إذا انطلقنا من الإقرار بتراجع حرية الصحافة والتعبير في تونس الثورة، سواء عبر المتابعات العينية لما يجري داخل البلاد أو من خلال ما تنشره تقارير المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية من تحاليل وأرقام تؤكد انتكاسة جدّ مقلقة لأهم مكاسب أحرزناها بعد كانون الثاني/يناير 2011 فإن هذا الإقرار الموجع يحملنا إلى الريبة والانشغال والتساؤل حول مآل حرية الصحافة والتعبير ووضع الحقوق والحريات بصفة عامة في تونس؟ وأي مصير ينحت من جديد بعد أن خلنا الآفاق فتحت لتأسيس المستقبل الواعد؟ ونحو أي طريق نحن عائدون بعد أن كنا نخطط للتقدم في المسار الديمقراطي؟
إزاء جملة التجاوزات والانتهاكات التي ضربت بعمق حرية الصحافة والتعبير وأخلّت بمبادئ الحقّ في الكلمة الحرّة وحقّ الاختلاف وتعدّد الآراء والحقّ في التظاهر السلمي والنشاط السياسي والتشاركيّة في إدارة دواليب الدولة والارتقاء بمردودية مؤسساتها، نرى أنفسنا اليوم نعود من جديد إلى مربّع اعتقدنا أننا تجاوزناه، ونعاود التفكير في حماية منجزات سجّلها تاريخ تونس وافتخر بها شعب طالما عاش خلال سنوات ما قبل كانون الثاني/يناير 2011 أبشع أشكال التعتيم والتكميم والتضييق.
وعلت أصوات بنات وأبناء هذا الشعب بعد التحرّر والانعتاق وانطلقت العدسات ترصد وتترصّد ونطقت المصادح تُخبر وتحلّل حينا وتطلق العنان حينا آخر للزمجرة والثرثرة وغثيث الكلام، وسالت الأقلام ونشرت المقالات بغثِّها وسمينها، واختلت أحيانا الضوابط ومالت مقاييس التقدير نحو الإسهال الصحافي والفوضى الإعلامية انزلقنا فيها في خضمّ نشوة الفرح بانتصار بالنفس الحرّ.
وسرعان ما استوجبت علينا الحالة والحال وقتها الالتفاف جميعا للحفاظ على هذه الحرية وصونها من كلّ الشوائب ودواعي الارتداد، فكان الدفع نحو التقنين والتشريعات لتنظيم وتعديل مجالات الصّحافة والإعلام والتعبير وكبت جماح التهوّر والتصدّي للإشاعات والأخبار الزائفة وتأمين قواعد وأسس الحرية المسؤولة في احترام الغير ونبذ خطابات العنف والكراهية. جهود انتهت إلى إصدار المرسومين 115 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر و116 الخاص بإحداث هيئة تعديلية للاتصال السمعي والبصري، عزّزهما صدور قانون الحق في النفاذ إلى المعلومة سنة 2016. وتكثفت من جهة أخرى، مساعي إرساء آليات التعديل الذاتي لاحترام قواعد المهنة الصحافية وأخلاقياتها بدءا بإلزام المؤسسات الإعلامية بصياغة مواثيق التحرير ومدوّنات السّلوك وإحداث مراصد خاصة لتقييم الأداء ومتابعة ومراقبة الأخطاء والإخلالات المهنية وإحداث خطة الموفّق الإداري وتوّجت ببعث مجلس للصحافة في ايلول/سبتمبر 2020 وهو هيئة وطنية مستقلة بمثابة محكمة شرف تجمع بين مبادئ حريّة واستقلاليّة الصحافة والتمسك بآليات التعديل الذاتي وتحتكم للمعايير الدولية في مجال الانتصار للحريّة والاستقلالية مع الالتزام بضوابط المهنة وشرفها وأخلاقياتها.
هذه المكاسب والمنجزات الفتيّة التي أفرزتها نضالات حرائر وأحرار تونس ومكنتها من تصدّر البلدان العربية في الترتيب الدولي لحريّة الصحافة، نراها اليوم وبمرارة تتآكل ويتصدّع أداؤها، فتسجل تراجعا كبيرا في الترتيب السنوي لحرية الصحافة، وتخسر صدارة الدول العربيّة لتتقوقع في الترتيب الخامس عربيًا، وتصبح وفق التقرير الدّولي ليوم 03 ايار/مايو2023 في المركز 121 من ضمن 180 دولة بعد أن كانت في المركز 73 سنة 2021.
تجاوزات حقوقية
تراجع جليّ وملحوظ عبّدت له السياقات والتحوّلات الراهنة التي أشّرت وتؤشر لتجاوزات حقوقية وتجاهل لمكتسبات تشريعية رغم إصرار الخطاب الرسمي في نفي التضييق على حريّة الصحافة والتعبير كأن يقول رئيس الدولة أعلى هرم السلطة عشية اليوم العالمي لحرية الصحافة: «من يدعي أنه لا حريّة تعبير في تونس إما عميل أو في غيبوبة فكرية مستمرة».
هذا في ذات الوقت الذي نشهد فيه ارتفاعا في نسق الملاحقات القضائية للصحافيّات والصحافيّين واحتجازات بسبب أعمال صحافيّة، وتواتر الاتهامات والإيقافات التحفظية والإيداعات بالسجون على خلفية تصريحات إعلامية معارضة ومناوئة لمسار 25 تموز/يوليو 2021 طالت رجالات السياسة والقضاء ونشطاء وناشطات المجتمع المدني أو تدوينات على شبكات التواصل الاجتماعي تنتقد أداء السلطات أو أصحاب القرار.
وكأن إصدار المرسوم 54 المتعلّق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال في ايلول/سبتمبر 2022 وما يتضمنه من أحكام زجرية وفضفاضة قابلة للتأويل ليكون خير سند لارتفاع منسوب التضييق على حرية التعبير ونسف الحق في الكلمة الحرّة وتهميش مقتضيات المرسوم 115 لسنة 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر والذي يفترض ان يُنظر بمقتضاه ودون سواه في كلّ قضايا التجاوزات المسجلة في مجالات التعبير والصحافة والنشر. ويأتي هذا المرسوم 54 في وقت كنا نطمح فيه الجلوس إلى الطاولة لتطوير مضامين المرسوم 115 ومراجعة مشروع قانون أُعدّ لتعويضه وشارك في إنجازه خبراء وخبيرات من أهل الاختصاص إلى جانب الهياكل المهنية والمنظمات الحقوقية المعنية.
عودة منظومة الإعلام الحكومي
وفي ملمح آخر لتجاوز التشريعات الضامنة لحريّة الصحافة واستقلاليّة المؤسسات الإعلامية العموميّة والخاصة وخطّها التحريري، وضبابية الرؤيا إزاء الهيئات العمومية المستقلة وعلى رأسها في المجال الإعلامي «الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري (هايكا)» والذي أُحدثت بمقتضى المرسوم 116 لسنة 2011 لتعديل وتنظيم المشهد الإعلامي، علما بأن مشروع قانون أساسي أعدّ منذ سنوات لتعويض المرسوم ولا يزال يراوح مكانه بين قصر الحكومة وقبّة البرلمان لتواجه اليوم إلى جانب إشكال ديمومة تركيزها كرافد من روافد مراقبة الديمقراطية وتحقيق التعدديّة والتنوّع والدفع نحو الالتزام بضوابط المهنة الصحافيّة وشرفها، تواجه اليوم هذه الهيئة التعديلية المستقلة تهميشا وتجاهلا لمقتضيات المرسوم في حدّ ذاته وتعطيلا لأعمالها وصلاحياتها التقريريّة والاستشارية، حيث تراكم الهيئة منذ أشهر رواسب حالة الشغور في خطة الرئيس ممثلها القانوني، لتشلّ سلطتها التقريريّة وتربك أشغالها حدّ تسجيل تجاوزات لسلطتها الاستشارية وآخرها تولّي رئاسة الحكومة وبشكل أحاديّ تسمية رئيستين مديرتين عامّتين على رأس مؤسستي الإذاعة والتلفزة التونسيتين العموميّتين دون الالتزام بالرأي المطابق الوجوبي للهايكا وفق ما يفرضه القانون. وهو مؤشر خطير لضرب القواعد الدنيا لاستقلالية الإعلام العمومي وعودة جليّة وصريحة لمنظومة الإعلام الحكومي المؤتمر بأوامر السلطة التنفيذية.
أمّا عن المجلس النيابي الجديد، ممثل الشعب وراعي التشريع، فكان له نصيب في محاولة ضرب الحقّ في الإعلام والحقّ في النفاذ إلى المعلومة المكفولين بمقتضى الدستور والقوانين النافذة والمعاهدات الدوليّة، حين بادر في أولى جلساته بمنع صحافيي وصحافيات وسائل الإعلام الخاصّة والأجنبية من تغطية الجلسة الافتتاحية ثم فرض بقائهم في أماكن مخصصة لأعمالهم تحت قبة البرلمان دون إعارة أي اعتبار لأهمية دور الإعلام الرقابي ونجاعته في كشف عديد التجاوزات والممارسات بما في ذلك ممارسات مشينة تم تسجيلها في البرلمان السابق.
لا أوّد أن أختم بهذه الصورة القاتمة لواقع أوضاعنا لأنه رغم كل الارتباك السياسي والأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعكر صفو توْقنا لتحقيق الانتقال الديمقراطي فلتونس حرائرها وأحرارها لهم قوة إرادة وطول نفس تكسر الجليد كما كسرته سابقا. وصبرهم بدأ ينفد.