من إضراب نقابة ممثلي الشاشة الأمريكية
انضمّت «نقابة ممثلي الشاشة» الأمريكية SAG-AFTRA في الرابع عشر من شهر تموز/يوليو الحالي إلى إضراب نقابة الكتّاب WGA، المستمر منذ ثلاثة شهور، في ما يعتبر أكبر أزمة في تاريخ صناعة الترفيه الأمريكية منذ عقود طويلة، فبدخول ستة عشر ألف ممثل، من منتسبي النقابة، إلى خط الاحتجاجات، سيعاني المنتجون الكبار في هوليوود ونتفليكس من توقّف شامل لمشاريعهم، ما يُعتبر «ضربة مزدوجة» وجهتها النقابتان المهنيتان لحيتان الصناعة، وسط معركة محتدمة، بين العاملين في المجال الفني وأرباب عملهم، حول الأرباح وحقوق الملكية الفكرية.
يثير إضراب الفنانين هذا كثيراً من الجدال حول مستقبل العمل الفكري والعاطفي عموماً، في زمن تطوّر الذكاء الاصطناعي؛ دعك من تعريف «الملكية» في ما يتعلق بالمنتجات «غير المادية» مثل النصوص والأداءات، بل حتى ملامح أوجه الممثلين وأصواتهم وإيماءاتهم المميزة. إنتاج عمل فني يعني كثيراً من التعاون بين بشر متعددين، وكثيراً من «التراث الثقافي» المشترك بين الناس، ما يجعل تقسيم كل تلك العوامل المتشابكة إلى ملكيات وحقوق ملكية أمراً سخيفاً إلى حد كبير. هل ابتسامة الممثل الفلاني ملكيته الشخصية؟ ماذا إذا ادعى ورثة ممثل أقدم أنه اقتبسها منه؟ بل ماذا إذا استطاع منتج أن يحاكي، بالذكاء الاصطناعي، ابتسامة، هي مزيج من ابتسامات عشرات الممثلين المعروفين والمجهولين في تاريخ الفن؟ الأمر أعقد إذن من التضامن السهل مع العمال الثقافيين، الذين يريدون أن يصبحوا أصحاب «ملكية فكرية» إلا أن هنالك أمراً لافتاً في سياق ذلك الإضراب، وهو أن ممثلي هوليوود ونتفليكس لديهم نقابة، بل ونقابة قوية للغاية، قادرة، عندما تريد، على هزّ الصناعة وتعطيلها.
توقّفت صناعة الترفيه الأمريكية منذ زمن طويل عن تقديم صور لتنظيمات جمعيّة فعّالة، ربما كان العمل الفني الوحيد، الذي فعل هذا في السنوات الأخيرة، فيلم «الرجل الإيرلندي» عام 2019 للمخرج الشهير مارتن سكورسيزي، الذي صوّر الزمن الذي كان فيه سائقو الشاحنات قادرين على إيقاف حركة البلد حرفياً، من خلال معالجة سيرة جيمي هوفا، القائد النقابي الأمريكي المُتهم بالعلاقة مع المافيا. عدا عن هذه المحاولة من مخرج متميّز، نكاد لا نرى في الفن الأمريكي حالياً إلا «الأبطال الخارقين» أفرادا وحيدين وتعيسين، رغم قدراتهم الفائقة. مع دعوة بأن يكتشف كلٌ منّا مكامن قوته الذاتية. كتّاب وممثّلو تلك الأفلام لم يبقوا أفراداً وحيدين وتعيسين، بل لجأوا إلى التنظيمات الجماعية، التي تحدّ من خيارات الفرد (كل منتسبي نقابتي الكتّاب والممثلين ملزمون بالإضراب). هل اكتشف هؤلاء متأخراً، وهم من أهم منتجي الأيديولوجيا المعاصرة، عدم جدوى أحلام التقدّم الفردي و»تطوير الذات»؟ وهل تعيدنا مسائل شديدة الحداثة، مثل الذكاء الاصطناعي، إلى نقاش جدّي لقضايا العمل والملكية؟
عمّال الترفيه
يمكن الحديث عن تناقض أساسي في إضراب الكتّاب والممثلين الأمريكيين: جمهرة من العاملين في قطاع معين تطالب بفردنة منتج جمعي وتراث ثقافي. الأفلام والمسلسلات ليست إلا «تناصاً» مع آلاف الصور والأفكار والنصوص، التي راكمها البشر بشكل جماعي عبر الزمن، وخلقت مفاهيمنا الجمالية وذائقتنا الفنيّة. عندما يتخيّل كاتب شخصية ما، ويؤديها ممثل بأساليب وحركات معيّنة، فهو مدين بالتأكيد لأسلاف فنيين، يمتد تراثهم ربما إلى الرسوم البشرية الأولى على جدران الكهوف. هذا ليس «حقاً» لأحد. وعندما يريد حيتان الصناعة أن يحتكروا التصرّف بتلك الصور والأفكار، بوصفها علامات مسجّلة لشركاتهم العملاقة، يواجههم عمّالهم بالقول: «هذه ملكيتنا، وليست ملكيتكم». لكنّ هذا ليس دقيقاً، فالإبداع لا يتم في غرف مغلقة، لا بد من استديوهات عملاقة، تجمّع الكتّاب في «ورشات كتابة» والممثلين في مواقع تصوير، وتضمن تواصلهم وتفاعلهم، واستفادتهم من كل «الموارد» و»الأصول» الثقافية المتوافرة، ما يمكّنهم من ابتكار وتطوير أساليبهم. مَنْ المالك حقاً لكل تلك المنتجات «غير المادية»؟
الإجابة شديدة الصعوبة، لا يمكن تسوير الأفكار والرموز والعلامات بأسيجة كما يفعل ملاك الأراضي، كما لا يمكن إيداعها في البنوك، فضلاً عن أن قابليتها غير المتناهية للاستنساخ وإعادة العرض تجعل تأثيرها شديد الانتشار، ومتاحاً جداً لـ»السرقة». ومع وجود الذكاء الاصطناعي، الذي يُغذّى بكميات غير محدودة من البيانات، ستغدو معرفة أصل المحاكاة التي ينتجها شبه مستحيلة، إضافة لهذا فليس كتّاب وممثلو هوليوود عمال الترفيه الوحيدين في هذا العالم، فمع تصاعد دور القطاع الخدمي بشكل عام في مختلف الدول، بات لكثير من الأعمال المعاصرة جانب «ترفيهي»: العلاقات العامة، التسويق، السياحة، الإعلام، التصميم، الرعاية، التربية، إلخ. ولا يبدو أنه من الممكن بعد الآن أن نعرف «ملكية» مَن «نسرق» في كل أداءاتنا الترفيهية هذه. لطالما كان العمل الإنساني اجتماعياً، إلا أنه كان من السهل أن يدّعي طرف ما ملكية هذه المادة أو تلك، فيما يصبح الاستيلاء الفردي على منتجات تواصلية أساساً، «موادها» اللغة والعاطفة والفكرة، وكلها مشتركات إنسانية، أمراً معيقاً للإنتاج نفسه. عملنا «اللامادي» تعاوني وجمعي بالضرورة، بل يمكن القول إنه مشاعي. إذا افترضنا انتصار كتّاب وممثلي هوليوود ونتفليكس في معركتهم، ونيلهم حقوق ملكية أكبر في أساليبهم، وعائدات أكثر من إعادة عرضها، فإنهم سيواجهون مشكلة عويصة، وهي أنهم سيفقدون بالتدريج حريتهم الإبداعية، كل كلمة أو صورة أو أداء سيصبح مهدداً بدعوى قضائية حول «الأصل» و»الحق» باستخدامه. تفتيت الملكية الفكرية هذا يبدو أكثر «رجعية» من احتكار شركات كبرى محدودة لها، على الأقل يمكن لاستديوهات أمريكية عريقة ادعاء ملكية أنواع فنية، ورموز مهمة في الثقافة الشعبية، وتمكين بشر كثيرين من العمل في إطارها، فيما ستصاب الثقافة الإنسانية بالجمود والتصحّر، عندما تصبح إقطاعات صغيرة، لمالكين صغار. ربما كانت المشكلة في مفهوم الملكية نفسه، والأجدى أن يعي منتجو الثقافة أنفسهم كما هم فعلاً: «جمهرة» تعتاش على مشاع إبداعي، وأن يناضلوا على هذا الأساس، لا أن يظنوا أنهم بدورهم شركات، صغيرة بالطبع، تسعى لحماية استثماراتها. لكن يبقى السؤال: لماذا لجأ الكتّاب والممثلون إلى النقابة، وأساليب عتيقة مثل الإضراب، بدلاً من أساليب مالكي الشركات الصغيرة، مثل التوجّه إلى القضاء مباشرةً؟
الكتّاب والممثلون «شخصيات طبيعية» بالتعريف القانوني، أفرادٌ وليسوا مؤسسات، يواجهون شركات لديها «شخصيات اعتبارية» كاسحة، يدعمها كثير من المستشارين القانونيين وجماعات الضغط، بل حتى المشرّعين والسياسيين. التعاقد بين الفرد والكيان المؤسسي الضخم ليس متكافئاً بالأصل، ولا يمكن وصفه جديّاً بـ»الحر» لأنه يميل حتماً لمصلحة الطرف الثاني، فما بالك بالمواجهة القانونية والسياسية بين الطرفين.
بحثاً عن «الشخصية»
الكتّاب والممثلون «شخصيات طبيعية» بالتعريف القانوني، أفرادٌ وليسوا مؤسسات، يواجهون شركات لديها «شخصيات اعتبارية» كاسحة، يدعمها كثير من المستشارين القانونيين وجماعات الضغط، بل حتى المشرّعين والسياسيين. التعاقد بين الفرد والكيان المؤسسي الضخم ليس متكافئاً بالأصل، ولا يمكن وصفه جديّاً بـ»الحر» لأنه يميل حتماً لمصلحة الطرف الثاني، فما بالك بالمواجهة القانونية والسياسية بين الطرفين.
اللجوء للنقابة أكسب فناني هوليوود «الشخصية الاعتبارية» وهو الدور التاريخي الأبرز للعمل النقابي من زاوية قانونية، لم يعد الصدام بين ممثل أو كاتب مغمور، وبين شركة لها علامة تجارية، تُقدّر قيمتها بمئات الملايين، بل بين شخصية اعتبارية لنقابة، تمثّل عمل آلاف البشر، ولها علامة وملكية وهيئات قانونية وإعلامية، لكن باسم الجماعة؛ وشركة تكثّف رأسمال أفراد، من مستثمرين ومالكي أسهم وأعضاء مجالس إدارة. لم نسمع بأسماء نجوم أو أبطال خارقين في الإضراب، ليس لأن أغلب الكتّاب والممثلين المشاركين فيه يعدّون من المغمورين، بل لأن «النجم» هنا هو الجماعة. قد ينتصر فرد مميّز على رأسمالي شرير في فيلم هوليوودي كلاسيكي، لكن في العالم الحقيقي يحتاج الفرد، مهما كان «مميّزاً» إلى نقابة أو تنظيم جماعي، أياً كانت أيديولوجية الأفراد المضربين، فقد وعوا الدرس بشكل عملي؛ وتصرّفوا، رغم كل طموحاتهم، كما يتصرّف العمّال.
العمّالية الإجبارية
ربما كان على المضربين الأمريكيين، وغيرهم ممن أجبرتهم الظروف على التحرّك بشكل جماعي، أن يتخلّوا عن أحلام كثيرة غير قابلة للتحقيق، فمعركة الملكية هذه خاسرة سلفاً، ومن العبث أن يظنوا أنهم جميعاً سيصبحون مثل نجوم هوليوود الكبار، ورؤساء مجالس إدارة الشركات الضخمة، مهما طوّروا ذواتهم الفردية. إنهم أقرب في الواقع لسائقي الشاحنات، ومستخدمي مستودعات شركة «أمازون» والعاملين في المطاعم والمقاهي وخدمات التوصيل، وغيرهم ممن نظّموا إضرابات عامة في أمريكا خلال السنوات الأخيرة. «العمّالية» تبدو مصيراً إجبارياً لكثيرين في عصرنا، مهما كانوا «مبدعين». ومن المثير للاهتمام حقاً تأمّل هذا الوضع في السياق الأمريكي: تتصاعد التحركات العمالية والصراع الطبقي في مختلف الميادين والقطاعات والمناطق، إلى أن وصلت إلى بوابات شركة «نتفليكس» ذاتها، حيث بدأ إضراب الممثلين. في الوقت نفسه ما يزال ذلك البلد المُصدّر الأساسي لأفكار الفردانية وتنمية الذات وسياسات الهوية، وكأنّ الأيديولوجيا تسخر من نفسها. قد لا يؤدي كل هذا بالضرورة إلى نشوء يسار أمريكي جديد، لكنه على الأقل يروي لنا قصة أخرى، شديدة الدلالة، عن «طبقة عاملة جديدة». وهي قصة لا يستطيع أحد ادعاء ملكيتها الفكرية.
كاتب سوري