الخرطوم -«القدس العربي»: بعد مصادرته لـ»13» صحيفة مؤخرا، واصل جهاز الأمن السوداني إجراءاته بمصادرة صحف «الإنتباهة، التغيير، السوداني والمجهر السياسي» من المطبعة. يجيء ذلك بعد وداع عام سيء للصحافة، واستهلال السلطات السودانية العام الجديد بانتهاكات غير مسبوقة لحرية التعبير.
أسوأ حملة ضد الصحافة
وابتدأ جهاز الأمن عام 2015 بإجراءات وصفت في الأوساط السودانية بـ»المجزرة» حيث صادر عدة صحف منها «الرأي العام، الوطن، آخر لحظة، أول النّهار، السوداني، ألوان، المجهر، التيّار، الأهرام اليوم، الصيّحة، الانتباهة، الدار وحكايات».
وتعد هذه الحملة هي الأسوأ خلال الأعوام الماضية، وتزامنت مع اقتراب موعد انتخابات رئاسة الجمهورية والبرلمان المحدد لها نيسان/أبريل 2015.
وفي أول رد فعل حكومي أكد وزير الإعلام والمتحدث الرسمي باسم الحكومة أحمد بلال حق جهاز الأمن في إيقاف الصحف إذا شكلت تهديدا للأمن القومي.
وقال في رده على سؤال الصحافيين عن أسباب تعليق أكثر من 13 صحيفة من قبل جهاز الأمن، إنّ «الأمر سيظل على هذا الحال حتى يتم تعديل الدستور وقانون جهاز الأمن القومي بالاتفاق مع الجميع على كيفية حكم السودان».
مجلس الصحافة يشتكي
ويشتكي مجلس الصحافة والمطبوعات في السودان من وجود قوانين أقوى منه يتم بموجبها إنتهاك حرية التعبير، وقال رئيس المجلس علي شمو «إنّ مصادرة الصحف ليست من اختصاصهم، وتتم بواسطة جهة أخرى لها قوة تصادر وتوقف بها الصحف» ويقصد جهاز الأمن.
وأضاف إن القانون الموجود الآن يتعامل مع الصحافة الورقية فقط، وأنهم بصدد تعديل القانون خلال شهور ليشمل الصحافة الإلكترونية ،لكنه أقرّ أن القانون الجديد لن يستطيع منع مصادرة الصحف وأضاف:»التعديل لن يحل هذه المشكلة، تعارض القوانين واضح جدا وهذه مسألة متعلقة بسياسات الدولة والمناخ العام وإذا لم يتغير المناخ سيظل الوضع كما هو».
وأوضح أن تعارض القوانين له تأثير سالب على حرية الصحافة، وطالب الدولة بإزالة هذا التعارض وإتاحة مناخ أفضل للعمل الصحافي.
مسك العصاة من وسطها
وطالب الاتحاد العام للصحافيين – في بيان له- الصحف بالإلتزام المطلق بالقيم المهنية وممارسة العمل الصحافي الحُر والمسؤول الذي يحفظ للبلاد أمنها واستقرارها ويصون وحدتها ونسيجها الاجتماعي في ظل حملات الاستهداف والتربص التي تواجه السودان في أمنه القومي والاجتماعي والاقتصادي.
وأعلن الاتحاد مباشرته الاتصال بالقيادة السياسية والأمنية والمؤسسات الصحافية لإدارة حوار شفاّف ومنتج، يُوقف استخدام التدابير الاستثنائية في مواجهة الصحف.
وأشار إلى أن مصادرة عدد من الصحف تمت دون إخطار الجهات ذات الصلة بتقويم العمل الصحافي ومراقبة أدائه، ممثلة في اتحاد الصحافيين ومجلس الصحافة. وعبّر عن أسفه لإعمال الإجراءات الاستثنائية في مواجهة الصحف بعيداً عن قانون الصحافة والمطبوعات الحاكم للممارسة الصحافية في البلاد.
ودعا الاتحاد، الجهات العدلية والتشريعية، إلى العمل على مواءمة القوانين ذات الصلة بالنشر وحرية التعبير، وضرورة الاحتكام للقضاء في التعامل مع الصحف وقضايا النشر.
قلق الجبهة السودانية للتغيير
وأصدرت الجبهة السودانية للتغيير بيانا عبرت فيه عن قلقها الشديد لما يحدث من عمليات مصادرة واسعة للصحف وقمع تجاوز كل الحدود لحرية الصحافة، مما يشكل إعتداء صارخا على هامش حرية الرأي والتعبير التي فرضها شرفاء الوطن من المعارضين والصحافيين بتضحياتهم ونضالاتهم ومقاومتهم للقبضة الأمنية، وتصديهم لاستخدام النظام القمعي لمنهج الرقابة قبل النشر ومصادرة الصحف بعد طباعتها لإفقارها برغم شح مواردها وإمكاناتها.
وأضاف البيان أن الغرض هو كبت الصحافة ومنعها من كشف حالات الإخفاء القسري لزملاء المهنة، والتضييق عليهم ومنعهم من تغطية المؤتمرات، لإسكات أصواتهم ومصادرة حقهم المهني في كشف الحقائق التي تُملًك والمعلومة بشجاعة للرأي العام.
وقالت الجبهة السودانية للتغيير إن الهجمات الشرسة التي تقوم بها السلطات الأمنية على أصحاب الكلمة والرأي ووسائل التعبير تُعتبر امتدادا لمسلسل سياسة تكميم الأفواه منذ استيلاء نظام الجبهة القومية الإسلامية على السلطة السياسية في البلاد.
وأضافت إن سلوك الأجهزة الأمنية القمعي يؤكد أن النظام ما زال مستمرا منذ 1989، في كبته للحريات ومصادرة الرأي المعارض والمخالف، وإن تشدقه بإطلاق الحريات العامة تمهيدا لحواره المزعوم، تهزمه إعتقالاته التعسفية للسياسيين المعارضين، وتجريداته التأديبية للصحافيين وحرية الصحافة. ومصادرة الصحف بعد طباعتها لإسكات صوت الحقيقة.
على طريق اتحاد الصحافيين
وأصدر المجلس القومي للصحافة والمطبوعات بيانا أقر فيه بحساسية الأوضاع السياسية والاجتماعية التي تمر بها البلاد في هذه المرحلة على وجه التحديد، الأمر الذى كان يتطلب أن تتعامل معه الصحافة بالقدر الذي يقابل ذلك من المسؤولية الوطنية وأن تتجنب في تعاطيها مع الأحداث والوقائع جميع أشكال الإثارة الضارة بالمجتمع أو بأمن البلاد القومي وخاصة تحركات القوات المسلحة.
وأكد المجلس أن الشأن الصحافى في البلاد يُدار بواسطة المجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصحافية عن طريق قانون خاص هو قانون الصحافة والمطبوعات. ولأن القانون الخاص يقيد العام فقد كان من المرتجى أن يكون المجلس هو الجهة التي تحاسِب الصحف إذا وقعت في أخطاء مخالفة للقانون.
وعبّر المجلس عن أسفه العميق تجاه الخطوة التي تم اتخاذها بتعطيل ومصادرة هذا العدد الكبير من الصحف، وأضاف أنه كان في الوسع، حتى بافتراض وجود أخطاء وقعت فيها الصحف، تدارك الأمر ومحاسبة المخطئين بمنهج وأسلوب يتناسبان وقانون الصحافة والمطبوعات لسنة 2009.
وقال المجلس في بيانه إن الإجراءات الطبيعية هي الأنفع والأجدى على المديين الطويل والقصير في التعامل مع تجاوزات الصحافة وأخطائها سواء أكانت كثيرة أم قليلة، وفي المقابل، فإن الإجراءات الاستثنائية من شأنها أن تلحق ضرراً بليغاً بالمشهد الصحافي والسياسي فىي البلاد عموماً وتضر بمساحة الحريات التي كفلها الدستور في المادة «39».
ويتكون مجلس الصحافة والمطبوعات – الذي يتبع لرئيس الجمهورية – من واحد وعشرين عضوا منهم ثمانية صحافيين، وخمسة أعضاء من الجهاز التشريعي «البرلمان» وعضوان يمثلان الناشرين والطابعين والموزعين وستة أشخاص يعينهم رئيس الجمهورية، بمن فيهم الأمين العام.
تاريخ الصحافة السودانية
تاريخ الصحافة الحديثة في السودان يبدأ بصدور صحيفة «السودان» في سنة 1903. وصدرت نصف شهرية بواسطة بعض السوريين العاملين في البلاد آنذاك، وكانت الحكومة الإستعمارية أصدرت «الغازية السودانية» عام 1899، وصدرت صحيفة «النيل» بتوجيه من السيد عبد الرحمن المهدي وترأس تحريرها حسين شريف، وصدرت في الثلاثينيات صحف أدبية انعكاسا لتأثير مصر على السودان.
وصدر أول مرسوم لتنظيم مهنة الصحافة عام 1930 وكان يهدف إلى تكريس قبضة السلطات الاستعمارية على الصحافة التي أخذت آنذاك في النمو، خوفاً من دعم تطور الحركة الوطنية السودانية. وأصدر حزب الأمة صحيفة باسمه عام 1944 وأصدر حزب الأشقاء صحيفة باسمه أيضا عام 1948.
الأربعينيات والبداية الجادة
وقد مثلت فترة الأربعينيات من القرن الماضي أخصب الفترات التي شهدتها الصحافة السودانية حيث شكلت البداية الأولى للصحافة السياسية الجادة.
«الثورة»في نظام عبود
وفى عام 1958 وبعد استيلاء أول نظام عسكري، وهو نظام الفريق إبراهيم عبود على السلطة عطلت الأحزاب وتبع ذلك تعطيل الصحافة وأصدرت الدولة صحيفة «الثورة» واستمرت حتى عام 1964 وظهرت الصحف المستقلة والحزبية عقب ثورة تشرين الاول/أكتوبر 1964 ثم توقفت الصحافة الحزبية عقب قيام نظام مايو 1969 وكان الرئيس نميرى قد أمم الصحافة في 1970 ومنع صدور الصحافة الحزبية.
أول قانون وطني
وفى عام 1973م صدر أول قانون وطني للصحافة والمطبوعات بديلا للقانون الاستعماري لعام 1930، وآلت بموجبه الصحف إلى الاتحاد الاشتراكي السوداني، الحزب الحاكم تحت إشراف وزارة الثقافة والأعلام.
وتبع مجلس الصحافة والمطبوعات الذي نشأ بموجب هذا القانون لوزارة الثقافة والإعلام وكانت شؤون الصحافة قبله من اختصاص وزارة الداخلية. وأصبح مجلس الصحافة والمطبوعات مكلفاً بإدارة نشاط الصحافيين وتصديق الشهادات وتخطيط العمل الصحافي عامة ليكون ملائماً لإطار أيديولوجية السلطة الحاكمة وصدرت صحيفتان يوميتان، هما «الأيام» و»الصحافة».
الديمقراطية الثالثة
وفي عهد الديمقراطية الثالثة 1985-1989 إزدهرت الحريات الصحافية بشكل واسع وارتفع عدد الصحف ليتجاوز الثلاثين صحيفة وتم تعطيلها كلها صبيحة إنقلاب الإنقاذ في الثلاثين من حزيران/يونيو عام 1989 لتصدر صحيفة «الإنقاذ الوطني» و»السودان الحديث» فقط.
الوضع الحالي
وامتدح رئيس مجلس الصحافة والمطبوعات الحالي، علي شمو مناخ الحريات الموجود في السودان مقارنة بمحيطه العربي والإفريقي. وقال إن تاريخ التشريعات عندنا طويل بدأ بعام 1930 أثناء الحكم الثنائي، وحدث أول تغيير في حكومة مايو عام 1973،ثم 1993 وتوالت القوانين في 1996و1999و2004 ثم 2009 الذي اعتبره من أفضل القوانين.
وقال إن القانون المقبل والذي يخضع للنقاش الآن، سيتم تعديله لا تغييره ليتماشى مع حرية التعبير في العالم والصحافة الجديدة.
القانون المقبل
لكنّ الصحافيين اشتكوا من عدم إشراكهم في النقاش حول القانون، وتبرأ اتحاد الصحافيين السابق منه، واصفا المسودة بأنها الأسوأ في تاريخ الصحافة، ووصفه البعض بالتعدي على دستور عام 2005 الذي أجيز في فترة إنتقالية سبقت إنفصال جنوب السودان فارتفع فيه سقف الحريات وأعطيت للصحافة مساحات كبيرة من حرية التعبير، قمعتها قوانين تتبع للأجهزة الأمنية فيما بعد.
أرقام وحقائق
ويبلغ عدد الصحف السودانية نحو»55» منها 30 سياسية ،17 رياضية، وسبع صحف اجتماعية، لكن الصحف التي تصدر الآن 42 صحيفة منها25 سياسية ،عشر صحف رياضية وسبع اجتماعية، علما بأن هذا التصنيف «خاص بمجلس الصحافة» وهو محلي وغير موجود على نطاق العالم.
مطبوع قليل وتأثير كبير
علي شمو قال إن تأثير الصحافة السودانية كبير على التغيير وتكوين الرأي العام رغم ما تعانيه من مشكلات مالية كبيرة وضعف واضح في التوزيع. وأضاف أن كل الصحف السودانية تطبع بين 400-450 الف نسخة في اليوم الواحد وتوزع من 250ألف إلى 300 ألف نسخة ومقارنة بعدد السكان 35 مليون نسمة، فإن نسبة المقروئية في السودان ضعيفة جدا حسب المعايير العالمية.
وتنبأ رئيس مجلس الصحافة والمطبوعات السوداني بأنّ تعديل القانون سيساهم في حل بعض المشكلات المالية، إضافة إلى فتح المجال واسعا للصحافة الإلكترونية، وتوفير مساحات أوسع من حرية التعبير.
واعترف بتقصير المجلس في العمل على تهيئة المناخ في الدور الصحافية من حيث المكاتب ووسائل الإتصال ومعينات العمل كافة من ترحيل وأجر إضافي وخلافه، وقال «هذا الجانب نحن مقصرون فيه».
معاقبة الصحافيين
وتتعدد وسائل عقاب الصحافيين بتعدد القوانين السارية مثل «القانون العام، قانون الصحافة، قانون الأمن « وغير ذلك من المشاكل التي يعاني منها الصحافيون، ويستغل ذلك التعدد في كثير من الأحيان للتشفي والإنتقام وتكميم الأفواه ، يضاف إلى ذلك وجود نيابات لقضايا النشر الصحافي في العديد من الولايات.
القبض على الصحافيين
وبخصوص القبض على الصحافيين وترحيلهم ليحاكموا في المدن المختلفة يقول علي شمو إنهم بذلوا جهدا كبيرا لتغيير هذا الوضع مع وزير العدل الأسبق باعتبار أن كل الصحف تصدر في الخرطوم، وصدرت توجيهات منه بأن يكون التقاضي في العاصمة.
لكن بعد ذلك – كما يقول- تراجعت وزارة العدل ثم تم مؤخرا إلغاء نيابة الصحافة في مدينة ودمدني في وسط السودان، ويضيف:»حاولنا في القانون الجديد إيجاد صيغة معينة تخلق نوعا من التوازن».
صلاح الدين مصطفى