سرديات الحديث النبوي

حجم الخط
28

يقع المتأولون الجدد، عربا وأجانب، في مفارقة عجيبة. فهم يشككون في القرآن الكريم، ويدعون نسبته إلى الرسول (ص). كما أنهم من خلال طعنهم في كتب الحديث يزعمون عدم نسبته إليه. وفي الوقت نفسه تراهم وكأنهم يتحدثون، طورا، عن «قدسية» الرسول، وكيف أن كتب الحديث تتحدث عنه بالسوء، وأنها، تارة، تتعارض مع ما جاء به القرآن الكريم، من جهة أخرى. إنهم في كل هذه الدعاوى يسترجعون التأولات القديمة والعتيقة، والاستشراقية الحديثة والجديدة بحذافيرها، ولا يختلفون إلا بما يقدمونه بألسنة حداد.
يبدو من منطوق هؤلاء المتأولين أنهم ضد الشيوخ والفقهاء الذين لم يجددوا رؤيتهم للحديث باعتمادهم المرويات الحديثة المختلفة، وبدعوى أنهم يسعون إلى قراءة الحديث قراءة نقدية وتصحيحية لما طرأ من تشويه، وإخفاء لـ«الحقائق» خلال كل التاريخ الإسلامي. وبزعم أنهم يقدمون قراءة «جديدة» تعارض كل ما وصلنا عن الحديث النبوي لأنهم يعتمدون العلمية ويسعون إلى كشف الحقائق، وهدم الأساطير. وباطلاعنا على ما يقدمونه نجد جعجعة ولا نرى طحنا. فليس هناك تجديد، ولا إعادة قراءة. إن كل ما يقومون به استنساخ لما ورد قديما، أي منذ بروز الدعوة الإسلامية، واجترار لكل ما مورس من تأولات في التاريخ لأسباب سياسية وطائفية وعرقية. فما الذي يجعلهم اليوم يعاودون البروز ويلوكون ما قيل بلغات قديمة بأساليب جديدة؟
منذ أن بدأ الحديث عن الإرهاب، وبروز الجماعات المتطرفة التي هي الوجه الآخر لهؤلاء المتأولين الذين حاولوا تطبيق الشريعة الإسلامية بكيفية لا تتلاءم مع العصر، بدا أن «الإسلام» هو السبب في ذلك. لقد استهدف الإسلام من خلال الانطلاق من رد فعل المتطرفين على الواقع الذي يعيش فيه المسلمون منذ الاستعمار. لقد أخطأوا في تحليل مشكلة التأخر التاريخي والدور الاستعماري، تماما كما فشل اليساريون، وقبلهم اللبيراليون، والسلفيون المحدثون في فهم العلاقة مع العصر، وفي كيفية حل معضلة ما يعيشه المسلمون في العصر الحديث. فجاءت الدعوة إلى «تجديد الخطاب الديني» من لدن الإعلام العالمي الذي تقوده أمريكا، وصارت الدول الإسلامية تتحدث عن التسامح الديني والحوار بين الأديان. وكانت هذه هي اليافطة التي فتحت المجال للحديث عن القرآن الكريم والحديث النبوي لكل من هب ودب للترويج لأطروحاته السياسية والمغرضة. وصار الإسلام هدفا للهجوم والتنقيص.
إن المتأمل في القرآن الكريم وفي الحديث النبوي يتأكد أن الإسلام جاء ثورة ضد ما كان سائدا. فالمشركون والكفار عارضوا الإسلام لأنهم رأوا فيه خروجا على ما وجدوا عليه آباءهم، لأنهم على آثارهم مقتفون. إن الإسلام دين التجديد والاجتهاد. وكلما توقف أحدهما كان التراجع والنكوص. لقد اجتهد المسلمون في جمع القرآن الكريم والحديث النبوي، وأسسوا لكل منهما علوما، وتطورت هذه العلوم بعد التمحيص والتدقيق وممارسة الاختلاف. ومنذ أن توقفت هذه المجهودات في القرنين السابع والثامن الهجريين اللذين أسميهما عصر «التخزين» الذي ظهرت فيه الموسوعات، توقف البحث وساد الاجترار والتكرار، والتبسيط ولا سيما فيما تعلق بالحديث النبوي. وجاءت سلفية النهضة لتجدد أمور الإسلام، ولم تستمر، ولم تطور. ولم تبق سوى «الشعبوية» الإسلامية التي جسدتها الحركات المتطرفة التي لم تقدم مشروعا تجديديا، ولكنها قامت بما فعله اليساريون: الاكتفاء بالشعارات والرهان على التعاطف الشعبي الذي يعيش أسوأ الظروف الاجتماعية والاقتصادية بسبب التأخر التاريخي والتدخل الاستعماري، من جهة، ومن السياسات التبعية الفاسدة من جهة أخرى.
ليس المشكل الحقيقي في الإسلام ولا في العروبة كما يدعي المتأولون. لقد رأينا في سقوط من يعتبرونه قوميا عروبيا أنه لم ينتج لنا سوى الطائفية والصراع الديني، والحرب الأهلية. مشكل السياسات العربية والإسلامية لا علاقة له بالإسلام. ولمن يدعون العلمية والعقلانية والعلمانية والإصلاح الديني أن يقدموا بديلا حقيقيا للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية. أما الهجوم على الإسلام أو الدفاع عنه فليس الحل. كما أن اجترار المقولات الغربية حول الديمقراطية وحقوق الإنسان ولا سيما مع بروز التطرف اليميني في الغرب الذي صارت ديمقراطيته أسيرة الانتخابات وتعبيرا عن أزمة بنيوية يعيشها الغرب حاليا فلا يمكن أن تتخذ أبدا نموذجا.
إن تجديد الخطاب الديني، من خلال إعادة النظر في القرآن الكريم والحديث النبوي، في زماننا هذا، لا يمكن أن يكون نتاج عمل فردي. إن أي فرد مهما كانت عبقريته، يظل مقيدا بإكراهات تمثله للأشياء، وقدرته على البحث فيها. ولا بد في العمل الجماعي أن يضطلع به أهل الاختصاص المحدد (علوم الحديث)، والذين لهم إمكانيات الانفتاح على اختصاصات أخرى، ولا سيما ما تعلق منها بالعلوم الإنسانية والاجتماعية. ويمكن قول الشيء نفسه عمن يتوجه إلى هذا النوع من البحث من أهل الاختصاصات الأخرى من امتلاك معرفة حقيقية بالتراث الحديثي وبكل ما يتعلق به من منجزات. إنه العمل المؤسسي العلمي الذي ينطلق من السؤال الذي يمكننا الإجابة عنه، ومن إبدال معرفي يحدد منظورا لكيفية القراءة، ولماذا؟ أما من يتحدث عن «العلمية» خارج هذا النطاق فليس عالما، ولكنه مدعي علم لأنه بلا اختصاص ينطلق منه، وبلا قدرة على الانفتاح على اختصاصات أخرى لأنه لا يمتلك عدتها. ولهذا يهيمن المتأولون المدعون في غياب العلماء الحقيقيين. وأرى أن السرديات باعتبارها اختصاصا للخطاب السردي يمكن أن تكون العلم الذي يتأسس على ما تقدمه علوم الحديث، وينفتح على العلوم الأخرى اللسانية، والسيميائية والإنسانية والاجتماعية في معالجة الحديث النبوي.
ترمي سرديات الحديث النبوي، كما أتصورها، إلى الانطلاق من التمييز، من جهة، بين الحديث باعتباره خطابا يتمفصل إلى أنواع كلامية لكل منها خصوصيته ومميزاته التركيبية وبنياته الخاصة. فالسرد النبوي، ليس هو الوصية، أو الرسالة، أو الخطبة، أو الدعاء مثلا. ومن جهة أخرى من النظر إليه بصفته نصا تفاعل مع النص القرآني، ومع الواقع الذي برز فيه، ومع محتوى الرسالة النبوية الموجهة إلى البشرية جمعاء. ومن جماع الخطاب والنص يمكننا استكشاف مميزاته «النبوية» التي تجعله مختلفا عن غيره من النصوص التي أنتجها غيره قديما وحديثا في ضوء كون الرسول (ص) عاش حياتين: حياة تلقي الوحي، وحياة معايشة الناس. ومن خلال هاتين الحياتين تبدو خصوصيته النبوية التي تتجلى في الانتقال من «التلقي» القرآني إلى «الإنتاج» الحديثي (التعلق النصي). إن دراسة «النصية» الحديثية من هذه الناحية تكشف لنا مدى مطابقة الحديث مع مضمون الرسالة، من جهة، ومن تلاؤمه مع الزمن الذي أنتج فيه، وإمكانية مسايرته أزمنة أخرى. تماما كما أن «خطابية» الحديث تمكننا من الوقوف على اتساقه اللغوي، وانسجام بنياته التركيبية وبلاغته الخاصة التي يتميز بها كلام الرسول (ص) عن أي كلام يمكن أن ينسب إليه كذبا وبهتانا.
يتطلب هذا التصور الانطلاق من كل ما أثر عن الرسول (ص)، من حديث، كما وصلنا من المرويات الكبرى (كتب الحديث)، ومن المصنفات الأدبية، ومن الأثر الذي خلفته في النص العربي عموما، بغض النظر عن أقسام الحديث كما فصلت فيها كتب الحديث وعلومه إلى صحيح، وحسن وضعيف وموضوع. يمكننا هذا من الكشف عن الخاصية «النبوية» ليس فقط في بعدها الفيلولوجي، ولكن أيضا، وأساسا، من خلال بنياته النصية، وأنواعه الخطابية، ومجمل العلاقات التي تربط بينها.
*كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية