومؤسسات الدولة» مشيرا إلى أن «المبادرة الأمريكية السعودية متقدمة، وأن موقف المجلس السيادي يدعم الحوار السياسي الموسع والشامل».
«حميدتي» يشكل لجنة اتصالات للتباحث مع القوى المدنية والسياسية والحركات المسلحة
وأشار إلى «ضرورة أن يفضي الحوار السياسي إلى تشكيل حكومة مدنية تقود المرحلة الانتقالية وتهيىء لانتخابات حرة ونزيهة».
ولفت إلى أن السودان يحتاج إلى جهود وطنية ومساندة خارجية لإعمار ما دمرته الحرب، وأن القوات المسلحة تقوم بواجبها الدستوري، مشيرا إلى أن البلاد تواجه مؤامرات كبيرة.
إلى ذلك، أصدر «حميدتي» قراراً بتشكيل لجنة اتصال مع القوى السياسية والمجتمعية والمسلحة، برئاسة مستشاره السياسي يوسف عزت وعضوية كل من لنا مهدي وبلة محمد وفاطمة علي.
وقال إن الحوار يمثل ضرورة أساسية للتوصل لحل سياسي شامل، نظراً إلى التطورات التي تشهدها البلاد بسبب الحرب، مؤكدا أن إنهاءها يقتضي إجراء مشاورات واسعة النطاق بُغية معالجة جذور الأزمة الوطنية المتراكمة.
وحسب القرار، تتمثل مهام لجنة الاتصال في عقد مشاورات واسعة بشأن الأزمة السودانية المستمرة والحرب الراهنة والسبيل الأمثل للوصول لحل شامل يعالج الأزمة من جذورها بمشاركة جميع القوى السياسية والشبابية والمجتمعية.
فيما منح اللجنة حق الاستعانة بمن تراه مناسبا في الصدد.
تحركات إقليمية
وتسارعت مؤخرا التحركات الإقليمية لاحتواء الأزمة في السودان، وسط قلق من امتداد تداعياتها الى الإقليم، والتي كانت آخرها قمة دول جوار السودان، التي انعقدت الخميس في القاهرة.
وأكدت مخرجات قمة القاهرة على الاحترام الكامل لسيادة ووحدة السودان وسلامة أراضيه، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، والتعامل مع النزاع القائم باعتباره شأناً داخلياً، مشددة على أهمية عدم تدخل أي أطراف خارجية في الأزمة بما يعيق جهود احتوائها ويطيل من أمدها.
وأشارت إلى أهمية الحفاظ على الدولة السودانية ومقدراتها ومؤسساتها، ومنع تفككها وانتشار عوامل الفوضى بما في ذلك الإرهاب والجريمة المنظمة في محيطها، لافتة إلى التداعيات بالغة الخطورة على أمن واستقرار دول الجوار والمنطقة.
والإثنين الماضي، انعقد اجتماع اللجنة الرباعية لحل الأزمة السودانية المنبثقة عن لإيغاد، والذي شهد مشاركة دولية واسعة.
وحضر الاجتماع فضلا عن رؤساء وممثلي قادة اللجنة ممثلون عن الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، والوساطة السعودية الأمريكية، فضلا عن المملكة المتحدة ومصر والإمارات. بالمقابل رفض ممثلو الجيش المشاركة احتجاجا على رئاسة كينيا للجنة «إيغاد» المعنية بحل الأزمة السودانية.
وأكد البيان الختامي لاجتماع اللجنة الرباعية لإيغاد، على عدم وجود حل عسكري للصراع في السودان، مشيرا إلى ضرورة حشد وتركيز جهود جميع أصحاب المصلحة لعقد لقاء وجهاً لوجه بين قادة الأطراف المتحاربة
وحث بشدة الأطراف على وقف العنف على الفور والتوقيع غير المشروط على وقف إطلاق نار إلى أجل غير مسمى من خلال اتفاق لوقف الأعمال العدائية، مدعوم بآلية فعالة للإنفاذ والرصد.
ودعا إلى عقد قمة للقوة الاحتياطية لشرق أفريقيا (ايساف) من أجل النظر في إمكانية نشر قوة لحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية في السودان، الأمر الذي رفضه الجيش، محذرا من أنه سيعتبر أي قوة تدخل أراضيه قوة معادية.
ورأى أستاذ العلوم السياسية في جامعة النيلين، مصعب محمد علي في حديثه لـ«القدس العربي» أن التطورات الأخيرة في الأزمة السودانية تأتي في إطار نتائج قمة دول جوار السودان التي انعقدت في القاهرة حيث أبدت الأطراف الترحيب بها، مشيرا إلى تصريحات قائد الجيش ونائبه بخصوص الانفتاح على المبادرات وقرار «حميدتي» بتشكيل لجنة للاتصال للتشاور حول الأزمة، فضلا عن المكالمة بين رئيس مجلس السيادة والرئيس الكيني التي أبدى خلالها استعداده لوقف إطلاق النار.
واعتبر التطورات الأخيرة مؤشرا على رغبة الأطراف في تحقيق تفاوض متصل بعملية سياسية، وأن ذلك أمر لا بد منه بعد مرور أكثر من 90 يوماً على اندلاع الحرب في السودان.
وتوقع أن تصل الأطراف بناء على هذه المؤشرات، لاتفاق وقف إطلاق نار دائم، مع الاتفاق على شروطه، بالإضافة لتحديد عملية سياسية نتيجة لهذا التفاوض، مرجحا أن كل هذا سينعش منبر جدة وصولاً إلى الشروع في بحث إمكانية التوافق على اتفاق سلام بين الجيش والدعم السريع.