الناس يحتاجون إلى أفق، إلى مكان يمكنهم أن يسيروا إليه ويشعروا باللانهاية؛ سماء، بحر، شاطئ يستمر على طول كيلومترات، وشمس تغيب. اسلبهم ذلك الأفق وسيغيبون في الكرب واليأس. في الدول التي قمعت فيها الديمقراطية وسيطر عليها حكم خلق شرطة سرية، يصبح الكرب واليأس عميقين للغاية.
في كانون الثاني 2011 وصلت إلى القاهرة، لا شرطة في الشوارع، كون الجماهير الذين قمعهم مبارك على مدى عشرات السنين عبروا ذات يوم عن الملل، فبدأوا يتظاهرون، لم تكن مظاهرات على الطعام وغلاء المعيشة، بل على الحرية. الغضب الذي تراكم على مدى عشرات السنين وسلب إياه مبارك، دفع الجماهير للخروج إلى الشوارع.
عندما وصلت إلى ميدان التحرير كان هناك طلاب وطالبات، معلمون، محامون، رجال المهن الحرة. كل من مل العيش تحت الدكتاتورية التي تلاحقك في كل زاوية، وتمص دمك وتوقفك كي تبتزك.
هذا لا يشبه إسرائيل التي يثق في شرطتها معظم المواطنين. هم لا يعتقدون أن الشرطي سيعتقلهم عبثاً، أو يأخذ منهم رشوة.
مصر لم تكن ديمقراطية يوماً ما، ولو للحظة أو لبضعة أسابيع، كان يخيل أنه مع توقف أزمة السير اللانهائية في القاهرة، ومع صفو السماء من دخان ملايين السيارات في المدينة الأكبر في إفريقيا، نجح المتظاهرون في رؤية الأمر المتملص الذي نسميه نحن الحرية: القدرة على قول أمور دون أن يسكتوك، القدرة على أن تفكر وتتخيل مستقبلاً أفضل وأكثر أماناً لهم ولأبنائهم.
هاجمهم الحكم؛ فقد كان يطل عليهم قناصة الليالي ليطلقوا النار في الميدان، واستأجر فقراء بائسين ليلقي عليهم الحجارة. ذات يوم، هاجم فيه راكبو الجمال والخيول الجمهور بالعصي، لكن الجمهور استيقظ، أسقط الجمال والخيول وهرّبهم مكللين بالعار.
محتجو التحرير لم يتظاهروا على مدى ساعتين في منتهى السبت مثلما في “كابلن”؛ فقد شلوا القاهرة ومصر كلها، وتجمعوا في ميدان التحرير وثبتوا على ذلك أسابيع، أما المحلات والمطاعم فوفرت لهم الطعام، لم يعودوا لبيوتهم، لم يرتاحوا. مثلما قالت لي طالبة ابنة 18 كانت تجلس هناك: “لن نترك الميدان إلى أن يرحل!”. دمية مبارك معلقة تدلت من على الميدان، والجيش لم يتدخل – لا مع ولا ضد.
نحن نشبه مصر في قضيتنا. أخذوا منذ ملكنا المادي، ويهددون حريتنا وتحررنا. استقلال محكمتنا وكل ما يحصل لنا. لم أفكر بأننا قد نصل إلى مثل هذه اللحظة التي يأخذون فيها منا كل ذخائر البلاد.
الثورة المصرية فشلت في التحرير؛ إذ لم تكن لهم ديمقراطية قبل ذلك. وعندنا تلعب الديمقراطية في كل تشريع بائس تمرره الحكومة في الكنيست يضيقون حدودها أكثر فأكثر: لكن نعم، كانت لنا ديمقراطية قبل ذلك. الناس الذين ولدوا داخل الحرية لن يتنازلوا عنها ولن يوافقوا بأقل منها.
لكن شياً ما يتفكك عندنا. في المظاهرة الكبرى في مطار بن غوريون الثلاثاء الماضي، روى لي صديق تحدث مع شرطيين من الوحدة الخاصة قالا له إن في الشرطة أناس يريدون أن يتركوا. ثمة صدوع.
مؤشرات البركان التحريري كان يمكن أن نراها في ليل الشعلات في “أيالون”، لعلها المؤشر لما سيأتي. ومع كل الفوارق، فإن التحرير ليس فقط ما كان في مصر: الحرية والتحرر هما هواء التنفس، هما الأفق. ولا معنى للحياة بلا أفق.
تسور شيزاف
يديعوت أحرونوت 20/7/2023