لندن- “القدس العربي”: نشرت دورية “فورين أفيرز” مقالا لأستاذ التاريخ الحديث في جامعة بريستول، سايمون جي بوتر، حول بي بي سي وتراجع القوة البريطانية الناعمة. وقال فيه إنه خلال الحرب الأهلية، كان أهم مصدر موثوق للأخبار يأتي من مكان بعيد، فبعد تحول السودان لمحور حرب في نيسان/إبريل، أعلن “بي بي سي وورلد سيرفيس” أو خدمة “بي بي سي العالمية” عن بث إذاعي خاص للسودان “للسودان سلام” لكي يبقي المستمعين المحليين على معرفة بالوضع المتدهور في البلد وتوفير نشرات إخبارية بالعربية من لندن وعمان والقاهرة. واستخدمت القناة الدولية التكنولوجيا القديمة والحديثة جنبا إلى جنب: راديو بتردد قصير، وهو الوسيط المفضل للإذاعات الدولية منذ عشرينات القرن الماضي، وقرن هذا مع قنوات على وسائل التواصل الاجتماعي ورقمية.
وكان الهدف من وراء ذلك، حسب مدير الخدمة العالمية لبي بي سي هو تقديم “معلومات مستقلة واضحة في ساعة الحاجة”. ولغة كهذه تقوم على الخداع تعود إلى عشية الحرب العالمية الثانية، وهو أن بي بي سي تقوم بشكل خير وحيادي بتقديم الأخبار الحقيقية والموثوقة لمستمعيها حول العالم.
وفي عام 1999، وصف الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان بي بي سي بأنها “أعظم هدية قدمتها بريطانيا للعالم هذا القرن”.
وتبث الخدمة العالمية لبي بي سي حاليا بأربعين لغة وتصل إلى 365 مليون شخص كل أسبوع عبر الراديو والوسائل الرقمية الأخرى. وتعمل من خلال أكبر إذاعة بريطانية عامة. وبي بي سي هي من الناحية النظرية مستقلة، ويغطي عملها ميثاق ملكي يجعل محاسبتها للبرلمان وليس الحكومة وتمول من رخصة عامة والتي يجب على كل شخص في بريطانيا يراقب بي بي سي دفعها وبالقانون. وتزعم بي بي سي اليوم أن عدد المستهلكين لأخبارها حول العالم يصل إلى 500 مليون شخص.
وتحصل الخدمة العالمية على نصيب الأسد من المستمعين، ويمكنها الزعم وبمبرر أنها لا تزال تعلب دورا كبيرا في حياة الناس حول العالم.
ورغم أهمية الدور الذي تلعبه في أوقات التوترات الدولية إلا أن الخدمة العالمية وجدت نفسها في الفترة الأخيرة وسط مشاكل مالية. وفي أيلول/سبتمبر 2022 أعلنت عن تخفيضات واسعة في العاملين والخدمات لديها، مع إمكانية خسارة 400 وظيفة وخفضت الخدمات الإذاعية، مع استمرار الخدمات الرقمية، في عدد من اللغات الآسيوية. وفي كانون الثاني/يناير أعلنت بي بي سي عن وقف البث باللغة العربية بعد 85 عاما.
العداء لبي بي سي بين قطاعات بريطانية، بخاصة المحافظين الذين حكموا البلاد لأكثر من عقد، وضع الكثير من الضغوط على التمويل العام
بالنسبة للخدمة السريعة في السودان، فإن ذلك يعلم ضعفا وليس قوة في الخدمة العالمية وهو اعتراف بالضرر الذي تسببت فيه التخفيضات الأخيرة. وتتعرض الخدمة العالمية للخطر، ليس بسبب التخفيضات، فهي ليست تابعة للحكومة البريطانية أو هيئة بث حكومي ولكن من بي بي سي، نفس المنظمة التي توفر الاخبار والبرامج للجمهور المحلية. كل هذا يمنح الخدمة العالمية مصادر فنية ضخمة واحتياطات في المواهب وسمعة بي بي سي كإذاعة موثوقة. إلا أن التشابك بين البث المحلي والدولي يترك الخدمة العالمية مكشوفة. فالعداء لبي بي سي بين قطاعات بريطانية، بخاصة المحافظين الذين حكموا البلاد لأكثر من عقد، وضع الكثير من الضغوط على التمويل العام. ولأن بي بي سي تدفع معظم فاتورة الخدمة العالمية، فإن محاولات تخفيض التمويل العام لبي بي سي ترك أثره الضار على الخدمة العالمية. الحملة المحلية التي يقوم بها أعداء بي بي سي يعرض ما ينظر إليه كواحدة من أهم القوى الناعمة العالمية لبريطانيا للخطر.
ظلت العلاقة بين بي بي سي والحكومة شائكة وغامضة، فهي مستقلة عن القرار السياسي إلا أنها متعاونة معه. وأنشأت الحكومة البريطانية بي بي سي قبل قرن كجزء من سيطرة الدولة على كل الأخبار، واستمر الاحتكار للأخبار حتى عام 1955، وكانت له أسبابه المحلية، أي تجنب التصادم مع الصحف وعدم خلق جو فوضوي كالذي يميز الخدمات الإذاعية الأمريكية.
ظلت العلاقة بين بي بي سي والحكومة شائكة وغامضة، فهي مستقلة عن القرار السياسي إلا أنها متعاونة معه
وكان إنشاء إذاعة قوية في البلد، مدعاة لأن يلعب البلد دورا أكبر من حجمه في الميدان الدولي. وما بين 1932 عندما بدأت بالبث الدوري، على شكل إذاعة الإمبراطورية، أصبحت بي بي سي الخدمة الوحيدة في بريطانيا عندما يتعلق الأمر بالمستمعين في الخارج.
وفي ساحة بث إذاعي دولي، كان هناك دائما تعاون خلف الأضواء بين بي بي سي والحكومة. مثلا، طلبت وزارة الخارجية بداية 1938 من بي بي سي البث بالعربية لمواجهة الدعاية الفاشية بالعربية. وفي نفس العام بدأت بي بي سي بالبث بعدة لغات أوروبية، وبالتعاون أيضا مع وزارة الخارجية، ردا على دعاية النازية وطموحات هتلر المناطقية. وأدى اندلاع الحرب في أوروبا لتوسع خدمات بي بي سي وبتمويل مباشر من الدولة. وأصبح لها جمهور ومستعمون في المناطق المحتلة من العدو.
وبحلول عام 1944، قدر الغستابو عدد المستعمين لبي بي سي في ألمانيا النازية بحوالي 15 مليون شخص. واستمرت بي بي سي العمل أثناء الحرب الباردة كمقاول للحكومة، وبثت بـ 19 لغة بحلول 1946 بما في ذلك خدمة باللغة الروسية. ومع هذا الوقت لم تعد هناك الإذاعة الإمبراطورية، فقد كانت بي بي سي تدير عددا من الخدمات الخارجية التي شغلت حوالي ربع العاملين في الهيئة. وكان المستمعون لبي بي سي في الكتلة الشرقية يعرفون أو ربما فهموا أنها أداة للتأثير البريطاني، ومع ذلك اعتبروها أهم مصدر متوفر للأخبار، حتى لو لم تكن بي بي سي مستقلة بشكل كامل عن الحكومة. فالكثير من الخدمات الدولية كانت تحت سيطرة كاملة للدولة، وبدا هذا واضحا في المحتوى. إلا أن المفهوم الاسمي لاستقلالية بي بي سي ساعد في تأكيد زعم الحيادية والصرامة. وحصلت الهيئة على ثقة الجمهور المحلي، وهناك قلة من الدول التي أنشأت قنوات إذاعية لكي تدير عملياتها المحلية والدولية في نفس الوقت.
ففي الولايات المتحدة، قامت مؤسسات ممولة من الدولة مثل صوت أمريكا وراديو أوروبا الحرة بمحاولة اختراق الستار الحديدي ولكن بدون أن تكون جزءا من الإذاعات المحلية أو شبكات التلفزة. ولم تحصل القنوات الأمريكية المماثلة على نفس الثقة التي تمتعت بها بي بي سي. وطوال فترة الحرب الباردة وما بعدها حاول من أداروا الخدمة العالمية خدمة المصالح البريطانية والحفاظ على ثقة المستمعين. وأكدوا على استقلالية التحرير في الخدمة، ففي النهاية كان الموظفون في بي بي سي هم من يختارون ما يبث للجمهور، حتى لو قدمت لهم الحكومة معلومات ونصائح. فقد قدمت بي بي سي للمستمعين نقاشات حول الديمقراطية والجدال في الغرب وانتقدت بلطف الحكم الشيوعي، إلى جانب دق أسفين بين الاتحاد السوفييتي والدول الواقعة في مداره. وكانت بي بي سي مصدر الأخبار حول الأحداث في الكتلة الشرقية مثل الانتفاضة في هنغاريا عام 1956. وفي عام 1988 تم تسمية الخدمات الخارجية لبي بي سي تحت مسمى الخدمة العالمية وإخفاء الدور الذي لعبته بنهاية الشيوعية. وفي عام 1991 أثناء الانقلاب على ميخائيل غورباتشوف وسجنه في بيت ريفي “داشا” في القرم، ظل على معرفة بالأخبار من خلال إذاعة بموجات قصيرة واستمع للخدمة العالمية.
قدمت بي بي سي للمستمعين نقاشات حول الديمقراطية والجدال في الغرب وانتقدت بلطف الحكم الشيوعي، إلى جانب دق أسفين بين الاتحاد السوفييتي والدول الواقعة في مداره
إلا أن التشابك المحلي بين التغطية المحلية والدولية وضع ضغوطا على بي بي سي وعرضها لتأثير الساسة، ففي عام 1956 هدد انطوني إيدن، وسط أزمة السويس، بوضع الخدمة العالمية تحت سيطرة الحكومة، ونفذ الذين جاءوا بعده هذا الوعيد وخفضوا من التمويل، وحتى في وسط الحرب الباردة، مما أدى إلى قطع التمويل عن الخدمة باللغات الأجنبية. ولعبت الخدمة العالمية دورا مهما في إيصال الأجندة البريطانية أثناء الحرب الباردة. وقدمت برامج إخبارية لدعم الإعلام المحلي الديمقراطي والتعليم وفي دول الكتلة الشرقية وعالم الجنوب بعد سقوط الستار الحديدي. وأنشأت قنوات تلفازية ومواقع على الإنترنت، وزادت بعد هجمات أيلول/سبتمبر 2001 وما تبع من غزو العراق وأفغانستان من طاقتها في الشرق الأوسط وأفغانستان وعكست الأولويات للحكومة البريطانية. إلا أن بي بي سي لم تكن قادرة على حماية نفسها من التأثيرات المحلية، فخلال العقود الماضية حاولت مؤسسات منافسة وشخصيات إضعافها. ورأى رموز على جانب اليمين في السياسة البريطانية أن بي بي سي حدت من القطاع الخاص في صناعة الإعلام البريطاني وعبرت عن مواقف قريبة من اليسار.
لعبت الخدمة العالمية دورا مهما في إيصال الأجندة البريطانية أثناء الحرب الباردة
وزاد الهجوم على بي بي سي بعد عام 2010 حيث تمت محاولة تخفيض حجمها أو محوها بالكامل دونما اهتمام لما يمكن أن يحدث للخدمة العالمية وتأثير بريطانيا. وفي ذلك العام فرضت حكومة المحافظين – الليبراليين الديمقراطيين – تسوية صارمة على بي بي سي وسحبت التمويل الحكومي الذي منح لها منذ الحرب العالمية الثانية وقطعه بحلول عام 2014. ورأى مراقبون أن التحرك له دوافع سياسية وعكس العداء المتجذر داخل المحافظين للهيئة. وكانت النتيجة تخفيضات واسعة بحيث أجبرت على الخروج من مقرها التاريخ من بوش هاوس، والبحث عن مكان في داخل مقرات بي بي سي المحلية. وبالنسبة للبعض فقد كان هذا نهاية عهد وخسارة للمكانة. وفي عام 2015 تم حرف الأموال لدعم البث بالعربية والروسية ودعم مناطق جيواسترتيجية في آسيا وأفريقيا.
ويبدو أن الحكومة البريطانية موزعة بين العدوانية لبي بي سي محليا وما يمكن أن تقدمه الخدمة العالمية لها كقوة ناعمة تسهم في تشكيل ذهن المستعمين بشأن شؤون العالم كما تراها بريطانيا. وكانت النتيجة هي سلسلة من المساعدات المتقطعة والوقتية بدون النظر للمستقبل. ففي عام 2021، قدمت الحكومة مبلغ 10 ملايين دولار ولمرة واحدة لمساعدة بي بي سي في الحفاظ على هدف تقديم الحقيقة والمعلومات الموثوقة ومواجهة الأخبار الزائفة والدعاية الروسية والصينية. وفي عام 2022 قدمت الحكومة 5 ملايين دولار طارئة تهدف لتعزيز خدمات بي بي سي الموجهة للمستمعين في روسيا وأوكرانيا. إلا أن المعضلة للخدمة العالمية مستمرة، والحلول متعددة، قطع الحبل السري الذي ربطها مع الخدمة المحلية، بشكل يفقدها مظهر الاستقلالية عن الحكومة والاستفادة من مصادر القناة الأم، أو تحويلها لكي تصبح تحت سيطرة الحكومة، مما سيفقدها المصداقية ويحولها إلى إذاعة مثل بقية الإذاعات الدولية. وربما استمرت الخدمة العالمية في شكلها الحالي تعتمد على المعونات حسب الحاجة. وبالنسبة لبي بي سي وخدمتها العالمية فهذا وضع يضعف قوتها في زمن القوة الناعمة، فقد أعطت الهيئة بريطانيا الفرصة لكي تتصرف أكبر من حجمها على المسرح الدولي، وفي زمن التنافس الدولي وضخ المنافسين والحلفاء المال والمصادر تبخل الحكومة عليها. وربما ارتكب صناع السياسة فعلا تخريبيا ودمروا بطريقة غير مقصودة الأرصدة التي منحت الثقة لبريطانيا وحسن النية على المسرح الدولي ومنذ الحرب العالمية الثانية.