إن أكبر تحول على مستوى تطور الإنسانية يخطو أولى خطواته، ويتعلق الأمر بتحويل الحضارة الصناعية إلى حضارة للمعرفة والمعلومة. صحيح أن بذور هذا التحول يتم الإحساس بها حاليا بشكل كبير في البلدان الرائدة في مجال التصنيع، تلك الدول التي تولي أهمية استراتيجية للبحث العلمي والتكنولوجيات الدقيقة (المعلوميات ـ التيليماتيك ـ الروبوتيك ـ البيوتكنولوجيا ـ هندسة الوراثة ـ الكيمياء الجزيئية) وتخصص له قرابة 3 ٪ من ناتجها الوطني الخام، غير أن بلدان العالم الثالث اليوم التي ما زالت تضم بين ظهرانيها مليارا من الأميين وتصرف أقل من 3 ٪ من ناتجها الوطني الخام الضعيف على البحث والتنمية، تتحمل هزات هذه الثورة، أي ثورة المعلومة .
إن الهوة في ما بين البلدان المصنعة وتلك السائرة في طريق النمو تقدر اليوم بنسبة 1 إلى 20، ويعتقد أنه من الممكن أن تصل إلى نسبة 1 إلى 50 من الآن وإلى حدود سنة 2000، وذلك بشكل أساسي بفعل التغيرات البنيوية التي تطال النظام الدولي باعتبارها عواقب للتأثيرات السياسية والاقتصادية والسوسيوـ ثقافية للتكنولوجيات الجديدة، وبخاصة تكنولوجيا المعلومة.
إن ثورة المعلومة هاته تضر بشكل لا محيد عنه بمحتوى المفهومين اللذين يشكلان موضوع مناظرتنا هاته، أي «الإمكانيات الاقتصادية والسيادة»، فالإمكانات الاقتصادية لبلد ما لم يعد من الممكن أبدا اختزالها في الشروح التي نجدها في المختصرات والكتب المدرسية المتعلقة بالجغرافيا والاقتصاد السياسي . إن الموارد الطبيعية تظل دوما معطى هاما، لكن ما أضحى أكثر فأكثر حيوية منها هو الموارد البشرية والمعلومة والبحث العلمي، فبدون هذين الأخيرين يستحيل الإعلاء من قيمة الإمكانات الاقتصادية حتى تؤدي إلى تقدم حقيقي، فتنمية بلد ما ليست مشابهة لعملية حرث حقل من القمح، إذ هي تمر أكثر من أي وقت مضى عبر تنمية الإنسان وعبر التحكم الاجتماعي في مبتكراته، وهذا يتلاءم تماما مع أنظمة القيم في المجتمع الإسلامي ومقاصد الإسلام التي تفرد للشخص الإنساني المكانة الأولى والمقام الرفيع.
إن الإمكانيات الاقتصادية لبلد ما هي متمثلة بادىء ذي بدء في الناس الذين يعمرون هذا البلد، ولقد ميز الله الإنسان عن الحيوان والنبات عندما حباه بنظام داخلي للإعلام جد معقد يمكنه من الخلق والتفكير والتطور والانتعاش وإصدار الأحكام، وكل هذا يختزل في نهاية المطاف إلى أن معالجة المعلومات تتطلب عنصرين أساسيين اثنين: المعلومة ذاتها والألغوريتمات التي تعطي بنية ومعنى لهذه المعلومة. إن مصادر المعلومة هي الملاحظة والإدراك والبحث والذاكرة الطبيعية والاصطناعية، أما الألغوريتمات فهي نتاج العقل والتجربة والحدس والإبداع والخيال والإيمان، والكتب المقدسة هي منابع للألغوريتمات بالنسبة للمؤمنين من الناس.
إن التقدم الاقتصادي لم يعد مرهونا اليوم باستغلال الموارد المادية وحدها، لأنه أضحى مرتبطا أكثر بمعالجة المعلومة وبالمعرفة، فهل تواجدت الإمكانيات الاقتصادية لليابان في سنة 1983 مختزنة في أراضيها؟ إن العالم الثالث يضم عددا كبيرا من البلدان الغنية بالموارد الطبيعية، لكنها بلدان فقيرة من حيث المعرفة، وبالتالي فهي بلدان متخلفة. إن لدى إفريقيا من إمكانات اقتصادية هائلة (بالمعنى التقليدي للكلمة)، وذلك بالنظر إلى غنى مواردها الأولية، غير أنها تظل القارة الأكثر فقرا على مستوى البسيطة. وإذا ما ذهبنا أبعد قليلا بالنتائج الاقتصادية والاجتماعية والثقافية اللازمة عن ثورة المعلومة هاته، فإننا سنفهم بسهولة لماذا أضحى محتوى مفهوم السيادة عرضة للتغيرات في أيامنا هاته .
إن النظرية الاقتصادية في أزمة، والتحليل الاقتصادي فقد البوصلة، فبنيات النظرية الاقتصادية العقلية تجد صعوبة في تصور واستيعاب عواقب ثورة المعلومة هاته، فهل نعلم أن تكنولوجيا واحدة من تكنولوجيات المعلومة، كالتكنولوجيا المتعلقة باستعمال الألياف البصرية في مجال الاتصال، ستخفض صادرات النحاس قبل سنة 1990 بنسبة 40 ٪؟ وأن التطورات التي يعرفها علم الوراثة البيولوجي والبيوتكنولوجيات ستمكن البلدان الصناعية من الاستغناء عن صنف بأكمله من الموارد النباتية التي تستوردها من بلدان العالم الثالث؟ وماذا نقول عن استغلال الموارد البحرية؟ كل هذا هو نتاج ثورة المعلومة. بدون تكنولوجيات المعلومة لم يكن بإمكان التكنولوجيات الدقيقة الأخرى أن ترى النور، وهي تتوقف عن الوجود حالما نسحب تكنولوجيات المعلومة من الميدان .
إن البلدان الصناعية لا تشكل فريقا متجانسا في مواجهة التحولات الجارية حاليا، لذلك فإن ريكاردو بيتريلا، وهو موظف سام في الاتحاد الأوربي يقول: «إن صورة العالم التي يمكننا، نحن الأوروبيين، أن نصنعها لأنفسنا من خلال النظر فقط إلى نتائج وعواقب تكنولوجيات المعلومة الجديدة، هي صورة مجتمع عالمي يتهدد بلدان المجموعة الأوروبية فيه خلال 20 سنة المقبلة خطر أن تضع بقاءها على الحياة في خطر باعتبارها اقتصادات صناعية مستقلة».
وإذا كان هذا ممكنا على مستوى بلدان أوروبا العشرة، فماذا سيكون عليه حال بلدان العالم الثالث التي ليست لحد الآن بلدانا مستقلة اقتصاديا أو صناعيا بشكل حقيقي؟ هل هو تعميق التبعية؟ إزاء من؟ إن هذه ليست أسئلة نظرية، بل هي في صلب موضوعنا .
في عالم تتطور فيه المعرفة العلمية بشكل حثيث وهائل (حجم المنشورات العلمية سنة 1984 سيكون مساويا لكل ما نشر ما بين عصر النهضة وسنة 1976)، هل يمكن الحديث عن الإمكانات الاقتصادية من خلال تقدير كمية الاحتياطيات التي تختزنها الأرض فقط، وحجم المجاري المائية وعدد السدود ومساحة الأراضي الزراعية وعدد رؤوس الماشية وعدد الليالي التي قضاها السياح بالفنادق وكذا معدل تزايد السكان؟
عن «قيمة القيم»، 2007
المستقبلي السبّاق
حين ملأ الدنيا وشغل الناس بنظريته حول صدام الحضارات، امتلك الأمريكي صمويل هنتنغتون من النزاهة مقداراً كافياً للإقرار بأنّ المفكر المغربي المهدي المنجرة (1933ـ2014) كان السبّاق إلى طرح الفكرة، بل كان الأسبق في صياغتها على نحو بنّاء يستهدف صالح الأمم وائتلاف ثقافاتها. غير أنّ تلك الفكرة لم تكن أبرز منجزات المنجرة الريادية، في الواقع، لأنّ الفكر العربي المعاصر ـ وذاك الذي يخصّ الجنوب، والعالم الثالث، عموماً ـ يدين للراحل بسلسلة مفاهيم حول علوم المستقبليات (التي كان فيها مؤسساً، على نطاق عالمي، واعتبرها موروثة في صلب الثقافة العربية الكلاسيكية)؛ وحول التجربة اليابانية في التنمية والبناء الاجتماعي (رأى أنّ ركائزها أربع: الاحتذاء بالقيم اليابانية الوطنية، ومحو الأمية، والارتقاء باللغة اليابانية الأمّ، وتطوير روحية البحث العلمي)؛ وكذلك نقد الأنظمة الديمقراطية الحديثة (والمرء يفكّر في عبارته اللاذعة، «الذلّقراطية»، التي تمزج بين الذلّ والديمقراطية)، ونقد العولمة الوحشية (التي اعتبرها أداة لتكريس التبعية وإلغاء الآخر وإعادة إنتاج أشكال الاستعمار القديم)؛ فضلاً عن مناهضته العميقة للصهيونية والمشروع الإمبريالي في المنطقة.
درس المنجرة في الولايات المتحدة وبريطانيا، وكانت تلك إرادة أبيه المستنير، الذي شاء لابنه أن يدرس في ثقافة أنغلو ـ سكسونية، على نقيض التيار السائد الذي كان يفضّل الثقافة الفرنسية. وقد وضع عدداً كبيراً من المؤلفات، في علم الاجتماع والسياسة والاقتصاد والتنمية والتربية والمستقبليات. كما شغل وظائف رفيعة، في الأمم المتحدة واليونسكو و»مؤتمر التعاون التقني بين الدول الأفريقية»؛ وكان عضواً في جمعيات علمية بارزة، مثل «الأكاديمية العالمية للفنون والعلوم»، و»الأكاديمية الأفريقية للعلوم»، و»الأكاديمية الأوروبية للعلوم والفنون والآداب»، و»الجمعية العالمية للمستقبل»، و»منتدى العالم الثالث»؛ كما درّس في جامعات مغربية وعالمية عديدة. وفي مقدّمة كتابه «الإهانة: في عهد الميغا إمبريالية»، يكتب المنجرة: «إنّ القوى العالمية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، تمارس الإذلال على بلدان العالم الثالث، التي تنصاع لذلك من غير كثير اعتراضات، قبل أن تمارس الإذلال بدورها على جماهيرها ذاتها. ولهذا فإن هذه الأخيرة تعاني من ذلّ مزدوج ينضاف إليه ذلّ ثالث هو الذلّ الذاتي، ويتمثل في الامتناع عن الفعل. ومن حقنا الحديث عن الذلقراطية، أي النظام السياسي والثقافي الذي يستغل التفاوت في علاقات القوة الداخلية والخارجية معاً».
نصّ: المهدي المنجرة