تلعب الثقافة، في الدول المتقدمة، دورا رئيسيا في التنمية، بحيث إن المسؤولين في الدولة، يضعونها ضمن أولوياتهم السياسية، وفي صلب مخططاتهم الاستراتيجية على الصعيد التنموي، بل إن المواطنين أنفسهم، ينظرون إلى الثقافة بعين متفائلة وإيجابية، الشيء الذي يجعل الرأسمال الثقافي/ الرمزي عندهم، رافعة للتحضر والتطور. وهذا مؤشر حقيقي على أن الثقافة بإمكانها أن تشكل قطب الرحى للتنمية المستدامة، في الدول التي ما زالت تبحث عن نفسها. وسأعطي مثالا على ذلك بحلاق «الفنان بيكاسو» الذي أهداه هذا الأخير، مجموعة من اللوحات الشهيرة نظير الصداقة التي كانت تربطهما. فبعد أن وصل خبر وفاة بيكاسو، إلى تجار اللوحات التشكيلية، طلب بعض الألمان واليابانيين من الحلاق شراء هذه اللوحات، مقابل مبالغ مغرية تسيل اللعاب، خصوصا أن صاحبنا كان يعيش حياة الفقر والعوز، إلا أن رده كان صادما، منتصرا بذلك لقريته الفقيرة «بويتراغو» في جنوب إسبانيا، حيث طلب من مسؤوليها إنشاء متحف يضم لوحات الفنان بيكاسو، الذي سيغير من واقع هذه القرية البائس، شريطة أن لا يكون المتحف مجرَّد مكان جامدٍ للعرض، بل أَن يتحول إلى خليَّة ثقافية متحركة ودينامية، منذ تلك اللحظة والقرية تعرف رواجا سياحيا لا مثيل له، ما جعلها تعيش حركة اقتصادية كبيرة.
يحصل هذا في الدول المتحضرة كما تبين؛ أما الدول التي ما تزال تنظر إلى العلاقة بين الثقافة والتنمية بعين الشك، فإنها في الحق، لا تراهن إلا على تنمية معطوبة كذاك الرجل الذي سقط على الأرض، ولما سُئل ابنُه عن سبب سقوطه، أجابهم بأنه خرج من الخيمة مائلا. وهذا هو الفرق بين من يفكر بعقله، ومن يفكر برجله، لذلك ارتأيت أن أخصص هذا المقال، لإبداء بعض الملاحظات، بخصوص إمكانية تصحيح العلاقة بين الثقافة والتنمية، خصوصا في القرى والجبال النائية، من خلال مثال واضح في المغرب، يتعلق الأمر بالمهرجان الثقافي «فيستي باز»، الذي أصبح له حضور بارز في الساحة الثقافية المغربية والدولية.
فيستي باز: من المحلية إلى العالمية
يعتبر مهرجان فيستي باز الذي تأسس عام 2001، والذي تم تسجيله سنة 2018من طرف وزارة الثقافة المغربية، تراثا وطنيا لاماديا، الفريد من نوعه في المغرب، لما يتميز به من نكهة خاصة وطرافة نادرة، إذ إنه يحتفي كل سنة بالحمار بوصفه حيوانا منزليا خدوما. وهو مهرجان سنوي ينظم في قصبة بني عمار في إقليم مكناس تحت إشراف «جمعية إقلاع للتنمية المتكاملة»، وبدعم من عدة جهات، من بينها وزارة الثقافة والاتصال، ومسرح محمد الخامس، وجمعية الرفق بالحيوان والمحافظة على البيئة، وجهات أخرى. والشيء اللافت في هذا المهرجان، هو احتفاؤه بالحمار، كما أسلفت، من خلال كرنفال للحمير أصبح كنار على علم، إذ تتهافت عليه مجموعة من القنوات التلفزيونية العربية والدولية، خصوصا، بعد أن فاز بالجائزة العالمية الخاصة بالخيول من طرف إحدى الجمعيات السويسرية، في دورتها الثانية 2014. إن الحمار كما جاء في ديباجة إحدى الدورات، أسدى وما يزال خدمات جليلة للإنسان، خصوصا في هذه المنطقة، حيث إنه أسهم بشكل كبير في بناء هذه القصبة الجبلية وتنميتها على جميع الأصعدة، لذلك فإن الهدف من هذا المهرجان، كان أولا هو إعادة الاعتبار لهذا الحيوان، عبر تصحيح العلاقة بينه وبين الإنسان، وكذا إعادة تصحيح الصورة المشوهة التي رسمها الإنسان في مخيلته عن هذا المخلوق؛ وهي صورة، على كل حال، ضاجة بكثير من الازدراء والتطير والاحتقار والإهانة، وثانيا رغبة القيمين على هذا المهرجان، في جعل قصبة بني عمار في قلب الصناعة الثقافية المادية واللامادية في المغرب، بما يعود بالنفع على ساكنة هذه المنطقة المهمشة، إن على المستوى الاقتصادي، أو البنيات التحتية، أو الخدمات في شتى صنوفها من جهة، ومن جهة أخرى جعل القصبة قبلة للفنانين والمثقفين العالميين. ولعل حضور الفنان العالمي مارسيل خليفة ضيف شر، في دورة أغسطس/آب المقبل خير دليل على ذلك.
قصبة بني عمار بين الماضي والحاضر
تعد قصبة بني عمار، الفضاء الذي ينظم فيه هذا المهرجان، من أقدم القرى المغربية، وهي تبعد بحوالي 40 كيلومترا عن مدينة مكناس. تاريخها حافل بالبطولات والملاحم في مواجهة الاستعمار الفرنسي، حيث انضمت مبكرا إلى مقاومة الاستعمار الفرنسي؛ لدرجة أنها تصدرت أخبار مقاومة ساكنة المنطقة آنذاك، صفحات الجرائد الفرنسية كما جاء في حوار مع إدريس الكريني، أحد أبناء هذه القصبة، في جريدة هيسبريس المغربية.
إن تاريخ القصبة الحافل بالإنجازات والانتصارات، لا ينطبق تماما على حاضرها. فوضعها الآن، كما لا يخفى على أحد، لا يسر العدو ولا الصديق، سواء أكان من ساكنة القرية أو من الزائرين، على قلتهم، لما تعيشه من إقصاء وتهميش، والرهان الأوحد، في نظر شباب ومثقفي هذه القرية، من أجل بعث ماضي القرية، هو المجال الثقافي بشكل رئيس، إذ لا محيد عنه كما يصرحون، من أجل النهوض بقريتهم وتنميتها وكذا الاستجابة لحاجياتها، خصوصا أنها تفتقر لأبسط الإمكانات التنموية، كالطريق الرديء الرابط بينها وبين أقرب الحواضر إليها، والغياب التام لفرص الشغل بما يجعل الحياة مستحيلة بالنسبة للشباب داخل القرية، الشيء الذي جعلها تعيش هجرة جماعية خطيرة نحو المدن، بحثا عن حياة أفضل، أمام أعين الجهات المسؤولة، التي لا تحرك ساكنا. وهنا أتساءل، ونحن نقترب من (الدورة الثالثة عشرة (أغسطس المقبل؛ هل بإمكان الثقافة أن تصلح ما أفسدته سياسات التهميش واللا مبالاة في هذه القرية؟ وما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه الثقافة من أجل الاستثمار في ما هو رمزي لفائدة تنمية شاملة ومستدامة؟
3 ـ القصبة والوضع الثقافي
يُعرِّف علماء الاجتماع الثقافة بكونها تشكل نمط الحياة الذي تعتمده مجموعة من الأشخاص، وتشمل الدين والمعتقدات والقيم والعادات والتقاليد والأعراف والطعام واللباس والفنون وطرائق التفكير وغيرها. وبالعودة إلى المجتمع العماري، فإنه لا يمكن للعين أن تخطئ التميز الثقافي الذي طبع سكان القصبة على مدار سنين طويلة، بسبب مجموعة من العوامل التي جعلت منها، في فترة من الفترات، منطقة جذب، تفاعلت فيها روافد ثقافية متعددة. ولعل الآثار المادية واللامادية، التي تظهر للعيان، خير دليل على ذلك. فالقصبة تزخر بمنازل تقليدية، وأسوار شامخة وحصينة، وأبواب عتيقة، وموروث شعبي شفهي غني، ودارجة مغربية أصيلة، وأشكال موسيقية تراثية عديدة كعيساوة واحمادشة وهل توات، وحرف تقليدية محلية وغيرها، ما يجعلنا أمام ماض قوي وجد متطورا ومتحضرا، شجع السكان آنئذ على الاستقرار في المنطقة. لكن حاضرها الآن أصبح راشحا بالبؤس الشديد، لكونها تفتقر لأبسط وسائل العيش، كالبنيات الصحية (مستشفى وسيارة الإسعاف) والمدارس (الإعدادية والثانوية) ودار للشباب وهلم جرا.
فيستي باز رافعة ثقافية للتنمية
مما لا شك فيه أن للمهرجانات الثقافية، دورا كبيرا في التنمية الشاملة، إذ تمثل، كما يقول أحدهم «رئة التنمية وأوكسجين تنفسها»، لكونها «فضاءات لتحقيق الذات، وإبراز المواهب، وتفريغ الاحتقان، وتوجيه الطاقات، ولقاء الخبرات والجماهير». والحق إن فيستي باز كنشاط ثقافي موسمي، من شأنه أن يسهم بشكل مباشر وغير مباشر في تنمية هذه المنطقة الجبلية المهمشة بشكل أوسع، من خلال خلق حركية اقتصادية تجارية مدرة للدخل في المنطقة، ولو موسميا. لذا فالجهة المنظمة لهذه التظاهرة، تسعى جاهدة إلى خلق دينامية سياحية اقتصادية في المنطقة، دينامية لها ارتباط كبير بطقوس وعادات فلاحية، تبدأ من بداية الموسم الفلاحي حتى موسم الحصاد. لا أقول هذا من فراغ، فقد كان لي شرف حضور الجمع العام التحضيري لهذه الجمعية، بحكم علاقة الصداقة التي تجمعني بمدير ومهندس هذا المهرجان الإعلامي والشاعر محمد بلمو، ما جعلني على علم بالسياق الذي جاء فيه المهرجان، وكذا الأهداف المتوخاة منه. والأكيد أن تنظيم هذه التظاهرة الثقافية، وبشكل منتظم وسنوي، ستجعل منها، وهذا هو المعول عليه، رافعة أساسية لتحقيق التنمية السوسيو-اقتصادية، من خلال إسهامها في الترويج لبعض الصناعات والحرف التقليدية المحلية، وكذا إنعاش الحركة السياحية الداخلية التي تجذب السياح والزوار، خصوصا عشاق السياحة الجبلية، التي لم تستثمر لحد الآن.
معيقات واقتراحات
ولئن كان طموح مسيري ومنخرطي هذه الجمعية، طموحا كبيرا، إلا أنه في الطريق الكثير من العراقيل والمعيقات التي ينبغي التفكير فيها بمسؤولية. لعل من أهمها:
– ضعف الدعم الذي تقدمه وزارة الثقافة المغربية، بل أحيانا ترفع يدها عما ينبغي أن تقوم به من دعم، دون تبرير أو تعليل.
– عدم إدراج هذا المهرجان ضمن أجندة مجلس الجماعة القروية (بني عمار ونزالتها)، ما يجعل النار تحرق كِيرها.
– عدم استثمار الدولة لهذا المهرجان، وغيره من المهرجانات الشبيهة، من أجل تنشيط دينامية التنمية المستدامة في المناطق القروية.
– عدم إصلاح الطريق الوحيد الرابط بين القصبة ومدينة مولاي إدريس زرهون، الشيء الذي يجعل الوصول إلى القصبة في غاية الصعوبة.
– الهجرة الجماعية للشباب من القصبة بسبب الفقر والهشاشة نحو المدن، بحثا عن مستقبل أفضل.
– ضعف البنيات التحتية، فضلا عن ضعف الولوج إلى الخدمات والبنيات التحتية الاقتصادية والاجتماعية والتربوية. وليس سرا إن قلت إن المسؤولية تتحملها الجهات المسؤولة عن تدبير الشأن المحلي بجماعة «بني عمار ونزالتها»، كما تتحملها، على قدر المساواة أو أكثر، الدولة لكونها تملك السلطة المطلقة في اتخاذ القرارات المناسبة، علما أن النهوض التنموي يحتاج بالإضافة إلى الأنشطة الثقافية، قرارات ومبادرات سياسية جريئة قادرة على إدراج هذا الرأسمال في صلب التنمية الاقتصادية، وإني لأرى في ضرورة الاستعانة بمجموعة من البحوث والدراسات التي اهتمت بالموضوع، ضرورة ملحة، لأنها تتضمن مقترحات وتوصيات مفيدة للغاية، وسأستلهم منها المقترحات التالية، لعلها تجد آذانا صاغية:
– دعم وزارة الثقافة المغربية وباقي المتدخلين، لهذا المهرجان الثقافي، بشكل حقيقي، وعدِّه رافعة لتنمية حقيقية بالمنطقة؛
– تعزيز الشبكة الطرقية بشكل استعجالي، خصوصا الطريق الرئيسي الرابط بين بني عمار ومولاي إدريس زرهون؛
– تعزيز دينامية الاقتصاد القروي بقصبة بني عمار ونواحيها، وكذا وضع تدابير تحفيزية كفيلة بتشجيع إنشاء وحدات لتثمين المنتجات الفلاحيـة فـيها؛ بما يشجع الشباب على الاستقرار بالقصبة، والمساهمة في تنميتها؛
– تشجيع وإدماج العمليات المتعلقة بتنمية السياحة الجبلية، وكذا أنشطة الصناعة التقليدية بها؛
– النهوض بالأنشطة الثقافية والرياضية في القصبة ؛
هذه بعض الملاحظات والمقترحات التي بدت لي ضرورية، في هذه الورقة، بخصوص علاقة الثقافة بالتنمية المستدامة، خصوصا في المناطق الجبلية الأكثر تهميشا، في ضوء موقف عام وشائع ما يزال ينظر إلى الثقافة بكثير من الازدراء، وبكونها مجرد شيء لا طائل منه.
شاعر وناقد مغربي