بعد إلغاء حجة المعقولية: ماذا سيتبقى من المحكمة الإسرائيلية العليا؟

علي أحمد حيدر
حجم الخط
0

هل ستلغي المحكمة العليا الإسرائيلية القانون الخلافي «إلغاء حجة المعقولية»؟ وماهي انعكاسات ذلك على الصراع الدائر بين المعسكرين المتصارعين، وماذا سيتبقى من هذه المحكمة العليا في حال سريان مفعوله والفشل في إلغائه؟
لقد صادقت الهيئة العامة للكنيست يوم الإثنين 24 من شهر تموز/يوليو الجاري بالقراءتين الثانية والثالثة وبأغلبية 64 عضوا مقابل تغيب ومقاطعة المعارضة التصويت، على مشروع قانون أساس: القضاء (تعديل رقم 4) والذي بموجبه أبطل الكنيست حجة المعقولية، والتي يستخدمها الجهاز القضائي في إسرائيل منذ عشرات السنوات، من أجل تفحص ورقابة قرارات الحكومة ورئيسها ووزرائها.
من الجدير بالذكر بأن حجة المعقولية هي حجة مركزية في إطار القانون الإداري التي يستخدمها قضاة المحكمة العليا والمحاكم الإدارية كأداة رئيسية لممارسة الرقابة القضائية على قرارات الحكومة ووزرائها ورئيسها وقرارات السلطات الإدارية الأخرى، وكانت المحكمة العليا استعملتها عدة مرات من أجل إلغاء وإبطال قرارات لرؤساء حكومات ووزراء وآخرين، والقضية الأشهر والأبرز هي منع الحكومة تعيين كل من بنحاسي ودرعي كوزيرين نتيجة لتقديم لوائح اتهام ضدهما، كما يجب التنويه أن التعديل أقتصر في هذه المرحلة، على منع مراقبة الحكومة والوزراء وبقيت إمكانية استخدام حجة عدم المعقولية وتفعيلها ضد المنتخبين في السلطات المحلية والموظفين في القطاع العام كما أرادت الحكومة منذ الإعلان عن الانقلاب في شهر كانون الثاني/يناير الماضي.
إن إلغاء وتقليص حجة المعقولية سيحد بشكل كبير من إمكانات تفعيل الرقابة القضائية على الحكومة وسيكون من الصعب على قضاة المحكمة العليا التدخل في المسائل التي يتخذ فيها الوزراء قرارات من منطلقات اعتباطية، تعسفية، فاسدة أو متطرفة، ومنافية لحقوق الإنسان. وعلى الرغم من أننا نعتقد بأن نظام الحكم في إسرائيل ليس ديمقراطيا وإنما إثنوقراطيا يمنح الامتيازات للمجتمع اليهودي، إلا أن المجتمع اليهودي هو الوحيد الذي يتمتع ببعض مركبات النظام الديمقراطي بما في ذلك الحماية من قبل الجهاز القضائي.
من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن القوة الحقيقية لهذه الحجة ليست منوطة بتفعيلها من قبل الجهاز القضائي ولكن باستخدامها من قبل المستشارة القانونية للحكومة بشكل عام والمستشارين القانونيين في كل واحد من المكاتب الحكومية. حيث إنه كلما أرادت الحكومة، رئيسها أو وزراؤها اتخاذ قرار غير معقول بشكل واضح، كان بإمكان الاستشارة القانونية تحذيرهم ومنعهم من اتخاذ القرار بادعاء أن القرار لن يجتاز امتحانات المحكمة العليا. وبالرغم من أن تقليص حجة المعقولية يحد من صلاحيات المحكمة العليا وقدرتها على التدخل في قرارات الحكومة والمنتخبين في قضايا التعيينات وتحرير الموظفين وفصلهم إلا أن المحكمة العليا والمحاكم الإدارية الأخرى ستبقى قادرة على التدخل وكبح قرارات حكومية من خلال استخدام وسائل وأدوات وعلل قانونية أخرى متوفرة ومتاحة في القانون الإداري، مثل التمييز، الاعتباطية، عدم التناسب، تضارب المصالح، عدم توفر بنية متماسكة من الحقائق، عدم وجود نية حسنة، اعتبارات غريبة وغير موضوعية وعدم منح الحق بالادعاء.

هل تملك المحكمة العليا صلاحية
شطب قانون أساس؟

والسؤال الذي يطرح على أثر المصادقة على إبطال حجة المعقولية في إطار قانون أساس، وبعد تقديم عدة التماسات من قبل نقابة المحامين ومنظمات العمل المدني المطالبة بإلغاء القانون (سوف تناقش المحكمة العليا الإلتماسات في شهر أيلول/سبتمبر المقبل وكما يبدو من هيئة موسعة مكونة من 11 قاضيا) هل هناك صلاحية للمحكمة العليا تتيح لها إلغاء هذا التعديل؟ وخصوصا أنه حتى الآن لم يتم إلغاء أي قانون أساس من قبل المحكمة العليا، وباعتبار أن قوانين الأساس تشكل فصولا في دستور مستقبلي ومكانتها أرفع وأرقى من القوانين العادية بالرغم من أن عملية تشريعها لا تختلف عن القوانين العادية، ولذلك من الممكن تعديل قوانين الأساس القائمة أو سن قوانين أساس جديدة بسهولة.
بالرغم من عدم إلغاء أي قانون أساس حتى الآن إلا أن المحكمة العليا قد ناقشت عدة مرات، إمكانات التدخل بتعديلات قانونية في إطار قوانين الأساس، وقد أقرت مسوغين يتيحان التدخل في قرارات حكومية ولكن فقط في حالات نادرة ومتطرفة جدا، الأول: في حال أن التعديل هو «تعديل دستوري غير دستوري» بمعنى أنه يتعارض والمبادئ الأساسية لدولة إسرائيل كدولة «يهودية وديمقراطية». والثاني: في حالة استخدام الكنيست لصلاحياته كسلطة تأسيسية بشكل سيء» على سبيل المثال عندما يتم التحايل وتشريع قانون عادي بلباس قانون أساس أو عدم أستعمال قانون الأساس لحالات عامة بل لتقديم مصالح شخصية.
إن عدم إلغاء التعديل القانوني سوف يضعف الجهاز القضائي ويقيد حريته وصلاحياته ويمس بسلطة القانون ويستأنف على التوازنات بين السلطات الثلاث: التشريعية، القضائية، والتنفيذية، ويقوي السلطة التنفيذية على حساب السلطتين الأخريين وسوف يتعزز استبداد السلطة التنفيذية ويصبح رئيسها- نتنياهو في الحالة الراهنة- حاكما بأمره يفعل أو لا يفعل ما يحلو له. إن الانقلاب القانوني، يهدف إلى تغيير النظام السياسي، وحجة المعقولية هي حلقة أولى في إطار مخطط كبير وشامل يشتمل على سلسلة تتكون من أكثر من 160 قانونا في مجالات الحياة المختلفة تنوي الحكومة سنها.
إن إلغاء حجة المعقولية يهدف إلى إنقاذ بنيامين نتنياهو من الملفات القانونية والتهم الجنائية الموجهة له، تهم فساد خطيرة، من خلال إقالة المستشارة القانونية للحكومة وتعيين آخر مكانها يمكنه الإفلات من التهم الموجهة له. كما يساهم هذا الإلغاء إتاحة الفرصة لليمين المسياني الغيبي مواصلة الاستيطان والضم في الضفة الغربية المحتلة ولليهود المتزمتين الأورثوذوكس (الحريديم) الحصول على حكم ذاتي وفرض القيم الدينية على المجتمع الإسرائيلي، علما أن قطاعات واسعة منه ترى نفسها علمانية وتتمسك بقوة بمبدأ فصل الدين عن الدولة. من الجدير بالذكر، بأن المستشارة القانونية للحكومة والمستشار القانوني للجنة الدستور، القانون والقضاء أبديا معارضتهما للتعديل المقترح والذي يهدف إلى تقليص حجة المعقولية.

لا تنصف الفلسطينيين

نؤكد مرة أخرى ما قلناه أنه وبالرغم من أن المحكمة الإسرائيلية العليا والمحاكم الإدارية ليست من المحاكم المنصفة والعادلة في كل ما يخص حقوق الشعب الفلسطيني بشكل عام والمجتمع العربي الفلسطيني في الداخل بشكل خاص وتعتبر جهازا يعمل في خدمة السياسة والغايات الكبرى للدولة اليهودية ومنحها الشرعية، إلا أن قانون إلغاء حجة المعقولية في سياق وجود حكومة من أكثر الحكومات الإسرائيلية فاشية وتطرفا وعنصرية وفسادا يقلص إمكانية مراقبة وإبطال قرارات المنتخبين الذين توجههم في المقام الأول مصالحهم وتنفيذ برامجهم، ولذلك سيكون لهذه الخطوة تبعات وإسقاطات سيئة يترتب مواجهتها قانونيا، سياسيا وشعبيا لأنها بمثابة حلقة في سلسلة خطوات مقبلة تلغي الهامش الضيق جدا من الديمقراطية في النظام الإثنوقراطي. إذن هذا القانون هو إضعاف للمحكمة العليا الإسرائيلية وتمهيد للمزيد من انتهاك حقوق الفلسطينيين على طرفي الخط الأخضر.
على خلفية ما ذكر وخاصة ما يتعلق في الحسابات الإسرائيلية الداخلية ينتظر من المحكمة العليا التدخل الفوري وإلغاء التعديل المذكور، لكون القانون يعتبر «تعديلا دستوريا غير دستوري» ولأن البرلمان الإسرائيلي، الكنيست استخدم صلاحياته كسلطة تأسيسية بشكل سيئ. في حال عدم اتخاذ هذا القرار فستحكم المحكمة العليا الإسرائيلية على نفسها بالانتحار وسيبقى منها القليل، بناية حجرية جميلة مع قضاة أشبه بالدمى المتحركة والمنزوعة الصلاحيات خاصة أن الحبل على الجرار وهناك جملة من القوانين الرامية لتقزيمها مثل قانون الاستقواء، القاضي بترجيح كفة الكنيست على المحكمة العليا عند التناقض في الموقف في أي قضية جوهرية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية