إيران تسابق الذكرى الأولى لـ«ثورة الحجاب»: عودة «شرطة الأخلاق» وكاميرات مراقبة وتشريعات لاستعادة قبضة النظام

رلى موفّق
حجم الخط
0

كانت وجهة المواكب هذه السنة هي بيوت ضحايا «ثورة الحجاب» في مواساة للظلم الذي تعرَّض له المتظاهرون الذين خرجوا إلى الشوارع على إثر مقتل الشابة مهسا أميني.

حلَّت ذكرى عاشوراء ثقيلة على النظام الإيراني هذا العام. تحوَّلت هذه المناسبة الدينية حيث يُحْيي المسلمون الشيعة في العالم الأيام العشرة الأولى من شهر محرم الهجري طقوس مقتل الإمام الحسين بن علي إلى «يوم مكاشفة مع النظام» باستحضار يوميات «واقعة كربلاء» التي تُجسِّد برمزيتها الوقوف ضد الظلم والمطالبة بالعدالة.
فالرواية التاريخية تقول إن الحسين خرج من الحجاز إلى الكوفة بعد تلقيه دعوات من أهل العراق للمطالبة بالخلافة التي كان تولاها يزيد بن معاوية إثر وفاة أبيه، لكن جرت مواجهته مع صحبه وبينهم نساء وأطفال، فتوجه إلى كربلاء، حيث حوصروا وقتلوا في منازلة غير متكافئة.
في العادة، تُقام المجالس الحسينية في إيران في المراكز الدينية وتُسيَّر المواكب العاشورائية إلى المزارات والمراكز الدينية، وتتجلّى التعبيرات عن الحزن بالبكاء ولطم الصدور واللباس الأسود وحمل الرايات الحسينية، وتبلغ ذروتها في يوم العاشر، يوم مقتل الحسين.
هذه السنة، كانت وجهة المواكب هي بيوت ضحايا «ثورة الحجاب» في مواساة للظلم الذي تعرَّض له المتظاهرون الذي خرجوا إلى الشوارع على إثر مقتل الشابة مهسا أميني في السادس عشر من أيلول/سبتمبر 2022 في مركز للشرطة في طهران بعد سوقها على يد شرطة الأخلاق بحجة عدم ارتدائها الحجاب بـ«الطريقة الصحيحة». جرت خلال إحياء الشعائر والنَـدْبيات الحسينية في مدن شيعية عدة، مقارنات بين يزيد ومرشد الجمهورية الولي الفقيه علي خامنئي. تماهى هؤلاء الشبان في استحضار الواقعة، مع مقولة الحسين أنه خرج «لطلب الإصلاح»، وحل الخامنئي بديلاً ليزيد في الشعائر الدينية. هذا مأزق حقيقي بالنسبة إلى الحكم العقائدي الذي يستمد ديمومة المعتقد من سرديات كسردية مقتل الحسين في الثبات على المبدأ المطالب بالحق والعدالة.
تلاقت المكوّنات الدينية في هذه المناسبة على تنوعها. ففي بلوشستان، عرَّج زعيم أهل السُّنة في إيران، مولوي عبد الحميد في خطبة صلاة الجمعة في زاهدان، على ذكرى عاشوراء التاريخية، بإشارته الى أن يزيد كان يبحث عن بقاء حكمه. وقال: «لا ينبغي قتل الناس من أجل استمرار النظام» و«السلطة لا تستحق قتل الناس من أجلها».
يُشكِّل موقفه، في قراءة المراقبين، هجوماً على فكر الخميني الذي يقول إن «الحفاظ على نظام الجمهورية الإسلامية، من أوجب الواجبات» ومقاربة بين يزيد والخامنئي من دون أن يُسمِّيه، والذي أقدمت سلطاته على قتل مئات المتظاهرين الذين انتفضوا على السلطة وما زالوا يخرجون بعد كل صلاة جمعة ولو بأحجام صغيرة. وذهب ليؤكد أنه «من حق الشعب أن يُسْمَعَ صوته في الجمهورية الإسلامية» و«على الحاكم ألاّ يتكبّر أمام الناس، وألاّ يواجههم وينسب كل شيء إلى العدو».
فالنظام من المرشد إلى الرئاسة والقضاء والحكومة على صوت واحد بأن «ثورة الحجاب» هي مؤامرة على النظام من العدو، إسرائيل وأمريكا. وحين تصبح احتجاجات الشارع الإيراني وانتفاضاته وحركاته الاعتراضية كلها من فعل العدو، فإنه يُعطي لنفسه الحق والضوء الأخضر لقمعها بالقوة وممارسة كل أنواع القتل دفاعاً عن بقاء النظام. بالطبع «ثورة الحجاب» تُصيب النظام في الصميم لأنها تمسُّ بأحد المرتكزات العقائدية للنظام والذي إن سقط، فإنه يهزُّ أحد أبرز تلك المرتكزات، والتي تُشكِّل نموذجاً اجتماعياً يُريد تعميمه حيث يصل نفوذه الديني والسياسي.
هذا التحدّي يدفع النظام إلى اتخاذ ما أمكنه من إجراءات لإعادة فرض الحجاب الإجباري. يدرس البرلمان مشروع «قانون الحجاب والعفّة» الذي سيُبصر النور قريباً ويتضمن خطة لكيفية توجيه المجتمع والأسرة وضبط سلوكياتها في مختلف مناحي الحياة مرفقاً بحزمة من الإجراءات العقابية للمخالفين وتضييقاً على الحريات وانتهاكاً لخصوصية المواطنين. وسبق ذلك إعلان متحدث باسم الشرطة إعادة «شرطة الأخلاق» إلى الشارع بعدما سحبتها بفعل تفاقم موجة الاحتجاجات في محاولة لامتصاص غضب الشارع وتهدئته. وقد عززت الشرطة إجراءاتها بتركيب كاميرات وتقنيات للمراقبة الجماعية في الأماكن العامة من أجل تنفيذ خطة «الحجاب والعفّة»، بحيث يمكنها تحديد النساء اللواتي يخالفن القوانين بالخروج سافرات أو يرتدينَ «الحجاب السيّئ» وفق تعبيرات السلطات الإيرانية.
الأصوات المعترضة

لا يُعير النظام أهمية للأصوات التي كانت يوماً جزءاً من النظام، والمعترضة على أدائه المتشدّد. فمع الخبر الرسمي لعودة شرطة الأخلاق، رأى الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي أن هذه الأعمال يمكن أن تؤدي إلى إسقاط النظام وتدمير المجتمع، لكن ليس هناك من يُصغي.
وقبل أيام، برَّر مساعد رئيس السلطة القضائية الإيرانية، محمد مصدق إجراءات الحجاب الإجباري بالقول إن «إيران اليوم تمرُّ بظروف حسّاسة للغاية وعلى الجميع أن ينتبه لذلك»، مضيفاً أن «الحجاب من الأدوات المؤثرة التي يحاول الأعداء ضرب النظام من خلالها». هذا تحدٍ كبير أمام النظام الذي يرى أن عليه استعادة هيبته بالترغيب أو الترهيب. يظن أركان النظام أنه قادر من خلال القوانين والأدوات الرقابية والتقنيات ومنظومة مراقبة أسلوب حياة الناس أن يُعيد عقارب الساعة إلى الوراء ويستعيد القدرة على ضبط النساء اللواتي ما زلن يواجهن كل يوم عمليات التضييق عليهن، سواء في الجامعات أو المصارف أو الدوائر الرسمية أو المطارات، إذا كُنَّ يخالفنَ ارتداء الحجاب الإجباري.
يكمن الامتحان الصعب في شهر أيلول/سبتمبر مع اقتراب ذكرى مقتل مهسا أمني، والتي يتخوَّف النظام من أن تشكل المناسبة استعادة لمشهد الاحتجاجات التي استمرت لأشهر قبل أن ينجح في قمعها باستهداف ناشطين في الشوارع وتنفيذ آلاف اعتقالات والقيام بمحاكمات صورية وتنفيذ أحكام إعدام وسجن، ووضع شخصيات نافذة ومؤثرة في المجتمع تحت الإقامة الجبرية أو في السجن.
يُدرك الإيرانيون أن النظام ما زال قوياً، ليس بفعل تأييد مواطنيه له، بل بفعل القوة الممارسَة على الشعب، لكنهم يعتبرون أن حجم الأزمات التي بات يواجهها في ازدياد، سواء على مستوى قضية الحجاب أو الأزمات الاقتصادية حيث التضخم وانهيار الريـال ومستوى الفقر، ولا يبدو أن السلطة قادرة على احتوائه، وحيث إن المشاكل الحياتية، ولا سيما على مستوى قضية المياه، فاقمت إمكانات تحمّل المواطنين، وحيث إن تقديمات الصناديق الاجتماعية أضحت في مهب الريح، وحال اليأس هي المسيطرة مع الشعور بأن تحوُّل إيران إلى دولة طبيعية يبتعد أكثر وأكثر، ولا سيما مع توجهات المنظومة الدينية الحاكمة والمتشددة إلى تثبيت المرحلة الثانية من الثورة العقائدية، وهي التي ينتفضُ الجيل الإيراني الجديد عليها وعلى كل رموزها ورمزياتها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية