القاهرة ـ «القدس العربي»: تراجعت آمال المصريين للحد الذي أصبح تدبير ثمن عدة بيضات لتزدان بها سفرة المائدة في وجبة الإفطار أو العشاء حلما عسير المنال، غير أن أشد المصريين تشاؤما لم يكن يظن أبدا أن يصل الأمر ببني وطنه أن يجدوا “البصل” سلعة نادرة إذ تجاوز سعرها خلال الفترة الأخيرة في بعض الأسواق 25 جنيها.. وقد واصل الغلاء دهسه لأحلام المصريين خلال الأيام الماضية من غير أن ينجحوا في تفسير الأسباب، التي دفعت بهم لأن يسقطوا في سلم الحياة الاجتماعية، فيما يحذر خبراء اقتصاديون من أن الوضع مرشح لمزيد من التردي بسبب ما ينتظر العملة الوطنية من تحديات، إذ تنتظر الأسواق قرارا بشأن تعويم جديد للجنيه.
ومن أخبار البرلمان: طالب النائب أحمد بلال البرلسي، رئيس الوزراء مصطفى مدبولي باستثناء المحلة الكبرى والمدن الصناعية من انقطاع الكهرباء. وقال البرلسي: “مطلبنا يأتي في إطار حرصنا على دعم الصناعة الوطنية، بما يساهم في تغطية السوق المحلية وتقليل الاستيراد، ولزيادة الإنتاج والتصدير لتحقيق حلم 100 مليار صادرات، ما يعود بالنفع على الاقتصاد الوطني”. وتابع البرلسي: “استثناء المحافظات السياحية من خطة تخفيف أحمال الكهرباء، يأتي لكون هذه المحافظات مصدرا مهما للدخل، وإحدى الآليات التي تعتمد عليها الدولة في توفير العملة الصعبة، وتخفيف الأحمال عنها يؤثر سلبا في الاقتصاد الوطني”.
والمطلوب معاملة بالمثل بالنسبة للمحافظات الصناعية. ومن أخبار القضايا: تقدم المحامي هيثم عواد، وكيلا عن الخبير البنكي عبدالمجيد محمود المهيلمي، الثلاثاء الماضي، ببلاغ إلى لنائب العام ضد نائب رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي المصري يحيي أبو الفتوح، حول التصريحات التلفزيونية التي أدلى بها بشأن شراء الشهادات الإدخارية بالدولار، دون اتخاذ الإجراءات اللازمة بالتحري عن مصدرها. وذكر البلاغ “أدلى نائب رئيس البنك بتصريح قال فيه (لو معاك مليون دولار ادخل البنك واعمل الشهادة ومحدش هيقولك أنت جايب الفلوس منين)”. وأضاف “أثار الحديث جدلا كبير وواسعا داخل الشارع المصري، خصوصا إزاء التصريح بعدم السؤال عن مصدر تلك الأموال، وهو الأمر الذي يخالف القانون والدستور ويسيء إلى النظام المصرفي المصري ويضر بالاقتصاد الوطني، نظرا لما ينطوي عليه من مخاطر قانونية واقتصادية تتمثل في جرائم غسل الأموال، لعدم معرفة مصدر عملات النقد الأجنبي”.
بصلة وحيدة
صباح السبت الماضي، نبه زميل صحافي إلى أن سعر كيلو بصل الطبيخ المصري في أسواق قطر أقل من بلده وموطن زراعته. ونشر صورة فوتوغرافية من سوبر ماركت هناك تفيد ببيع الكيلو الواحد بـ 2.5 ريال قطري، أي نحو 21 جنيها و17 قرشا مصريا. وكما يقول كارم يحيى في “المشهد”، اتصلت بصديق في تونس العاصمة، وسأله، فجاءتني الإجابة بأن سعر البصل نحو دينار واحد، أي ما يساوي 10 جنيهات مصرية وعشرين قرشا. وعندما كنت مراسلا لـ”الأهرام” في تونس بين 2016 و2018 لاحظت أن أسعار الكهرباء والمياه وغاز المنازل، أرخص وأرحم من فواتيرها في شقة أسرتي المفتوحة في القاهرة. وحينها كان الدينار الواحد لا يتجاوز الخمسة جنيهات. وبالطبع التصدير للخارج يجري وفق مواصفات أجود واشتراطات أفضل مما يتاح للمستهلك المصري في بلده، تضاف إليه تكاليف الشحن لآلاف الأميال وغيرها، ولكن الأسوأ أن يشكو أهل البلد تدهورا غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة في الرقابة على أسواقنا ومنتجاتنا، وصل إلى حد تجاهل تاريخ الصلاحية، والكشف بوضوح وفي مكان واضح وبخط ظاهر عن وزن العبوة أو حجمها، ولو فوق عبوات شركات زيت شهيرة. وهذا لم يكن من قبل. السوق يفترس المصريين، تماما كما تفترسهم أسعار خدمات تحتكرها السلطة وأجهزتها، على الرغم من تدهورها. وهو افتراس بلا منطق ولا رحمة، وتحت حراب وسياط برلمان ليس برلمانا، وانتخابات ليست انتخابات، وصحافة ليست صحافة. أما وقد وصلت إلى “بصلنا” هنا، ومقارنة بأسواق قطر، فليس لنا إلا ضحك كالبكاء ودون الرقص على أغانيات حسين الجسمي، والاكتفاء بالهتاف بحماس هذه المرة: “مجنون يابصل”. ولا بأس من العودة للأمثال مع “تعديل غير دستوري” على غرار: “صام صام ولم يجد بصله يفطر عليها”.
أملنا في السماء
طالب عماد الدين حسين في “الشروق”، المصريين جميعا أن يدعوا ويبتهلوا ويصلوا إلى الله سبحانه وتعالى حتى تنخفض درجة الحرارة إلى 35 درجة مئوية. وقتها فقط سوف يتم التوقف عن خطة تخفيف الأحمال والعودة إلى النظام الطبيعي وعدم انقطاع التيار الكهربائي. هذه هي الخلاصة التي فهمتها من مجموعة الإجراءات الحكومية التي تم الإعلان عنها في الفترة الأخيرة، خصوصا يوم الخميس الماضي في مدينة العلمين، وصباح الاثنين الماضي، حينما أعلنت الحكومة الجداول الرسمية لخطة تخفيف الأحمال في المحافظات المختلفة. حتى يكون المواطنون على بينة من أمرهم ويعرفوا مواعيد انقطاع الكهرباء، وعندها يستطيعون التعامل مع الأزمة بأقل الأضرار الممكنة، خصوصا المأكولات الموجودة في الثلاجات. قد يسأل سائل: وما هي العلاقة بين درجة الحرارة وخطة تخفيف الأحمال وانقطاع التيار الكهربائي الذي صار يشكو منه الجميع؟ وجهة نظر الحكومة، أنه حينما تنخفض درجة الحرارة إلى 35 درجة مئوية فإن كمية الغاز والمازوت المتاحة ستكون كافية لتشغيل محطات توليد الكهرباء، الكافية بدورها لاستهلاك المصريين من الكهرباء، بالطريقة التي كانت موجودة قبل بداية الأزمة. وحتى لا تضطر الحكومة إلى تدبير المزيد من الدولارات لاستيراد الغاز والمازوت اللازمين لتشغيل المحطات. ومن الواضح أيضا أنه لكي نصل إلى مرحلة إلغاء تخفيف الأحمال وقطع الكهرباء، لا بد من أن يدفع كل طرف جزءا من الثمن. ويعتقد المواطن أنه الذي سيتحمل الثمن الأكبر المتمثل في انقطاع التيار الكهربائي وهو ما يعني مزيدا من المشاكل والأزمات بالنسبة له ولعمله ومأكولاته وطريقة حياته، بل خسارة يومية تقدر بحوالي مليار جنيه نتيجة تعطل الأعمال ووقف الحال، خصوصا في القطاع الخاص الذي يشغل حوالي 25 مليون مصري مقابل خمسة ملايين فقط في القطاع العام. المطلوب من المواطن أيضا أن يتحمل العمل من المنزل يوم الأحد طوال شهر أغسطس/آب، وقد يبدو ذلك راحة للموظف الحكومي، لكن للموضوعية راحة أكبر لتخفيف الأحمال الكهربائية والضغط على البنية التحتية المنهكة.
مزيد من الأعباء
سيكون مطلوبا من المواطن أيضا وفق ما يؤكد عماد الدين حسين، مزيدا من الترشيد في استهلاك الكهرباء في كل مجال، حتى لو كان إقامة الأفراح. فلا بد من الحصول على تصريح من الحي، وعدم سرقة التيار الكهربائي من الشارع العمومي، وإحضار مولد للإنارة، وإلا واجه عقوبات محددة. على أن تكون الإضاءة داخلية وليست بهرجة. على المواطن أيضا الالتزام بإغلاق المحلات والورش في الأوقات التي حددها القانون والقرارات المحلية ذات الصلة، فالمحلات والكافيهات تعمل من السابعة صباحا حتى الحادية عشرة ليلا وتمتد حتى الثانية عشرة ليلا في أيام العطلات، والورش تبدأ العمل من الثامنة صباحا. المساجد أيضا عليها ضبط التكييفات على 25 درجة فقط، وإغلاقها بمجرد انتهاء الصلاة. الحكومة عليها دور كبير يتمثل في تدبير الغاز والمازوت، سواء من الإنتاج المحلي، أو استيراد المتبقي، وهي أعلنت أنها سوف تتحمل 300 مليون دولار ثمنا للمازوت فقط خلال شهر أغسطس/آب إضافة للغاز الذي تدبره وزارة البترول لمحطات الكهرباء. الحكومة أيضا سوف تتحمل خطة ترشيد استخدام التيار الكهربائي في الوزارات والهيئات والمصالح الحكومية وكذلك في الشوارع والميادين، وأعلنت وزارة الحكم المحلي أنها تتابع بصفة دائمة ودورية الالتزام بهذه التعليمات حتى يتم تنفيذها بكل دقة، بل وصل الأمر إلى ضرورة أن تقام مباريات الكرة نهارا توفيرا للكهرباء. هذه صورة سريعة للأثمان التي سوف يتحملها كل طرف في الأزمة الحالية. وفي ظل صعوبة تدبير العملات الصعبة لتوفير الطاقة اللازمة لتشغيل المحطات، فليس أمامنا إلا الابتهال إلى الله أن تنخفض درجة الحرارة إلى 35 درجة فأقل، والتمني على الحكومة البحث في كل الخيارات المتاحة للإسراع بحل الأزمة بقدر المستطاع، وضرورة أن يكون الترشيد حقيقيا وتنفذه الحكومة قبل أن تطلبه من المواطن.
حلم إسرائيلي
لم يعد ما ذكره الكاتب الأمريكي توماس فريدمان بشأن صفقة الرئيس جو بايدن للتطبيع بين السعودية وإسرائيل خافيا على أحد، كما أشار سامح فوزي في “الشروق”، حيث ناقش جيك سوليفان مستشار الأمن القومي الأمريكي المسألة مع الأمير محمد بن سلمان ولي عهد السعودية، خلال لقائهما في جدة منذ أيام. وحسب موقع «أكسيوس» فإن رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي طار سرا إلى واشنطن قبل هذه الزيارة بأسبوعين، واجتمع مع سوليفان للغرض ذاته. الصفقة باختصار التي يروج لها: ضمانات أمريكية بالدفاع عن السعودية حال تعرضها لأي اعتداء، ومساندة في مشروعها للطاقة النووية السلمية، مقابل تطبيع مع إسرائيل، على أن تقوم الأخيرة بالتعهد بوقف الاستيطان، وعدم ضم أراضٍ فلسطينية من الضفة الغربية. بالطبع تدرك إسرائيل أن التطبيع مع السعودية ليس سهلا، فهي معبر مهم إلى العالم الإسلامي. الصفقة تبدو صعبة، ونشرت «الغارديان» تحقيقا شمل آراء العديد من الخبراء الأمريكيين الذين لهم علاقات، ويمتلكون معلومات عن الشرق الأوسط، وفي رأيهم أن بايدن ليس الرئيس المفضل بالنسبة للسعودية، مقارنة بسلفه دونالد ترامب، الذي وافق على حرب اليمن مئة بالمئة، ولم يفتح يوما ملفا شائكا مع الرياض، مثلما فعل بايدن منذ حملته الانتخابية، وما تلاها من مواقف سلبية، لم تنكسر حدتها إلا مع الاحتياج إلى النفط «منخفض الثمن» في أعقاب الحرب الروسية في أوكرانيا، وردت له القيادة السعودية الصاع صاعين عدة مرات، ولاسيما في الانفتاح على الصين، ومنح بكين موقعا أفضل في إجراء المصالحة الإيرانية السعودية. أما إسرائيل، فإن موافقة بنيامين نتنياهو على الصفقة الأمريكية قد يقود إلى انهيار حكومته، التي فيها عناصر يمينية متشددة، ولا يوحدها سوى موقفها المتطرف تجاه الفلسطينيين، فضلا عن أن الرياض لن تكتفي بوعود كلامية، ولكن باتخاذ إسرائيل سياسات جوهرية ملموسة على الأرض.
ثمنها باهظ
الصفقة التي يحدثنا عنها سامح فوزي ليست مستحيلة، إذ تدرك إسرائيل جيدا أن التطبيع مع السعودية له نتائج مهمة، وله أيضا ثمن ينبغي أن تدفعه. ففي عهد دونالد ترامب لم يكن وضع الفلسطينيين حائلا أمام إتمام الاتفاقات الإبراهيمية بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، وإن سارت العلاقات بين إسرائيل وهذه الدول بوتيرة متباينة. أما التطبيع بين السعودية وإسرائيل في عهد بايدن، فلا بد أن تكون القضية الفلسطينية حاضرة فيه، وليست بعيدة عنه. وتسعى الإدارة الأمريكية لإتمام هذه الصفقة، تمشيا مع موقفها العام المشجع على تطبيع علاقات إسرائيل مع جيرانها، وإدراكها أن التطبيع بين إسرائيل والسعودية قد يفتح الباب أمام علاقات بين إسرائيل ودول أخرى في المنطقة العربية وخارجها، فضلا عن أنه يغذي فكرة الشراكة مع دول الثقل المالي في الشرق الأوسط. بالتأكيد سوف تشهد مواقف أعضاء الكونغرس تباينا، بين جمهوريين لا يريدون للرئيس بايدن أن يكون له إنجاز خارجي مثل هذا، وديمقراطيين تشغلهم أسئلة عديدة منها حقوق الإنسان، وغيرها. الأنباء والتصريحات المحيطة بالصفقة الأمريكية في ازدياد، هل سوف تتحقق، أم تلحق بخطط أخرى حاولت إدارة بايدن ترويجها من قبل مثل، التحالف العسكري بين دول المنطقة في مواجهة إيران، الذي شهد نهايته مع زيارة بايدن إلى السعودية العام الماضي.
للمصحف أهله
وقائع تمزيق المصحف الشريف وحرقه في السويد يوم عيد الأضحى، وتكرار تدنيسه الأسبوع الماضي في الدنمارك والسويد، ليست الأولى ولن تكون الأخيرة في مسلسل غربي طويل وفق ما ترى الدكتورة منار الشوربجي في “المصري اليوم”: هي وقائع تكشف عن طبيعة المجتمعات التي تحدث فيها، لا عن الإسلام والمسلمين. فالإناء ينضح بما فيه. ومثلما لا يجوز الصمت عن مثل تلك الوقائع، فإنه لا يجوز أيضا أن تفاجئنا، ولا أن يظل فهمنا لا يتخطى حدود المعاصر من أحداثها. فما يُكتب في إدانة تلك الأحداث أكبر بكثير مما يكتب لمحاولة فهمها، التي هي أول الطريق نحو التعامل معها، فالحدث يمثل واحدا من تجليات منظومة فكرية تضرب بجذورها في عمق الثقافة الغربية، ولست أول من يشير لتلك المنظومة، وإنما أكتب هذه السلسلة لمجرد إنعاش الذاكرة الجمعية بتراث أكاديمي بالغ الأهمية يصعب فهم الحاضر دونه. فالسؤال الرئيسي هو: لماذا تتكرر تلك الأحداث مع المسلمين تحديدا، دون باقي الديانات، السماوية وغير السماوية؟ أين المشكلة بالضبط؟ ولا تجوز الإجابة عن هذه الأسئلة بخفة مؤداها أن منشأها أحداث 11 سبتمبر/أيلول ومثيلاتها في أوروبا، أو أن تلك أحداث فردية عنصرية ممقوتة، فنحن إزاء منظومة فكرية ومعرفية ترجع لما قبل ذلك بقرون. والأحداث الأخيرة كان أكبرها تلك التي جرت يوم عيد الأضحى. وباختصار، قام القضاء السويدي بإلغاء قرار للشرطة كان قد رفض طلبا بمنح التصريح بمظاهرة لعنصريين أعلنوا صراحة في طلبهم أنها مظاهرة «ضد القرآن» تهدف لحرق المصحف الشريف. وقالت المحكمة إن الشرطة ليس من حقها منع المظاهرة لأن القرار «يمثل انتهاكا للحق في التعبير»، ومن ثم انطلقت المظاهرة يوم العيد فقامت بتمزيق صفحات من المصحف ثم حرقها أمام المسجد الرئيسي في العاصمة ستوكهولم. وقيل آنذاك إن من ارتكب الجريمة من أصل عراقي. وكأن هذا التوصيف في ذاته يقلل من حجم الجرم الذي ارتكبه ويعفي المجتمع وصناع القرار من المسؤولية.
الإسلاموفوبيا
عاتب مسلمو السويد، كما أوضحت منار الشوربجي شرطة بلادهم لأنها لم تتخذ قرارات كانت من صلاحياتها قانونا بعد حكم المحكمة، وتخص الزمان والمكان، فالشرطة من حقها قانونا أن تحدد المكان الذي تسير فيه المظاهرة. فكان بإمكانها أن تجعله بعيدا عن موقع المسجد الرئيسي في المدينة. وكان من صلاحيات الشرطة أيضا أن تحدد للمظاهرة يوما آخر غير يوم عيد الأضحى. غير أن الأهم من هذا وذاك أن المسؤولين في السويد أو الدنمارك الذين اعتبروا حرق القرآن أو تدنيسه من باب «حرية التعبير» لم يشرحوا لنا لماذا لا يعتبرون الحركة العالمية «السلمية» لمقاطعة إسرائيل من باب «حرية التعبير»، ولماذا يجرمونها ويحظرونها؟ ومع ذلك يظل السؤال السابق مجرد انتقاد لما حدث ولا يشرح الفعل نفسه. والوقائع الأخيرة المتكررة ليست الأولى هذا العام، إذ سبقتها واقعة، يناير/كانون الثاني الماضي، حين سمحت السويد لسياسي دنماركي بتمزيق المصحف في ستوكهولم. مثلى مثل الكثيرين في مجتمعنا، أتفق مع الرؤى التي ربطت الحدث بظاهرة «رهاب الإسلام»، أو ما اصطلح على تسميته بالإسلاموفوبيا، وإن كنت أرى أن اختزال فهم الظاهرة في مجرد الإسلاموفوبيا يحد من قدرتنا على الإلمام بأبعادها، كون الإسلاموفوبيا ظاهرة حديثة نسبيا، بل إن المصطلح نفسه تم سكه في الألفية الجديدة، بينما المنظومة الفكرية تعود بنا قرونا للوراء.
للقلق مبرراته
شعوب الأرض قلقة لأسباب توجزها أمينة خيري في “المصري اليوم”: انتشار الحروب وتمددها هنا وهناك، استمرار مخاطر الجماعات الإرهابية المرتدية جلباب الدين وعباءته، ضلوع كتائب وميليشيات المرتزقة (على اختلاف مسمياتها) وانتشارها في ما لا يقل عن ثلاث قارات، مع تفاقم خطورتها في الأسابيع القليلة الماضية، حيث تضييق الخناق عليها في قارة أدى إلى توسع نشاطها في قارة أخرى، موجات الحرارة غير المسبوقة التي تضرب نصف الكرة الشمالي وتكشير المناخ عن أنيابه. ومؤشرات وأمارات تؤكد أن المقبل أسوأ، أزمة اقتصادية تضرب دولا عديدة مع توقعات بعيدة عن التفاؤل، لاسيما مع استمرار حرب روسيا في أوكرانيا، ذكاء اصطناعي آخذ في النمو والتوسع والتوغل وبدء مواجهاته مع البشر، حيث منافسات عنيفة وغير عادلة على مهن ووظائف عديدة وتدخل في الخصوصية وغزو الأدمغة التي يتخيل أصحابها المثبتون أمام الشاشات أنهم يملكون مقاليد أمورهم.. وقائمة دواعي القلق تطول. ويظل هناك جانب محلي للقلق، حيث كل شعب يحتفظ لنفسه بخصوصيةٍ ما في دواع قلقه. ومصر ليست استثناء. لدينا ما يقلقنا.. وهذا طبيعي. هناك ما يقلق كل أسرة وكل فرد لأسباب شخصية بحتة، وهناك ما يقلق الناس بشكل عام بسبب الظروف والأحوال.. وهذا طبيعي أيضا في كل عصر وزمان. وتقليص هوامش القلق أمر مهم للجميع، فهو يضمن قدرا أوفر من السلام الاجتماعي والأمن النفسي الشعبي، وكلاهما مهم للاستقرار. وتقليص هوامش القلق لا يحدث إلا بمعرفة أسباب القلق. قيام جهة متخصصة في البحوث والاستطلاعات بإجراء بحث ميداني عن أسباب القلق الحالي أمر مفيد جدا، ولا يضر أحدا، بل ينفع الجميع.. مع العلم أن هناك أسبابا للقلق لا يمكن علاجها أو تقليصها؛ لسبب بسيط وهو أنها تظل في علم الغيب، أو لأنها تستوجب تدخل وتعاون وتضافر كل الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، فمثلا القلق الناجم عن تغير المناخ وغضب الطبيعة وتكشيرها عن أنيابها وجميعها طال شعوب الأرض هو قلق لا يمكن للوزراء أو المسؤولين أن يعالجوه مهما بلغت قدرات الدولة من قوة ووفرة.. لكن القلق المقصود هنا هو الذي يمكن علاج أسبابه.. وإن لم يكن العلاج في الإمكان، فجزء من العلاج يكمن في اعتراف الطبيب بأن شكوى المريض ليست وهما وخيالا، بل حقيقة، لكن يصعب علاجها جذريا. أجرت مؤسسة «إبسوس» لأبحاث الرأي العام، بحثا قبل أسابيع عما يقلق العالم، وخرجت بالنتائج التالية: 41% من شعوب الأرض قلقون من ارتفاع الأسعار. التضخم يأتي على رأس مكامن الهلع. تغير المناخ وآثاره الواضحة للجميع تقلق العالم المتقدم أكثر من النامي، رغم أن الآثار تطال الجميع، لاسيما الشعوب الأكثر فقرا. الصراعات المسلحة تقلق البعض، بمن في ذلك البعيدون عنها، لأسباب إنسانية حينا، وخوفا من موجات اللجوء حينا. هذا على سبيل المثال. أعتقد أننا نحتاج بحثا شبيها، ولو من باب العلم بالشيء.
للمحظوظين فقط
كلما وقعت عينا طارق يوسف في “الوفد” على أخبار تزفها وزارتا المالية والتجارة والصناعة تخص حوافز للمصدرين، يطرح السؤال نفسه: لماذا الحوافز للمصدرين فقط؟ ليس هذا من قبيل الحقد أو الحسد؛ لأنني لا علاقة لي بطبقة المصدرين من قريب أو بعيد، ولكن كل ما أعلمه من تصريحات الدكتور محمد معيط وزير المالية أنها حوافز تشجيعية لزيادة جلب العملات الأجنبية التي أصبحت بالنسبة لنا طوق النجاة، ومن خلال متابعتي لدعم المصدرين وحوافزهم التصديرية قرأت تصريحا على لسانه يؤكد أن إجمالي ما تم صرفه للشركات المصدرة بلغ نحو 33 مليار جنيه من دعم الحكومة للمصدرين لأكثر من 2500 شركة، عبر مبادرات رد الأعباء التصديرية المتأخرة لدى صندوق تنمية الصادرات، التي بدأ تنفيذها في أكتوبر/تشرين الأول 2019 وحتى الآن؛ بما يؤكد التزام الحكومة بمساندة القطاع التصديري وتوفير السيولة النقدية للشركات المصدرة، رغم ما يشهده الاقتصاد العالمي من تحديات غير مسبوقة. ومن خلال الخبر تبين لي أن الحكومة ربما تنتظر في المكان الأقل أهمية، ولن أقول الخطأ؛ لأن الحكومة معذورة وتتشبث بأي أمل يضمن لها جلب العملة الصعبة، وموقع المصدرين يأتي في مرحلة ما قبل الشحن والتحويلات والصرف؛ لذلك نجدها تعاملهم ضريبيا بأفضل ما تكون المعاملة، وتتحسس خطاهم أينما ذهبوا وتخطب ودهم، لأنهم من وجهة نظرها الدجاجة التي تجلب لها العملات الأجنبية.
كعكة للأباطرة
واصل طارق يوسف أسئلته التي تكشف بعض أوجه الأزمة التي نعيشها: لماذا لم تبحث الحكومة عن مقعد لها بجوار المنتجين؟ ولماذا لم تخصهم بالحوافز نفسها؟ أو على الأقل تقتطع لهم من (كعكة أو عشرات مليارات) المصدرين جزءا صغيرا يوفر لهم بيئة خصبة للإبداع والتجويد، خصوصا أن المصدرين دون المنتجين لا يمثلون أية إضافة للتصدير أو جلب العملات الأجنبية، وليس كل منتج أو صاحب مصنع هو نفسه المصدر، والدليل على ذلك لو بحثنا في المجال الزراعي لوجدنا أن المنتجين يمثلون جميع مزارعي مصر، والمصدرين يعتمدون عليهم اعتمادا كليا في إنتاج زراعي خالٍ من المبيدات والمواد المسرطنة، كما أنهم يدققون في اختيار أفضل الأصناف المزروعة من الخضراوات والفواكه، ويتنافس الآلاف من المزارعين لنيل رضا شركات التصدير لشراء منتجاتهم بأسعار أعلى من أسعار السوق. ولا أدري هل طرأ في ذهن الحكومة كم يتكلف إنتاج منتج زراعي نظيف وخالٍ من المبيدات؟ وهل الحكومة تأكدت من وصول الأسمدة والبذور إليه؟ ولم يسطُ عليها أباطرة بيع الأسمدة في السوق السوداء؟ وثمة سؤال آخر يطرح نفسه: هل الحكومة ممثلة في وزارة الزراعة والمالية والتجارة والصناعة، فكّرت خارج الصندوق وعكفت على إنشاء كيان موازٍ للمجلس التصديري، يتعامل معه مجلس الوزراء والوزارات المعنية، كما هو الحال مع المجلس التصديري المنشأ طبقا لقرار وزاري؟ الإجابة: لم يحدث ذلك رغم أن قطاع الإنتاج الزراعي في أمس الحاجة إلى هذا الكيان، وهذا الدعم لكثرة مراحل الإنتاج، التي تبدأ من تأجير أو شراء الأرض وتمهيدها وزراعتها وريها وتسميدها ومقاومة الحشائش، واستخدام مبيدات آمنة غالية الثمن، وانتهاء بالجمع أو الحصاد، وخلال هذه المراحل لم نر الحكومة إلا في صرف الأسمدة إذا لم يسطُ عليها من يعرفون من أين تؤكل الكتف، ولكن تظهر الحكومة أثناء حصر الكميات المصدرة، التي اجتازت جميع المراحل السابقة؛ لتحصي وتقدر العملات الأجنبية التي ستدخل إليها، وصرف المليارات للمصدرين، أما المنتجون في هذه المراحل فيحافظون على المكاسب الهزيلة التي تضمن لهم الاستمرار على حساب أولويات كثيرة يسددها المنتج من عرقه ودمه وربما حياته بأكملها.
ثروة منسية
المصريون في الخارج هم جزء مهم من ثروتنا البشرية، التي تستلزم وفق ما أكد جلال عارف في “الأخبار” بذل كل الجهد للحفاظ عليها ومساعدتها في أن تقدم النموذج الأمثل بين كل الجاليات، وأن تواصل التقدم في عملها وأن تكون نعم السفير لمصر. والمصريون في الخارج – كما في الداخل – هم عشاق هذا الوطن في كل الظروف والأحوال. وهم مصدر دعم لعائلاتهم ولبلدهم الذي منحهم ما يستطيع من رعاية وتعليم مكنهم من النجاح في مجتمعات تحترم الكفاءة وحدها فأصبحت منهم علامات بارزة في كل المجالات.. وكلهم يريدون رد الجميل وتقديم ما يستطيعون لوطنهم، وما الرائع مجدي يعقوب إلا مثال لكثيرين من نوابغ المصريين في الخارج، وما يودون أن يفعلوه لمصر إذا أتيحت الظروف المناسبة. في المؤتمر الذي ينعقد الآن للمصريين في الخارج تطرح أفكار عديدة لكي تبقى الأواصر متينة بين من استقروا في أوروبا وأمريكا، وحققوا نجاحات باهرة هناك، ووطنهم الأصيل. وتطرح أيضا مشروعات لزيادة إسهام أبنائنا في الخارج في تنمية اقتصاد مصر. والمهم هو المتابعة وتقديم كل التسهيلات لكي يتم التنفيذ بأفضل صورة وفي أسرع وقت، ولتكون هناك نماذج لمشروعات ناجحة تدار بأفضل صورة لتكون بداية لمشروعات أكبر ولاستثمارات أكثر، ولرعاية من كل أجهزة الدولة للمصريين في الخارج وأبنائهم في دول المهجر. وتبقى قضايا العاملين في الدول العربية، وهي مختلفة عن قضايا الذين هاجروا لأوروبا وأمريكا وغيرها، هؤلاء يحتاجون لنهج مختلف في التعامل، ولاهتمام أكبر بحل مشاكل العمل اليومية، وبتصور أفضل لتأمين مستقبلهم بعد العودة للوطن. وهؤلاء هم مصدر أساسي لتحويلات المصريين في الخارج لعائلاتهم. كما يمكن أن يكونوا سندا أكبر للدولة لو حميناهم من تجار العملة ووفرنا لهم الاستثمار الأفضل لأموالهم، وطرحنا عليهم مشروعات بضمانات حكومية وبعائد مجز، كما فعلنا في مشروع التفريعة الثانية لقناة السويس. وزارة الهجرة تقوم بعمل جيد يتواصل منذ سنوات مع أبنائنا في المهجر، الجانب الآخر المتعلق بالعاملين من أبنائنا في دول الخليج والدول العربية يحتاج لجهد أكبر، ولفريق عمل مختلف ليتعامل مع قضايا مختلفة.
صاحبة الولاية
تقوم وزارة التنمية المحلية بجهود ضخمة في استرداد أراضي الدولة المستولى عليها، سواء بالزراعة أو بالبناء، وكانت بعض حالات الاستيلاء كما قال أحمد عبد التواب في “الأهرام”، قد استقرت منذ سنوات رغم مخالفاتها القانونية الصارِخة، وقد تحققت بالفعل إنجازات عظيمة، إلا أنها لا تزال في حاجة لمعالَجات إعلامية مختلفة، غير التغطيات التي تتابع العمل اليومي، الذي يُعلِن عما يحدث في كل حملة، عن أعداد المباني التي أزيلت ومساحات الأراضي التي جرى استردادها، إلخ، لأنه صار من المطلوب إتاحة المعلومات الكافية عن إجمالي الإنجاز للجمهور، الذي يحتاج أن تُعرَض عليه صورة كاملة عما خُطط له مما قبل البدء، وما تحقق منه مع تقدير مالي له، وما يتبقى، والمشروعات التي ستوظف فيها. هذا النوع من المعالَجات الإعلامية مفتقد حتى الآن، حتى في الصفحة الرسمية لوزارة التنمية المحلية، التي تسجل بعض المعلومات المهمة عن أن هذه العملية بدأت بناء على توجيهات من الرئيس السيسي في يونيو/حزيران 2017، وقد انتهت في أواخر يوليو/تموز الماضي حملات الموجة الـ21، التي استمرت ما بين 19 أبريل/نيسان و28 يوليو/تموز، تحت إشراف اللجنة العليا لاسترداد أراضي الدولة برئاسة اللواء حسن عبدالشافي مستشار رئاسة الجمهورية، وأن الحملات تُنفَّذ على مستوى محافظات الجمهورية برئاسة المحافظين، وبحضور مندوبي الجهات صاحبة الولاية، وباشتراك عناصر التأمين من الشرطة المدنية والقوات المسلحة. إن المعلومات المنشورة عن إنجازات الموجة الـ21 وحدها من الضخامة التي تثير فضول جمهور المتابعين لتذكر التفاصيل التي سقطت من الذاكرة عن الموجات السابقة، فقد أعلن اللواء هشام آمنة وزير التنمية المحلية أن الأجهزة التنفيذية في المحافظات نجحت على مدار مراحل الموجة الـ21 في استرداد 3.9 مليون متر مربع من جميع المحافظات، بعد إزالة 16 ألفا و317 مبنى مخالفا على أملاك الدولة، كما تمكنت أيضا من إزالة 4857 حالة تعدٍ على أراضٍ زراعية على مساحة 16 ألف فدان، بجانب إزالة 349 مخالفة استزراع سمكي بمساحة 2779 فدانا. المطلوب من وزارة التنمية المحلية، التي تنجز هذا العمل العظيم، أن توفر كل المعلومات للصحافيين والإعلاميين، الذين لن يتمكنوا من إنجاز عملهم بالشكل المأمول إلا بمعلومات دقيقة، وعليهم بعد هذا أن يتفننوا في صياغتها وإخراجها في أشكال تلبي فضول المتابعين.
أوضاعنا لا تسمح
يرى الدكتور أسامة الغزالي حرب في “الأهرام” أن من الواجب عليه أولا، أن يهنئ أبناءنا الناجحين في امتحان الثانوية العامة هذا العام يقول، على وجه الخصوص بالطبع أهنئ أبناءنا المتفوقين الأوائل في تخصصاتهم العلمية والأدبية. غير أن هذه التهنئة يتلوها عندي (لكن) كبيرة لقد كنت وما زالت أضع قضية التعليم على رأس اهتماماتي وأولوياتي على الإطلاق، لسبب بدهي للغاية، هو أن التعليم يمثل بالقطع الوسيلة الأساسية لإعداد وتجهيز القوة الأساسية لمصر، فمصر ليست بلدا وفيرا في موارده الطبيعية، فأرضه الزراعية محدودة بشريط ضيق على امتداد نهر النيل (إنها هبة النيل وفق القول الشهير لهيرودوت) وليست صناعاته وفيرة، إلخ ولكن قوة مصر الأساسية تتمثل في الإنسان المصري، ليس فقط بضخامته العددية التي تفوق المئة مليون نسمة، ولكن الأهم من ذلك بخصائصه الكيفية، التي تمثل امتدادا لأصوله الحضارية المغرقة في القدم. وبهذه الخصائص لعب المصريون دورا مهما في تنمية وتطوير بلدان العالمين العربي والإسلامي من حولهما. التعليم، والتعليم المتميز والراقي، هو الوسيلة الأساسية والأهم على الإطلاق لإعداد وتجهيز المواطن المصري. غير أن التعليم في مصر أصيب، منذ عدة عقود، بنكسات كبيرة، جوهرها ومظهرها الواضح والمؤسف، هو انتهاء دور المدرسة الأميرية العامة تماما، لنجد أنفسنا تدريجيا إزاء وضع طبقي كارثي، يتمثل في غالبية عظمى من الطالبات والطلبة أبناء الطبقات الفقيرة، مسجلين في مدارس لا يتعلمون فيها أي شيء، وتدفع فيها أسرهم دم قلبها مقابل دروس في مجموعات التقوية والسناتر. وأقلية من الطلاب القادرين الذين يتلقون دروسا خاصة – بالمعنى الحقيقي – في كل المواد، بدعم من أسرهم القادرة وعليكم فقط قراءة اللقاءات الصحافية مع الأوائل، الذين لفت نظري انتماؤهم كلهم إلى الطبقة الوسطى المتيسرة. إنني أتذكر أن أول أدبي على دفعتنا، كان ينتمى لأسرة رقيقة الحال في المنوفية، في وقت لم نكن نعرف الدروس الخصوصية إلا نادرا، ليصير بعد ذلك عميدا يشار له بالبنان للكلية التي التحق بها. التعليم اليوم في بلدنا أيها السادة يحتاج إصلاحا جذريا.