دعوة إلى السفر

نحن جميعا في حالة سفر دائم، حتى أولئك اللابثون في بيوتهم طوال عمرهم، من الولادة إلى الممات، هؤلاء يمكن وصفهم بأنهم مسافرون في توقّف طويل. ومن يكنْ على سفر يَعِشْ في ربيع دائم، وإحدى خِصال هذه الجنة أنك تسمع كلاما غريبا، خصوصا إذا كان بلغة غير لغتك، فالكلمات فرغت من معناها في بلادك، بسبب دوام الاستعمال، كما أن اللغة لم تُخلق، كما هو معلوم، للتعبير عما في النفس، بل للدوران واللف وتقديم صورة خاطئة 100 في المئة عنها. لأن المشهد يوميّ ومكرور، فإن الأحاديث المستعملة تغدو مكرورة إلى حدّ أن الكلمات تفقد معناها وتصير مجرّد أصوات لا غير، وحال البشر في التفاهم يغدو مثل حال العجماوات. إننا نقول كلّ شيء في خطابنا مع الغير ومع النفس ولا نقصد المعنى الكامل للكلمات، ولا توجد طريقة للشفاء من هذا الفصام غير أن تهاجر إلى بلد قريب أو غريب، من الأفضل أن لا تعرف شيئا عن لغته، كما أن اختلاف اللهجة في اللغة الواحدة يؤدي الدور نفسه، وإن بصورة أقلّ. عليك أن ترتحل إلى أيّ «مكان لا ذكريات لنا فيه، وليس فيه من يعرف أسماءنا» بتعبير ألان دو بوتّون في تحفته الأدبيّة «فن السفر».

سوف تقع في خُلدِك في المكان الجديد أصوات لها معانٍ مجهولة، وكلّ مجهول غامض، وكلّ غامض – حسب رأي آينشتاين – يحمل سرّ جماله، وعلينا اكتشافه. هذا الأسلوب في التعاطي مع اللغة يحتوي على أسلوب في التعاطي مع الحياة كذلك. فعندما تتغيّر اللغة فإن كلّ شيء في محيطنا يصبح مختلفا، كأنّ تغيّرا جذريا حصل في مناخنا النفسي نرى بسببه المكان الذي يفتقد أيّا من أسباب اللمعان مثالا للراحة ومدعاة للبهجة. هل السبب وراء ذلك أن مخيّلتنا تنشط في بعض الظروف، فتقوم بالحذف والتكثيف، فهي تقتطع ما تشاء وتوجّه انتباهنا إلى ما هو جديد في مشهد الحياة، أو ما لم ننتبه له في غمرة ما في حياتنا من تشابكات؟ إن قوانين جديدة تعمل مع تجربة السفر، تختلف كثيرا عن تلك التي تصحبنا مثل الظلّ في حالة السكن الدائم. يقول مارسيل بروست: «الرحلة الحقيقية ليست في أن ترى طبيعة جديدة، بل أن ترى بعينين جديدتين».

عندما تقرّر أن تبدأ الرحلة سيظهر الطريق حتما…
يشعر المرء عند السفر أنه يسير بكلّ بدنه في الشارع، لأن خزانة الوقود في ماكنته امتلأت، بتعبير ماركيز: «أقضي يومين هنا أقضي يومين هناك وأسأل نفسي لماذا جئت إلى هنا؟ لا أعرف بالضبط ماذا كنت أفعل، لكن أعتقد أني حاولت ملء الماكنة التي تعطلت بالوقود». ينام المرء كذلك بكلّ بدنه في محلّه الجديد، ويأكل ويشرب ويقوم بباقي الأفعال. أحد الذين كانوا يعدّون السفر أمرا مقدّسا هو الشاعر الفرنسي شارل بودلير، وكانت تتردّد في يوميّاته شكواه ومعاناته من «ذلك الداء المخيف، الذعر من البيت». كتب قصيدة استعرت من عنوانها اسم هذا المقال، نقرأ فيها:
«كلّ شيء هناك سيكون/نظاما وجمالا وترفا وهدوءا ومتعة/فالأثاث اللامع الذي صقلته السنون/سيزيّن غرفتنا/وأندر الأزهار سيختلط عبيرها بالعنبر/والسقوف المزخرفة والمرايا العميقة والترف الشرقي/كلّ ذلك سيكلّم النفس سرّا/بحلاوة لغة موطنها/كلّ شيء هناك سيكون نظاما وجمالا/وترفا وسكينة وشهوة».
إن المشاهد التي نراها كلّ يوم في مدينتنا تُفقدنا جزءا من كينونتنا، لأن قسما منها صار مخففا بفعل التكرار، وهذا في الحقيقة شكل من أشكال التنويم المغناطيسي، ومن أجل أن تكون ذواتنا كاملة نحتاج إلى أن نستيقظ، وندشّن بيئة جديدة تختلف. ومن كتاب (فن السفر) أقتبسُ وصفَ بوتّون لإقلاع الطائرة: «فيه مسرّة نفسيّة لأن سرعة صعود الطائرة رمز مثالي من رموز التحوّل، فعرض القوة هذا قادر على أن يلهمنا تخيّلَ تحوّلات حاسمة مماثلة في حياتنا. تخيّلْ أننا قد نكون قادرين بدَورنا، ذات يوم، على العلوّ والارتفاع فوق ما هو مخيّمٌ الآن علينا».

لم يكن غير الله يسير مع نبيّنا الأول في القصيدة، وهو يعيد الأخضر من الرماد، وكان البارئ يأخذ بيد مانديلا كذلك عندما قام بالصلح بين الكفّ اليمين في بلده مع الشمال، والقدم اليسرى مع أختها.

انتهى كلام بوتّون، ووجدتُ فيه تجلّيا للحلم السعيد حين يزورنا أحيانا في اليقظة، فتتبدّل به وجهة حياتنا مباشرة، هل مررتم بمثل هذه التجربة، أعني بهذا الحلم الحقيقي الذي تنهض به اليقظة الحقيقيّة، ويتحوّل فيها الحجر إلى وردة أمام أنظارنا فجأة، والخنجر إلى غصن بانٍ؟ قال تعالى: «ونزعنا ما في صدورهم من غِلّ تجري من تحتهم الأنهار» (الأعراف 43) وقال: «ونزعنا ما في صدورهم من غِلّ إخوانا على سُرُرٍ متقابلينَ» (الحجر 47). الحديث هنا عن الحقد الذي تسري ناره في الصدور، ينقلب فجأة إلى ودّ يشبه ما بين أبناء البيت الواحد. إن الذات يمكنها أن تقلع مثل طائرة حمل عسكريّة عملاقة، تحملها الهمّة نفسها، لكن فيها بدل أجهزة وأدوات وعدّة الحرب، أحاسيس ومشاعر وأفكارا تنقذنا في اللحظة المناسبة، وهذه لفتة رحمانيّة يُهديها الله لمن يشاء. يقول الشاعر أنطونيو بورشيا: «أجل، هذا هو الخير: غفران الشرّ. لا يوجد خير آخر».

إن المرء ليس في حاجة إلى أن يكون عبقريّا ليدرك أن جلّ ما تطلبه البلدان التي جرت فيها حروب أهليّة، والعراق أقرب مثال، هو أن يتجهّز الجميع بروح رجل مثل نيلسون مانديلا، عندما رأى بلده وقد تحوّل إلى رماد، وكان يحدّث نفسه، وحاله يشبه حال شاعرنا محمود البريكان في قصيدة أنقلها لكم كاملة:
«إنسَ ما تعرف/ وابدأ كآدم/ يخطو على الأرض التي أخصبتها البراكين»
لم يكن غير الله يسير مع نبيّنا الأول في القصيدة، وهو يعيد الأخضر من الرماد، وكان البارئ يأخذ بيد مانديلا كذلك عندما قام بالصلح بين الكفّ اليمين في بلده مع الشمال، والقدم اليسرى مع أختها. مرّة أخرى مع بورشيا: «أذهب إلى الجنّة عن طيب خاطر، لكن بصحبة جحيمي، أما وحدي، فلا». يُروى عن مانديلا أنه كان يتصفّح الجريدة، وهبّت عاصفة على الطائرة التي كانت تنقلهُ مع أعضاء حزبه، وضجّ الجميع بالدعاء أو بالصراخ من الرعب لأن الجناح الأيمن شبّت فيه النار، وكلّ هذا يجري والرجل ماضٍ في قراءة الصحيفة، إلى أن استقرّت الطائرة بسلام على الأرض. ثم سألوه عن السرّ في تمالك أعصابه، وشبح الموت كان حاضرا بقوّة. لماذا يخشى المنيّة من تحلّى بمعاني العفو عند المقدرة وحماية الضعيف والمظلوم وكفّ الأذى عن الناس؟ إذا كان الإنسان كما قيل روحا إلهيّا قد هوى، ولا يزال يتذكّر السماوات فإن المحامد التي مرّ ذكرها لا تقوم بذاتها فحسب، بل هي تحقيق لهذه الذكرى السماويّة. لم يخشَ مانديلا الموت لأنه لا شيء يثلمه الحتف من ذكرى إله..

انتهت امتحانات الطلبة وحلّت عطلة الصيف، والجميع في البيت يطلبون السفر، فليس هناك أكثر شاعريّة من الارتحال عبر المدن الجديدة. لكن الرياح لا تجري دائما بما يشتهي مؤلف كتاب (فنّ السفر) وتحصل أحيانا أحداث في الرحلة لو مرّ بها المسيو بوتّون لمزّق كتابه، وجمعه من المكتبات وأحرقه، وندم على تفصيله. يروي ابن بطوطة في رحلته إلى أرض البلغار: «والسفر فيها لا يجري إلا في عجلات صغار تجرّها كلاب كبار، فإن تلك المفازة فيها الجليد فلا يثبت قدم الآدميّ ولا حافر الدابّة فيها، والكلاب لها الأظفار فتثبت أقدامها فيها… والدليل بتلك الأرض هو الكلب الذي قد سار فيها مرارا كثيرة، وتربط العجلة إلى عنقه ويقرن معه ثلاثة من الكلاب ويكون هو المقدّم وتتبعه سائر الكلاب بالعربات، فإذا وقف وقفت وهذا الكلب لا يضربه صاحبه ولا ينهره، وإذا حضر الطعام أطعم الكلاب أولا قبل بني آدم، وإلا غضب الكلب وفرّ وترك صاحبه للتلف».
تصوّر لو أن رفيقك في الرحلة كان له شيء من طبع هذا الوحش اللطيف، وعليك أن تداريه طوال الوقت لأنه إذا زعل فإن مصير القافلة الضياع، وهذا يؤدي حتما إلى فشل مشروع السفر برمّته، وضياع الوقت والمال بلا شيء غير حرق الأعصاب. يُنسب إلى عمر بن الخطّاب قوله إن السفر يكشف عن أخلاق الرجال، فهناك من ينقلب فجأة إلى عدوّ في ديار الغربة، وتفسير الأمر أن أسلافه البعيدين كانوا يعيشون مثل الوحوش البريّة، فهو يستعيدهم روحيّا بسبب الوحشة في البلد الغريب. ها هي دماؤهم تستيقظ في عروقه، وعلى حين غرّة يختفي الصفاء من ناظريه، وقد خشن صوته واستطالت أظفاره، وهو يحاول نبش لحمك وعينيك، مع أنك أقرب صديق أو حبيب إليه. لا يستطيب الوحشُ أسباب الرفاه مثل باقي بني البشر، والموسيقى ربما أغضبته ومشاهد الجنة التي تجري من تحتها الأنهار. ليحذر من يسافر معه لأنه سوف يقلب حتما السعادة والحبور والاغتباط والبِشر الذي يغمر الجميع إلى الضدّ.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية