منذ بداية الثورة السورية وما زلت أتساءل: أيعقل أنّ هناك أحدا من البشر لا يدرك أنّ التمايز في هذه الثورة بين الحقّ والباطل جليّ ظاهر، كما هو بين الليل والنهار، هناك رجل يقف على رأسه مقلوباً منذ حوالي خمسين عاماً، ولا يمكن أن يستمر هكذا إلى ما لا نهاية، ومهما حاول الآخرون أن يسندوه أو يمنعوا سقوطه فلن يفلحوا، لأنّ بقاءه يخالف السنن الكونية ومنطق الحياة، إذاً ما الذي يجعل فئة من البشر تعتقد أو تظنّ أنّ النظام السوري يمكن أن يبقى حاكماً في سورية بعد كلّ الذي حصل، بعد كلّ هذه الدماء والدمار والتنكيل والمجازر؟!
بنظرة سريعة تعرف أن عدو الثورة السورية المصرّ على إمكانيّة بقاء الأسد ونظامه لا يبعد أن يكون أحد الأصناف الآتية:1- طائفي بغيض يعتقد بضيق أفقه وقصر نظره وتعصبه أنّ زوال الأسد ونظامه يمكن أن يلحق الضرر بطائفة معينة، فهو ربط مصيره وبقاءه ببقاء النظام الطائفي وهذا خير من يمثله داخلياً: الشبّيحة الذين يرتكبون أكثر الأعمال قذارة وقبحاً بالنيابة عن النظام.2- منتفع من وجود النظام ربط مصالحه بوجود مثل هذا النظام الذي يقوم على الفساد والمحسوبيات وهذا من المنطق أن يخاف فهو يعلم يقيناً أنّ ما كان يتمتع به في ظلّ هذا النظام من ميّزات سيزول (إن لم يحاسب على فساده) وهذا خير من يمثله داخلياً بعض التجار الكبار المتنفذين وبعض المشايخ المتملقين وإقليمياً بعض الساسة اللبنانيين ودولياً روسيا والصين.3- قومي رجعي ما زال يعتقد فعلاً أنّ النظام السوري نظام ممانع ومقاوم وأنّه فعلاً يقف في وجه المشروع الصهيوني ويحمل راية تحرير الأرض المغتصبة، وأنّه شوكة في حلق الإمبريالية العالمية والمصالح الأمريكية والغربية مع أنّ الأيام كشفت زيف وكذب هذه الادعاءات بصورة فاضحة، وخير من يمثل هذا الصنف من أعداء الثورة بعض السياسيين والمثقفين الذين يرون أنّ تغيير النظام يعني قضاءً أو فتوراً في جهود الصراع من أجل القضيّة المركزية للأمّتين العربية والإسلامية (قضية فلسطين) وهذا قد بيّن عواره السوريون في احتجاجاتهم حين بيّنوا أنّ السوري الحرّ أقدر على تحرير الأرض واستعادة الكرامة من السوريّ العبد.4- خائف ممّا بعد سقوط النظام، فهو يعتقد أنّ الفوضى والانفلات الأمني سيعمّ، وستصبح سورية دولة فاشلة بالمعنى السيادي بعد هذا النظام، فليس هناك بديل واضح وجاهز لتسلّم دفة الحكم، وهذا يمثله داخلياً الذين ما زالوا صامتين من السوريين وإقليمياً دولة الصهاينة والتي صرّح ساستها بهذا مراراً وتكراراً، وخارجياً الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية بشكل عام، وهنا لا بد من الاعتراف أنّ الأمر لن يكون وردياً منذ اليوم الأول بعد سقوط النظام وهذه نتيجة طبيعية للتخريب الذي دام خمسين عاماً.5- بعض من يريد أن يعود إلى الساحة الدولية كعنصر فاعل ومؤثر بعد أن فقد كلّ أوراقه المؤثرة في الفترة الأخيرة فأراد أن يناطح الغرب من حيث يعتقد أنّه يعارض مواقفهم ويخالفها وفي حقيقة الأمر هو يقوم بما يريدون ويحمل النتيجة القبيحة لهذه المواقف، وهم سيحققون ما يريدون ويخرجون في صورة المناصر لحرية الشعوب في العالم، وخير من يمثّل هؤلاء عالمياً روسيا.
وأخيراً لابد من التنويه أنّه ربما تتداخل هذه الأصناف بحيث يمكن أن يجمع الصنف سببين ليكون عدواً للثورة السورية، ويظهر ذلك في موقف حزب الله بحيث اختلطت عنده الطائفة مع المانعة والمقاومة، ويظهر أيضاً في موقف روسيا حيث تختلط فيه المصلحة مع إرادة العودة إلى الساحة الدولية بقوة وهكذا. عبد عرابي[email protected]