رام الله ـ «القدس العربي»: يستحضر فلسطينيون كثر مقولات إعلاميين صهاينة عندما كانوا يظهرون على وسائل الإعلام العبرية للتعليق على تداعيات الثورة السورية والتي وصلت حد أن أصبحت بمثابة حالة من التقاتل الأهلي، حيث كانوا يرددون مبتسمين جملة: «نتمنى التوفيق لجميع الأطراف».
وخلال نحو 29 أسبوعا من التصارع على التعديلات القانونية كرر فلسطينيون هذه الجملة كثيرا عند التعليق على ما يجري فيما كان ينظر إليه على أنه شأن إسرائيلي داخلي، غير أن نتائج تطورات هذا الملف في منتصف الأسبوع الماضي قلبت موجة الحديث وزاوية النظر كثيرا.
لقد ظهرت الحكومة الإسرائيلية اليمينية بزعامة بنيامين نتنياهو وكأنها حققت أول انتصار لها منذ شهور طويلة في محاولتها لتثبيت مشاريع تغيير النظام القضائي، وهو ما جعل الفلسطينيين يناقشون جديا تداعيات هذه التعديلات عليهم في أول مرة بشكل أكثر جدية.
لقد صوت نواب الكنيست على قانون يجرد المحكمة العليا من قوتها في رفض قرارات الحكومة التي تراها «غير معقولة» أو لا تخدم المصلحة العامة وهو ما يعرف بـ«عدم المعقولية». ومن المؤكد أن انتصار حكومة اليمين يعني خسارة جديدة للفلسطينيين إلى جانب خساراتهم الكثيرة، فكل الملفات الفلسطينية مع هذه الحكومة وتحديدا في شقها اليميني المتطرف تعمل وفق سياسة جوهرها الاستهداف والتصفية والتفكيك لكل ما له علاقة بالكيانية الفلسطينية.
وحسب الأكاديمي والباحث في قضايا التنمية السياسية إبراهيم ربايعة، فإن ما يجري في دولة الاحتلال ليس شأنا إسرائيليا داخليا، بل يمتد تأثيره بحكم المؤكد إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويضيف: «أولا النخبة السياسية الحاكمة في إسرائيل تقبع في أقصى اليمين، وهي ذات مشروع واضح يستهدف حسم ما تبقى من الصراع، وإنجاز المنظومة الاستيطانية بشكل نهائي، والتعامل بوضوح مع الفلسطينيين الذين ينظر إليهم بصفتهم مقيمين غير مرغوب بهم».
ويرى ربايعة أن الصراع على القضاء والمحكمة العليا يأتي في سياق محاولة تعزيز الأدوات للنفاذ للمشرع الإسرائيلي وبالتالي تغيير وقلب النظام السياسي كله، وهو أمر يجعل من النخبة الحاكمة أكثر ضيقا من ناحية مع تقليص الصلاحيات، وأكثر قدرة على إنفاذ ما تريده بشكل عام داخل المجتمع الإسرائيلي والفلسطيني هناك وداخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.
أما الباحث عماد أبو عواد، مدير مركز «القدس للدراسات» فيرى أن التعامل الاحتلالي مع الفلسطينيين مهما اختلف بين الحكومات الإسرائيلية فإنه يحافظ على بعدين ضاغطين، الأول ناعم والثاني خشن، فالاستيطان يتمدد ويتوسع بشكل متوازن مع كل حكومة جديدة، «فهو يتجسد في خطة استراتيجية، أما التعديل القانوني الجديد فإنه يمكن أن يخدم الصهيونية الدينية التي تتحكم بالضفة الغربية، وبالتالي يمكن أن يكون هناك ضم فعلي للإدارة المدنية التي يديرها وزير المالية سموئيل سموترتش، بحيث يحدث الضم بشكل كامل، وذلك يعني أن الحاكم الفعلي للضفة الغربية سيكون رجل الأيديولوجيا الأول في اليمين الإسرائيلي المتطرف».
ويكمل متوافقا مع ربايعة أنه ستكون هناك إمكانية لإقرار المشاريع الاستيطانية بشكل أكثر سهولة، ستصبح الطريق مفتوحة أمام اليمين لتوسيع المستوطنات وتحويلها لبلديات رسمية، حيث تصبح كل مستوطنة قادرة على التوسع ذاتيا وضخ المزيد من الميزانيات لها.
ويضيف أبو عواد في حديث صحافي: «كما أن التعامل مع السلطة الفلسطينية سيكون ضاغطا بشكل أكبر، علاوة على الضغط الإسرائيلي الميداني على الشارع الفلسطيني».
ويشدد: «ندرك أننا نتحدث عن واقع سيء، لكننا سنصبح في واقع أكثر سوءا. صحيح أن المحكمة العليا لم تكن تتدخل لصالح الفلسطيني إلا في قضايا صغيرة جدا، وتحديدا في حالات ثبت أن الأرض المتنازع عليها بين الفلسطينيين والمستوطنين تعود إلى ملكية فلسطينية شخصية حيث كانت المحكمة تحكم لصالح الفلسطيني».
ويرى عواد أن التعديل القانوني الجديد سيجعل يد الحكومة مطلقة، فيما سيزيد ذلك من تصرف الصهيونية الدينية بمعزل عن الحكومة الإسرائيلية، وهو أمر سيترافق مع عدم اكتراث الحكومة للأصوات الدولية والإقليمية، وتحديدا مع زيادة الشعور بإن صورة إسرائيل لم تعد مهمة دوليا، ولم تعد تعني الحكومة كثيرا.
ويتابع: «هذا يعني أن يصبح الاستيطان أكثر خشونة والضغط سيزيد أكثر وأكثر على الفلسطينيين».
ويضرب الباحث أبو عواد مثالا يرتبط بقيام دولة الاحتلال بما يتعارف عليه «الضم الناعم» في مناطق «ج» في الضفة الغربية، ويقول: «ربما نجد أن الضم أصبح فعليا ورسميا، وربما تترجم خطط هدم 25 ألف منزل في نفس المناطق، بحيث تصبح جزءا أساسيا من دولة الاحتلال».
ويخلص أننا أمام المرحلة الأخطر في هذه المرحلة من الصراع في ظل التوجهات الإسرائيلية الجديدة.
زيادة الاستيطان
نقطة أخرى يتحدث عنها أبو عواد وهي تتمثل في أن الضرر الأكبر من قانون «إلغاء المعقولية» تتعلق بالفلسطينيين في الداخل المحتل عام 1948 حيث يمكن لكل وزير في الحكومة أن يتخذ قرارات بمعزل عن رأي المحكمة في كثير من القضايا التي تخص الفلسطينيين، وعليه يكون السؤال: «ما الذي يمنع الوزير ايتمار بن غفير من تكريس السيطرة على النقب، ما الذي يمنعه من زيادة الاستيطان في منطقة الجليل؟ ما الذي يمنعه من تهجير المواطنين في دولة الاحتلال تحت بند الإرهاب؟».
ويختم: «نحن في مرحلة أكثر خطورة من المراحل السابقة، فالصهيونية الدينية هي التي تقود الحكومة اليوم وتسيطر عليها، لدينا ثلاثة وزراء يعيشون في مستوطنات في الضفة الغربية، ولدى هؤلاء مخططات استيطانية ذات بعد أيديولوجي حيث يرون أن جبال الضفة الغربية هي دولة اليهود، وبالتالي الاستيطان فيها واجب شرعي».
وحول العمل فلسطينيا في مواجهة تداعيات الصراع الإسرائيلي الداخلي يقول الباحث ربايعة إن المطلوب وبشكل مباشر وعاجل، في ظل الحديث عن اجتماعات سياسية على مستوى الأمناء العامين في القاهرة، هو أن تشكل الأحداث في إسرائيل ناقوس الخطر، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى التعامل مع ما يجري على أنه فرصة في الوقت نفسه من أجل التعامل برؤية واضحة مع كل التحولات التي تشهدها دولة الاحتلال.
ويتفق ربايعة في أن المحكمة الإسرائيلية العليا كانت دوما أداة من أدوات تبييض الاحتلال، لكن التعديل القانوني يفقد إسرائيل هذه الأداة وبالتالي يفقدها الشكل الذي كانت تعتمد عليه في حضورها في الغرب وأوروبا، «بمعنى أن هذه ليست إسرائيل التي كانت تقدم نفسها بكثير من إدعاء الديمقراطية، وهو ما جعلها دوما مقبولة من النخب السياسية الغربية الحاكمة، وهو ما كان يبرر إمكانية تسويقها سياسيا ودوليا بشكل دائم».
وحسب ربايعة فإن خيارات الفلسطينيين ضيقة، أولها هندسة خطاب فلسطيني مواجه وواضح وجمعي، يقوم على تعريف المشروع الاستيطاني بشكله الحقيقي. فـ»نحن لا نقول إن هناك طرفا يقتل السلام وطرفا يعطي فرصة للسلام. بل يجب أن نقول إن هذه المنظومة الصهيونية، وخلال العقود الماضية، أثبتت عمليا وعلى الأرض أنه لا يوجد أي إسرائيلي يريد أن يعقد السلام مع الفلسطينيين».
ويقدم مفارقة في ظل حديث الفلسطيني عن انهاء الاحتلال وانقاذ الفلسطيني من المنظومة الاستعمارية التي أصبحت تقتل نفسها بنفسها، فما بال أثر الصراع الداخلي الإسرائيلي-الإسرائيلي على الفلسطينيين المستعمرين.
ويشدد على أن الخطاب الفلسطيني لا يجب أن يظهر في شكل وكأنه ينحاز نحو فئة على حساب فئة ثانية، فهذا أمر ثبت فشله، حتى عند الفلسطينيين بالداخل المحتل عام 1949 الذين أصبح لديهم عزوف كبير عن الانخراط بالعملية الديمقراطية أو عن المشاركة في المواجهة الحالية، فهي من وجهة نظرهم مسألة لا تعنيهم، فهي مواجهة حول الديمقراطية اليهودية، ولا تعني الفلسطينيين بأي شكل من الأشكال.
وكما تفعل حكومة نتنياهو في داخل دولة الاحتلال بالعمل طويل النفس من أجل خلق واقع جديد لا يمكن تغييره، فإن ذلك سينعكس على الفلسطينيين حتما، فمن خلال سياسات الاحتلال في الضفة الغربية، وفي التعاطي مع القضية الفلسطينية عموما يتجلى تجذير ذات الهدف الاحتلالي، فما يجري في الضفة قبل التعديل القانوني أصبح يتعزز ما بعده نحو خلق واقع على الأرض يصعب تغييره أيضا، مع فارق جوهري ووحيد يتمثل في أن ما يجري في الجوار (الضفة الغربية وعموم المناطق الفلسطينية) لا يختلف حوله طرفا الصراع الإسرائيليين.