عبد الفتاح كيليطو
عمى ابن رشد: مرآة
تتمثل إحدى المسرّات التي تتيحها قراءة عبد الفتاح كيليطو في مساعدتنا على الاقتراب على استحياء وبشكل مطرد من بعض المشكلات الأساسية التي تشكل الأدب، في إضاءة مشبعة دائماً بقليل من تأثير بورخيس. وهي مشكلات تتسم دائماً في كونها مفارقات ومعضلات فكرية؛ وهو ما يميزها. ذلك لأن من تهمهم هذه القضية بشكل أصلي يشتغلون في الظلمات والعماء. وهذا ما يقوله كما أعتقد مؤلف كتاب «الليل الهندي» في ما يهم مهنة الكتابة الغريبة. ونسوق على سبيل التمثيل نموذج ابن رشد الذي يخصص فترة الليل للفلسفة بعد أن يفرغ من انشغالاته القضائية في فترة النهار. وفِي سياق تأمله في قصة خورخي لويس بورخيس «البحث عن ابن رشد» يصور عبد الفتاح كيليطو الفيلسوف الشهير وقد تسمر حيال كلمتين من لغة يجهلها وهي اليونانية، في سياق جداله مع الغزالي:
كانت هاتان الكلمتان، هما تراجيديا وكوميديا. وقد سبق له أن صادفهما من قبل في الكتاب الثالث لأرسطو الموسوم «البلاغة». ولَم يكن ثمة في الإسلام من بوسعه الإحاطة بمعانيها. كان من المستحيل تجاهلهما بحكم الورود الوفير والمتعدد لهما.
يقوم عبد الفتاح كيليطو بتقويم وتصحيح الإحالات العربية لبورخيس ويعترف لأبي بشر مطاع بأسبقيته في ترجمة شعرية أرسطو بالاستناد إلى نسخة سريانية كانت فيها معاني كلمتي مديح وهجاء مناسبتين لما كان يروم إليه أرسطو. وقد أسهم هذا الفهم الخاطئ في حرمان الثقافة العربية وعلى امتداد تسعة قرون من تحقيق الوصل الممكن بالمسرح. بيد أن سخرية بورخيس شاءت أن يفلح ابن رشد بطل قصته في العثور ذلك اليوم على ما كان يبحث عنه ودون سابق علم أو إرادة منه. كان يتطلع من خلال نافذة مكتبه حين رأى صبية يلعبون. كان أحدهم يلعب دور المنارة وقد حمل فوق كتفيه طفلا آخر كان يلعب دور الإمام، فيما كان الطفل الثالث الذي كان في وضع السجود يلعب دور المصلين. وفِي المساء استمع إلى أحد المسافرين وهو يروي مشاهد تسلية لهو عجيبة لصينيين يشخصون قصصا وحكايات في ساحات عمومية، عوض الاكتفاء باسناد روايتها كما هو طبيعي لراو واحد. لكن ألا ينطبق ما سبق ذكره على كل الثقافات؟ إذا كان عبد الفتاح كيليطو قد صور ابن رشد في كتابه السابق الموسوم «لسان آدم» الصادر في الدار البيضاء عام 1999 وهو نهب للخطأ على امتداد كتابه وقد زج بنفسه في متاهة لا منفذ منها بتأثير سقوطه في غواية فهم الأدب اليوناني، بالاستناد إلى الأدب العربي، فإن الفيلسوف الأندلسي العجوز، قدّم بهذا الصنيع صورة عاكسة للطريقة التي توهمت وفقها الثقافة الغربية منذ غالان قدرتها على فهم الثقافة العربية. يتعلق الأمر بداهة بتمثيل دال في النهاية لعدم قابلية أي لغة والأدب الذي يتمخض عنها للاختزال.
الكتاب داخل الكتاب: كليلة ودمنة
كل ترجمة هي نوع من الاستكشاف، هذا ما كان يفكر فيه نيتشه. بيد أن فعل الترجمة يعني أيضا أن تستقبل وأن تبدع. لم يكن لافونتين على سبيل التمثيل، أن يكون ما كانه لولا لقاؤه بكليلة ودمنة من خلال كتاب «الأنوار» أو «سلوك الملوك» الصادر في ليدن الهولندية عام 1615 في طبعة مزدوجة باللغتين العربية واللاتينية، قبل أن يترجم في صيغة أوزان شعرية لاتينية عام 1673. وتعتبر هذه الترجمة أحدث تجسيد في ذلك العصر في أوروبا لتاريخ طويل جدا من الترجمات المتعاقبة (تشكل ترجمة غالاند الصادرة عن دار لاكوليت في القرن الثامن عشر حلقة في سلسلة جديدة) وحيث يرتقي الكتاب نفسه بالأصل إلى تعاليم الحكيم بيدبا الذي تفرغ لخدمة ملك الهند دبشليم الذي كان معاصرا إلى حد ما للإسكندر الأكبر. ترجى العودة إلى مقدمة أندري ميكيل لترجمته لكليلة ودمنة من أجل الإحاطة

تمثال ابن رشد
كان الظلم الصارخ الذي صدر عن الملك بيدبا حيال رعاياه محفّزا للحكيم الذي لم يطق فكرة أن يقال عنه يوما إنه قد سكت عن قول الحق. وقد كوفئ بأن تم الزج به في السجن مباشرة. بيد أن شجاعته لم تلبث أن وجدت سبيلها إلى عقل الملك الذي أفرج عنه وطلب منه أن يؤلف كتابا في الحكم قام بتخليد أثريهما. بيد أن بيدبا فضّل التعبير عن تعاليمه بطريقة غير مباشرة على شكل حكايات على لسان الحيوانات، وينصح بالتكتم عليها بدقة وعناية بمجرد أن يحيط الملك علما بدلالتها. وقد لاحظ عبد الفتاح كيليطو في هذا الصدد أن بيدبا باتخاذه لهذا القرار قد حكم على نفسه بأن لا يكون مقروءاً البتة. وهو وجه آخر لتفكيره في الصلات الموجودة بين الأدب والسر الذي ينكشف. كان بيدبا يخشى في الحقيقة سوء استعمال الفرس لتعاليمه بالمعنى الصحيح للكلمة، ذلك لأنهم ما أن أحاطوا علما بوجود الكتاب حتى شرعوا دون توقف في السعي لاقتنائه. وبعود الفضل كله في ذلك إلى حذق ونباهة الطبيب برزويه. وهكذا قام الكتاب بتدوين فعل القبض عليه أقصد ترجمته إلى اللغة الفارسية. ونقول لأنفسنا على حين غرة أن إحدى مفارقات ألف ليلة وليلة أن حكايات شهرزاد وبعض أبطالها يتم نسخها بحروف من ذهب بأمر من السلطان وإيداعها في خزائن السلطان التي تعتبر محرمة على اَي شخص خارج عن دائرة الحكم، كيف حدث إذن أن تم إفشاء السر بفعل حقيقة انتشار وتداول الحكايات؟
وخلافا لألف ليلة وليلة فإن كليلة ودمنة في الترجمة التي أنجزها ابن المقفع قد اعتبرت دائماً نصا مهما من لدن المتأدبين العرب. وهو كتاب يكتب أول مترجميه دون مواربة أنه «حين تتحقق معرفتنا بالكتاب فإننا سوف نغتني بما يكفي بحيث يكون في مقدورنا أن نستغني عن كل ما عداه. ذلك أن ثمة أكثر من قراءة. يردف ابن المقفع قائلا: كليلة ودمنة وإن لم يكن إلا كتابا واحدا يشتمل على كتابين متمايزين. أحدهما جلي ظاهر والآخر مستتر. وتنبني على ذلك قابليته لقراءتين تتوجه أولاهما صوب العقول البسيطة، فيما تخاطب الأخرى الأرواح المفكرة. ينضاف إذن إلى الحجب الفيزيقي للكتاب الذي طالما تمنى بيدبا ترميزه الحرفي وقد اكتست صيغة مجازية في الشكل الأول. النصوص ذات النفع بشكل أصيل غامضة ومعتمة في طريقة كتابتها. وهو لعمري تمثيل مفرط في قدمه للغامض والملغز الذي أرسى ليو ستراوس بعض دعائمها الرئيسية في كتابه «الاضطهاد وفن الكتابة» الصادر عام 2009 عن غاليمار. وهو التمثيل الذي سوف يحاول الفلاسفة الأوروبيون في القرن الثامن عشر انتهاكه في هذه المرحلة التي شهدت انتشارا غير محدود لفكر الأنوار، خارج دائرة المتأدبين، التي يكشف التاريخ السياسي الرهيب للقرن العشرين والقرن الواحد والعشرين الذي بدا لتوه في كل موضع عن بداهتها وحتميتها.
تسعف المقاربة التأملية للأدب التي يجترحها عبد الفتاح كيليطو القارئ على التماس سبيله إلى مملكة الآداب العربية القديمة. ويتحقق لدينا الوعي والحالة هذه بما كنّا نجهله وندخل تحويرا على النزر اليسير الذي كنّا على علم به ونستشرف نوعا من السخرية حيال الذات، لكن أيضا الرغبة في أن نذهب إلى ما هو أبعد. ليس ثمة في هذا العمل سطر لا يوحي بيقينية مشاركة ممكنة. ومهما يكن فالرجل بعد منخرط منذ تاريخ طويل في تاريخنا الثقافي إذا نحن رغبنا في إدراك ذلك. علينا أن نبدأ مجددا من هنا ما دام يدعونا إلى ذلك.