أكبر من أن يقاس بالأزمنة التي ليست لأحد في شعريّة الإيقاع

حجم الخط
0

لا يخفى على الدارسين الذين بحثوا في نظريّة العروض العربي وهوامشها المتنوّعة الجهود المدهشة التي بذلها علماؤنا القدامى. بيد أن تلك الجهود ظلّت متفرِّقة، ولم يحصل بينها حوار نظريّ شامل يتجاوز الصعوبات المنهجية والمعرفية القائمة والمفترضة، فلم تظهر أي نظريّة حاولت أن تُقدّم إطاراً مُوحّداً لدراسة الإيقاع، وتبدأ ممّا توقّفت عنده النظريّة وتفوّقت فيه داخل إطار علم العروض. هكذا، كانت «نظريّة» الإيقاع الوحيدة والمتاحة هي «النظرية القَدَميّة» التي كانت تُقدّم الوزن، وتُقارِبه «زمانيّاً» بوصفه هو الأساس، وليس الإيقاع. وبالتالي، ظلّت أنساق النّظْم مُجرَّد معايير مُتّفق عليها تُنظِّم الوحدات غير الدالّة: التفاعيل، وعدد المقاطع. ومثل هذه الخُطاطة لا تُؤثِّر في ماهية الصوت، ولا المعنى، بحيث إنّ الوزن الشعري نفسه مُستقلٌّ، جوهريّاً، عن المعنى.
إنَّ الإيقاع من أكثر الكلمات التي لها تأثيرٌ سحريّ، ولا يمكن أن يُحدَّد معناها تحديداً كاملاً. لم يأل كثيرٌ من علماء الشعر والجمال والبلاغة منظِّري الخطاب جهداً في تحديد الإيقاع، لكن دون جدوى. كتب الشاعر بول فاليري في أحد دفاتره: «كلمة (إيقاع) هاته لا تبدو لي واضحة، ولم أستعملها البتّة». وبمثل ذلك أوحى أحد أهمّ شعرائنا في العصر الحديث، وهو عبد العزيز المقالح، بقوله: «إنّ قوانين اللاوعي التي نجهل أسرارها تتدخل في صوغ هذا الإيقاع». ومع أنّ هذا «الإيقاع» نُحسّه من الجهات جميعاً: في خفقان القلب، مساقط الماء، دقّات الساعة، تعاقب الليل والنهار، أطوار القمر، عودة الفصول، الرقص على الموسيقى، وأيضاً ـ كما هنا ودائماً ـ في الكتابة وفق تواضعنا على تسميته بـ»الإيقاع الشعري». لكن، هل نتحدّث طبعاً عن الشيء نفسه؟ بالطبع، لا. إنّ الإيقاع ليس لا شيء بالتأكيد، ولا موضوعاً يُراد الإمساك به. السؤال لا يمكن أن يُطْرح هكذا: ما هو الإيقاع؟ بل، بالأحرى: ما الذي ندعوه إيقاعاً؟
في مقالته «مقولة الإيقاع في تعبيرها اللساني»، داخل الإرث الأدبي والفلسفي الإغريقي- اللاتيني الذي انفتح عليه علماء المسلمين في الموسيقى والفلسفة، يعود الفرنسي إميل بنفينيست إلى المعاني المختلفة لكلمة «إيقاع» عند كثيرٍ من المؤلفين الإغريق، من أمثال لوسيب، وديمقريطس، وهيرودوت، وأرسطو، وأخيراً أفلاطون، منتهياً إلى أنّها تدلُّ على «الشكل المميّز، الصورة المتناسبة، التنظيم» كما تعني «الترتيب المتميّز للأشكال داخل الكُلّ» و»الكيفية الخاصة للجريان» أو تُحيل على «شكل الحركة الذي يكتمل فيه الجسد الإنساني وهو يرقص» كما لدى أفلاطون. بيد أنّ هذه المعاني الأوّلية لكلمة (الإيقاع) تظهر أبعد ما تكون عن الاستعمال المعاصر للكلمة نفسها. إنّ ما نقصده، اليوم، بـ «الإيقاع» ليس، في نهاية المحصّلة، إلّا نتاج سلسلةٍ من الامتدادات في حقل من الأنشطة الإنسانية وخواصّ الكائن، والّذي يتّسع أكثر فأكثر. هكذا، كما يُثْبت بنفينيست، «نُسْقط، من جهة النظام الإنساني، الإيقاع على الأشياء والأحداث». والتعميم اللِّساني لاستعمال الكلمة يُعدُّ، هنا، شَرْطاً وليس نتيجة، لوحدة الإيقاع بين الإنسان والطبيعة؛ فاستخدام اللُّغة هو الّذي يَصُوغ وجود تفكيرنا، وليس العكس. والإنسان هو الّذي يُسْقط خطاطات فكره على العالم، وليس العالم الذي يفرض «إيقاعاته» على الإنسان.
داخل نظريّة الإيقاع التي جعلها بنفينيست ممكنةً، يرفع هنري ميشونيك الإيقاع إلى درجة «الدالّ الأكبر» ويعطيه الأسبقيّة بوصفه مبدأً لنسق الخطاب، ليتحرّر من إسار نظريّتي الإيقاع المجرَّد والشكل، ويستعيد عناصر حيويّته وتشكُّله اللانهائي. وفي هذا المستوى من التحليل، نتعرّفُ على ثلاثة أصنافٍ من الإيقاع مشتبكةٍ بالخطاب: الإيقاع اللساني (إيقاع الحديث داخل أيّ لغة، إيقاع الكلمة أو المجموعة، وإيقاع الجملة) والإيقاع البلاغي (المتغيّر وفقاً للأعراف الثقافية، العصور الأسلوبيّة، والسجلّات) ثُمّ الإيقاع الشعري بوصفه تنظيماً للكتابة.
في «نقد الإيقاع» كما في «سياسة الإيقاع، سياسة الذّات»، نذر ميشونيك جهده لبحث مجهول الإيقاع ونقده. فبعد أن بحث حركة الكلام داخل الكتابة وكشف كيف يُحرّر الإيقاع الذات، يسعى إلى أن يجعل من تفكيره في الذّات «سياسةً» للذّات، شارطاً بأنّ ما تحتاج إليه القصيدة هو ذات القصيدة، من ذاتٍ إلى ذات. هذه الذّات النوعيّة ينبغي أن يكون مُفكَّراً فيها باستمرار. وهو يستعيد فكرة هيروقليطس عن الإيقاع، يُبْرز ميشونيك أنّهُ «للمرّة الأولى، منذ أفلاطون، يمكن للإيقاع داخل اللُّغة أن يتجلّى كتنظيمٍ للحركة في الكلام، وتنظيمٍ للخطاب عبر الذات، وللذات عبر خطابها: «ليس ثمّة من صَوْت، ولا من شَكْل، بل الذّات». فلا يوجد تَمفْصلٌ مُزْدوج للغة، إنّما الدوالّ فحسب. وفي فهمه، يرى أنَّ الدالّ يُغيِّر المعنى، بحيث لا يتعارض مع المدلول، وأنّ الخطاب يُنْجز داخل علم الدلالة الإيقاعي والتطريزي – الذي لا يتِمّ بحسب الوحدات المفكَّكة للمعنى – وداخل فيزياء اللُّغة، منتبهاً إلى تماسّ الصوت والجسد في المكتوب.

من قصيدة
التفعيلة
إلى قصيدة النثر:

رغم وفرة الدراسات التي أُنجزت بصدد الإيقاع، وبخاصّةٍ داخل «نظريّات» الشعر العربي قديمه وحديثه، إلّا أنَّ أكثرها وقع سجين العروض ومعاييره الاصطلاحيّة الثابتة، ولم تنفلت بالنتيجة من الخلط بين الإيقاع والوزن. في المقابل، هناك دراساتٌ قدّمت تصوّراتها للإيقاع خارج ما استقرَّ عليه العُرْف النقدي، بعد أن تسلّحت بمناهج في الوصف والتحليل جديدة ومبتكرة، بما في ذلك التي أنجزها محمد شكري عياد، وكمال أبو ديب، ومحمد العياشي، وسيد البحراوي، وحسن الغرفي، وعلوي الهاشمي، ومحمد مفتاح، تمثيلاً لا حصراً.
الإيقاع ليس الوزن، إنّه أشمل من الوزن. لكن، لا يزال الالتباس بين الإيقاع والوزن حاصلاً في أذهان الكثير من الدارسين إلى اليوم، إذ ما فتئوا يعتقدون بأنّ هذا هو ذاك بعينه، وأنّ معناهما واحد. فإذا كان الوزن ظاهرةً صوتيّةً تنشأ من تساوي أجزاء البيت الشعري وتردُّدها على مسافاتٍ أو مقادير موزونة متساوية أو متناسبة في الكمّية، فإنّ الإيقاع يضمُّ النسق الصوتي الذي لا يُخْتزل في الوزن فحسب، وإنّما يشمل القافية والنبر والتنغيم والتكرار وتوازي المقاطع وسوى ذلك من المحسّنات البديعيّة، إلى جانب النسق الدلالي الذي يخصُّ حركة المعنى ودلاليّته التي تُحوّل بنية القصيدة ببعديها الزماني والمكاني، ومجاليها الشفوي والمكتوب. ولهذا، فالوزن ثابتٌ قابلٌ للقياس، فيما الإيقاع مُتعدّد ولا يقبل العدّ ولا القياس. الإيقاع هو كلٌّ، لا إيقاع خارجي وآخر داخلي.
إذا كان الوزن يضع إيقاع البيت داخل البنية، الصّوتية، فإنّ الإيقاع لا يكون إلّا داخل نسق الخطاب، فيكون إيقاع الخطاب تركيباً لكلّ عناصر الخطاب، بما فيه عناصر الإبلاغ الشعري(المقام/ الباثّ/ المتلقّي). هكذا، يمكننا أنْ نستقصي إيقاع قصيدة التفعيلة مثلما النّثْر من مكان شعريّة الإيقاع كتصوُّرٍ إجرائي يفترض اللسانيات والبلاغة وشعرية الخطاب في آن، لأنّ ما من كتابة فجّرت دالّ الإيقاع كهذه القصيدة. فالنّحو، نحو القصيدة، يُشكِّل جزءاً تأسيسيّاً منْ إيقاعها، ومن دلاليّتها. فالإيقاع يظهر غير منْفصل، البتّة، عن التّركيب، والمعنى، والقيمة داخل القصيدة؛ وهو يرتبط بأصغر وحدة (صامتية، مصوّتية، مقطعية، معجمية)، وبأكبر وحدة /وحدات الخطاب المتغيّرة التي تتضمّن وحدة الجملة. وترجع أولويّة الإيقاع، المتجرّد من العروض، إلى الأولوية التجريبية للخطاب على اللسان. وبالتالي، لن تعود الوحدة الإيقاعية في نصّ قصيدة النّثر هي التّفعيلة كما يحصل في أشكال أخْرى من الشعر العربي قديمه وحديثه، بل تصبح الوحدة هي الجملة اللّغوية بوصفها تركيباً دلالياً لا وزْنيّاً، وتتوزّع القصيدة إلى «أبيات» تتحرّك وفْق «حركة المعنى» بما تُشيعه من ضروب وتلوينات بلاغية ودلالية بحسب موقعها في نسق الخِطاب، لا وفْق قوانين وزنية قارّة وقبْليّة.
إنّ الإيقاع أهمُّ داخل نسيج اللغة، مُشْتبكاً بدوالّها جميعاً، إذ هو اللّامتوقَّع الذي يتجاوز القياس، والمتّصل- المنقطع، والجديد داخل المكتوب، كما الحياة. وهو، لذلك، بالغ الأهمّية داخل اللُّغة بدلاً من أنْ يُزجَّ به في العروض، العروض الذي يقيس الأزمنة التي ليست لأحد، لأنّها ليست لا زمن المعنى، ولا زمن الذات.

عبد اللطيف الوراري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية