أوروبا مهووسة بموضوع المهاجرين، وهناك رهاب منتشر بين النخبة السياسية وقادة دول القارة من أي مهاجر تطأ قدماه «القلعة» ففي بريطانيا تعهد رئيس الوزراء ووزيرة داخليته بوقف القوارب الصغيرة التي تعبر القنال الإنكليزي قادمة من فرنسا، ومررت حكومته مشروع قانون تحول لقانون يجرد الفارين
من الحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية من أي حق بالبحث عن ملجأ آمن، ويعطي السلطات في البلد حق ترحيل المهاجرين ويجرد النساء والأطفال من الحماية التي يضمنها لهم القانون الدولي.
وشاهدنا في الأيام الماضية الدراما التي افتعلها الرئيس التونسي قيس سعيد على الحدود التونسية-الليبية عندما رمت قواته الأمنية بمئات المهاجرين الأفارقة في منطقة عازلة ليس فيها من الحياة سوى أشجار متناثرة تمنح ظلا متقطعا وبدون ماء وشراب، ثم خرج كعادته ليقول إن بلاده عاملت المهاجرين القادمين من مناطق الصحراء الأفريقية بأحسن ما لدى التونسيين من كرم وسخاء، مع أن الصور كما يقولون لا تكذب والشهادات التي قدمها المهاجرون تقول غير ذلك.
ومنذ شباط/فبراير هناك هستيريا ضد المهاجرين، خلقها الرئيس المنشغل بتفكيك كل مؤسسات الديمقراطية التونسية وسجن الناشطين والمعارضين والصحافيين، حيث اتهم القادمين من مناطق الساحل والصحراء بأنهم يحاولون تغيير الطابع السكاني لتونس التي يبلغ عدد سكانها 12 مليون نسمة. ولم يكد سعيد يطلق اتهاماته حتى تم استهداف الأفارقة الذين يقيمون بطريقة شرعية أو غير شرعية في البلاد، وتم جر عدد منهم من بيوتهم وضربهم، وسط حملات على وسائل التواصل الاجتماعي.
وتلقف دعاة نظرية الاستبدال العظيم في أوروبا تصريحاته وأثنوا عليها، فكلامه لا يختلف عن كلام اليمين المتطرف في فرنسا أو إيطاليا. وفي الصحراء بين تونس وليبيا صرخ مهاجرون وناشدوا المؤسسات الدولية المساعدة حيث اشتكوا من الثعابين والعقارب ومن العطش والجوع، في وقت تبادلت فيه تونس وليبيا الاتهامات. وانتشرت تقارير عن استهداف خفر السواحل التونسي القوارب التي ركب فيها المهاجرون بعدما دفعوا للمهربين كل ما جمعوه من مال أملا في عبور البحر إلى الجانب الآخر من أوروبا.
وفي السنوات القليلة الماضية، تحولت تونس إلى المعبر المفضل للمهاجرين نظرا لقربها من الشواطئ الإيطالية، فهي لا تبعد عن صقلية سوى 130 ميلا، وبسبب زيادة المهاجرين التونسيين أنفسهم الذين يعانون من تدهور الاقتصاد والقيود على الحريات وغياب الأفق والأمل، بسبب اهمال سعيد اقتصاد البلاد وبحثه عن كبش فداء يحمله مشاكل البلاد. فعندما تحرك في عام 2021 لتوطيد سلطته لام البرلمان والقوى التي اتهمها بتلقي الدعم من الخارج، وقام بتعليق البرلمان قبل إغلاقه وتعطيل دستور 2014 وسجن المعارضين الذين انتقدوا مساره، ولكنه وجد في المهاجرين الأفارقة «كبش فداء» رابح حيث سارعت أوروبا المسكونة برهاب المهاجرين إليه تطلب دعمه لمنع أي مهاجر يصل إلى شواطئها.
الطريق الأقصر
ولأن قادة أوروبا ومنذ أزمة المهاجرين بين 2015- 2016 لم يستطيعوا الاتفاق على سياسة موحدة بشأن التعامل مع المهاجرين، فقد تبادلوا الاتهامات ولم يتفقوا على رؤية واضحة تحمي ما يطلقون عليه أوروبا «القلعة» وبدلا من العثور على حل في أروقة بروكسل، مقر الاتحاد الأوروبي، سارعوا بتصدير الأزمة إلى الجانب الآخر من أفريقيا، ففي البداية تعاملت المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان لمنع المهاجرين ووقعت معه اتفاقية بـ 6 مليار يورو، واستخدم اردوغان ورقة المهاجرين للضغط على أوروبا، ثم دعمت أوروبا النظام المصري وتعاونت معه في الموضوع، وقدمت الملايين لليبيا وخفر السواحل هناك، للقيام بنفس المهمة، بل وتفاخر أمير الحرب السوداني، محمد حمدان دقلو، حميدتي بأنه تعاون مع الاتحاد الأوروبي لوقف تدفق المهاجرين من إريتريا وإثيوبيا باتجاه ليبيا عبر السودان.
الطريق إلى تونس
سارع قادة الاتحاد الأوروبي للبحث عن متعهد جديد يمكنهم التعويل عليه، ومن هنا جاءت زيارات رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى تونس، ثم بمرافقة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسلا فوندر لاين ورئيس الوزراء الهولندي مارك روتي الذي انهار تحالفه بسبب الخلاف على الهجرة، وبعد مداولات مع الطرف التونسي، وقعوا في يوم الأحد اتفاقية تتضمن وعودا للبلد في شمال أفريقيا وتقديم مليار يورو (1.12 مليار دولار) على شكل استثمارات ومساعدات مالية وقروض مقابل مساهمة تونس بالحد من المهاجرين ومنعهم من الوصول إلى سواحل أوروبا. ورأى تقرير في موقع شبكة «سي أن أن» (19/7/2023) أن الصفقة ستعزز من موقع سعيد الذي يميل بشكل متزايد نحو الديكتاتورية وقضى السنوات الماضية في تفكيك ديمقراطية بلاده، بعد عقد على الثورة التي أطاحت بديكتاتور ووضعت البلد على مسار التحول الديمقراطي. وهو المسار الذي غنت له أوروبا وبدا واضحا من كلام فوندرلين «منذ 2011 دعم الاتحاد الأوروبي رحلة تونس للديمقراطية» و «هي رحلة طويلة وصعبة أحيانا ولكن هذه العقبات يمكن التغلب عليها».
وأشار التقرير إلى أن الكثير من النواب في البرلمان الأوروبي ومنظمات حقوق الإنسان حذروا من أن أي اتفاق لا يشمل على ضمانات لحماية حقوق الإنسان سيكون بمثابة الموافقة على السياسات المعادية للديمقراطية التي تبناها سعيد. وقالت صوفي إنت فيلد، النائبة الهولندية في البرلمان الأوروبي «باختصار فنحن نتعامل مع ديكتاتور قاس ولا يمكن الوثوق به» و«هذه الصفقة لا تتناسب مع قيمنا ولن تكون فعالة ولم يتم التوصل إليها بطريقة شفافة وديمقراطية». وتكشف مسارعة القادة الأوروبيين لطلب المساعدة من رئيس متقلب، أعلن للقادة أن بلاده لن تكون شرطيا لأحد وأنها ليست شقة مفروشة للبيع والإيجار، عن حالة اليأس التي يعيشها قادة أوروبا ومحاولتهم الحد من الهجرة. وقالت كاميل لي كوز المحللة في معهد سياسات الهجرة ببروكسل «هذا اتفاق مع زعيم يظهر وبشكل متزايد نزعات ديكتاتورية» ولكن انزلاق تونس المستمر نحو الديكتاتورية لم يكن على أجندة زيارة أوروبية مهمة في نهاية الأسبوع الماضي ولم يسمح فيها للصحافيين بتوجيه أية أسئلة، وظهر سعيد مبتسما مع روتي وميلوني وفوندر لاين. وكان حضور رئيس وزراء هولندا مدهشا، لأنه أعلن قبل أيام من رحلته إلى تونس عن مغادرته السياسة بعد انهيار حكومته بسبب السياسة من المهاجرين.
صراخ وقبضات
وقالت مجلة «بوليتكو»(18/7/2021) إن البرلمان الأوروبي أرعد وأزبد لعدم استشارته في اتفاقية المهاجرين مع تونس. وتساءلوا «ألسنا جزءا من فريق أوروبا؟» وهو ما أثار غضبهم عندما صرخوا يوم الثلاثاء وضربوا بقبضاتهم واستجوبوا مسؤولا كبيرا في الاتحاد الأوروبي، وهي مسؤولة الشؤون الداخلية في المفوضية يولفا يوهانسون. وفي مركز غضبهم كان الثلاثي فوندر لين وميلوني وروتي. ورغم أن الاتحاد الأوروبي قدمهم على أنهم «فريق أوروبا» إلا أن صوفي إنت فيلد ردت «لا يوجد هناك فريق أوروبا» و«لا أساس للمعاهدات وهي غامضة وبدون محاسبة» بل وحتى تساءل نواب البرلمان الأوروبي بفحص قانونية الاتفاق. وردت يوهانسون بأنه «اتفاق سياسي» ورفضت الإجابة عن أسئلة شككت بقانونيته. ولكنها أكدت على ضرورة أن يتحدث الأوروبيون بصوت واحد مع بلد ثالث، عوضا عن حديثهم منفردين بشكل يجعلهم ضعافا. إلا أن النواب احتجوا وقالوا إن القادة الثلاثة لم يكن لديهم أي تفويض للتحدث نيابة عن أوروبا. وعبروا عن قلق من قمع سعيد للمعارضة المحلية والمهاجرين من دول الساحل والصحراء. وعبرت مواقفهم عن مخاوف منظمات حقوق الإنسان التي اتهمت الاتحاد الأوروبي باستخدام أموال دافعي الضرائب لتقوية نظام ديكتاتوري.
تصنيع الأزمة
وأظهر النظام التونسي ملامح عدة أنه قام بتصنيع أزمة المهاجرين، سواء من خلال تصريحات سعيد العنصرية إلى الحملات على منصات التواصل الاجتماعي التي استهدفت الأفارقة وأخافت حتى التونسيين من أصول أفريقية، ثم استهداف المهاجرين في موانئ تونس وخاصة صفاقس، إما بتخريبها أو ضرب ركابها، وأخيرا تجميع أعداد منهم ورميهم على المناطق الحدودية الجرداء. وفي هذا السياق قالت صحيفة «نيويورك تايمز»(20/7/2023) إن بعض النقاد يرون في سعيد رهانا سيئا للعب دور شرطي الحدود، وقد يدفع الناس نحو أوروبا بدلا من إعادتهم لتونس. ونقلت عن طارق المجريسي، الزميل في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية قوله إن :»سعيد وما يفعله في البلد هو المحفز الحقيقي للهجرة» مضيفا أن الأوروبيين يفاقمون الوضع ولا يوفرون الحل له. ولم يفعل سعيد أي شيء لتصحيح اقتصاد البلد الذي ينهار حتى قبل غزو روسيا لأوكرانيا الذي زاد من التضخم في العالم. ورفض رزمة مساعدات بقيمة 1.9 مليار دولار من صندوق النقد الدولي لأنها اشتملت على ما أسماها «إملاءات». ونظرا للصورة القاتمة لتونس فإن الكثير من التونسيين وصلوا إلى أوروبا العام الماضي أكثر من أي وقت مضى. وتضيف الصحيفة أن تونس، أصبحت في ظل سعيد محطة العبور الأولى لأوروبا، حسب بيانات الاتحاد الأوروبي التي كشفت عن أن تونس هي أكبر مساهم في خطوط الهجرة الرئيسية لأوروبا، حيث تضاعفت القوارب القادمة منها المتجهة نحو أوروبا. وزادت رحلات العبور بشكل متتابع بعد تصريحات سعيد في شباط/فبراير عن المهاجرين القادمين من دول الساحل والصحراء.
أوروبا أولا
وفي قلب الاتفاق فكرة «أوروبا أولا» وبراغماتية وأن الحد من الهجرة يتقدم أولا وعلى كل شيء. وقال انطونيو تاجاني، وزير خارجية إيطاليا «يجب أن نكون براغماتيين». إلا أن نقاد سعيد يرون في كل شيك يكتبه الاتحاد الأوروبي هو بمثابة تخل عن الديمقراطية الناشئة وتضحية بحقوق الإنسان والقيم مقابل منافع قصيرة الأمد. ولا يختلف موقف الاتحاد الأوروبي عن موقف إدارة بايدن، ففي الوقت الذي طالب فيه نواب مثل السناتور عن كونكيتكت، كريس ميرفي بتخفيض الدعم عن تونس إلا أن الإدارة تخشى من أن يؤدي قطع المعونات عن تونس، لترك الأخيرة عرضة للتأثير الصيني والروسي، وهي لازمة باتت معروفة في السياسة الخارجية الأمريكية. وفي مبررات الاتحاد الأوروبي، على الأقل ما قالته فوندر لين لازمة أخرى هي «محاربة المهربين والمتاجرين بالبشر» وهي نفس اللغة التي وردت في حيثيات تمرير قانون القوارب الصغيرة البريطاني، مع أن الاتحاد الأوروبي وبريطانيا يعرفان أن المهربين قادرين على التكيف ومن يريد الهجرة يبحث عن أي طريق يقوده إلى هدفه.
ولم تمنع كل عقود التعهد الأوروبية من تدفق المهاجرين، وحسب وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة فقد عبر حوالي 100.000 لاجئ البحر المتوسط هذا العام، ووصل معظمهم إلى إيطاليا. وقام الكثيرون منهم بالرحلة الخطيرة على القوارب الصغيرة أو المتهالكة. وحسب الأمم المتحدة، فمنذ عام 2015 اختفى أو مات أكثر من 23.000 شخص. وأصبح موضوع الهجرة محلا للنزاع بين الدول التي تقع على الخط الأول لعبورهم إلى أوروبا مثل إيطاليا وهولندا وتلك الدول التي ترفض استقبال عدد منهم، كهنغاريا وبولندا.
هل ينجح؟
والسؤال هو إن كانت الصفقة ستنجح وتقود إلى نتائج ذات معنى، فالاتفاق يظل غامضا، ففي الشهر الماضي وعدت فوندر لين تونس بمليار يورو على شكل تمويل وقروض، لكن نص الاتفاق لا يذكر الرقم. وقال ماكس غالين، الزميل في كلية دراسات التنمية بجامعة ساسكس «لقد تم نشر الاتفاق بدون أرقام، وهو نص عام وغير محدد، مع أنه يغطي الكثير من الموضوعات، وعادة ما يكون الشيطان في التفاصيل» وحتى يكون الاتحاد قادرا على تحويل الأموال لتونس فعليه الحصول على موافقة كل من البرلمان الأوروبي والمجلس الأوروبي، وهذا وضع شائك، حيث تبنى البرلمان موقفا ناقدا لسعيد، وتبنى قرارا في آذار/مارس حول انحراف سعيد الديكتاتوري والخطاب العنصري ضد المهاجرين من دول الصحراء الأفريقية.
وهناك أسئلة حول تفويض المفوضية الأوروبية، ذلك أن الاتفاق ينص على تسهيل اصدار التأشيرات للتونسيين كي يصلوا إلى أوروبا بطريقة قانونية. ويرى غالين إن غياب الالتزامات في الاتفاق تجعل منه «رمزيا» و«تم تصميمه لإظهار التقدم والإشارة إلى العمل المشترك حول هذه الموضوعات، لأن كل طرف لديه جمهوره المحلي المهتم بالموضوع، وأعتقد انه من المشكوك وغير الواضح عند هذه النقطة حصول نتيجة منه». وعلق غالين أن موقف الاتحاد الأوروبي من انزلاق تونس نحو الإستبداد مثير للقلق، وقال «علينا ألا نقع في المصيدة والنظر لدول المنطقة والقول: حسنا هناك ديكتاتوريات أخرى، وبالتالي فديكتاتورية تونس أقل إثارة للقلق». وقال إن الديمقراطية التونسية لم تكن تامة وكانت هناك محاولة حقيقية لبناء مؤسسات ديمقراطية، وبالمقابل هناك محاولات حقيقية لتدمير ما تم بناؤه وتضييق الخيارات لبلد سكانه أكثر من عشرة ملايين، ولهذا السبب علينا ان نقلق.
يتعلل الاتحاد الأوروبي بأنه قادر عبر التمويل على التحكم بطريقة إدارة برنامج الحد من الهجرة، لكن النقاد يقولون إنه يكرر نفس الخطأ مع تونس، كما فعل مع ليبيا عام 2017 الموثقة انتهاكات خفر السواحل فيها بدقة.
ويظل السؤال قائما هل يمكن لأوروبا العمل مع سعيد؟ يقول النقاد إنه يحاول انقاذ شعبيته المتراجعة من خلال رفض التأثير الأجنبي وجعل المهاجرين كبش فداء. ومرة أخرى يتم الاعتداء على المهاجرين في صفاقس وطردهم من منازلهم، واضطر الكثير منهم التوجه نحو البحر، كما تقول جماعات حقوق الإنسان. ومثل سعيد تستخدم أوروبا المهاجرين كبش فداء لمنع اليمين المتطرف، مع أن صعوده ليس مرتبطا بغزو القوارب كما يقول روجر بويز في «التايمز» (18/7/2023) بل بسياسات محلية، فصعود حزب فوكس الإسباني لا علاقة له بالهجرة التي تبدو في مناطق أخرى من أوروبا تهديدا وجوديا، بل وبسياسات مثل فرض الرسوم على تصميم البيوت لتناسب مع التغيرات المناخية، أو الغرامات ضد الدول التي ترفض الإلتزام بحصتها من المهاجرين، وقال «المهاجرون ليسوا العدو، القوارب الصغيرة هي جزء من تجارة إجرامية ولكنها ليست غزوا».