بغداد ـ «القدس العربي»: يواجه أعضاء في مجلس النواب العراقي، مخاطر عديدة، تهدف إلى الحد من نشاطاتهم السياسية ومنعهم من المشاركة في الانتخابات المقبلة على مستويي الانتخابات المحلية والتشريعية، حسب ما قال «المرصد العراقي لحقوق الإنسان» أمس الأربعاء.
وذكر في تقرير له أن هؤلاء النواب ينتمون إلى أحزاب ناشئة جديدة، وبعضهم لا ينتمي إلى أي كتلة سياسية ويُعرف بـ«المستقل» في إشارة إلى عدم انتمائه لأي حزب سياسي من الأحزاب التي شاركت في العملية السياسية منذ عام 2003، لكنه منضو في حزب سياسي ناشئ أو تجمع أو حركة انبثقت عن الاحتجاجات التي شهدها العراق عام 2019.
احتجاجات
وأغلب هؤلاء النواب أمثال علاء الركابي، ونيسان زاير، وسجاد سالم، ونور نافع، برز خلال احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر 2019 التي قتل فيها نحو 560 بين متظاهر وناشط وصحافي، وفقاً لأرقام أعلنها هشام داود مستشار رئيس الحكومة، السابق مصطفى الكاظمي.
وأخذت التحديات التي تواجهها هذه المجموعة من أعضاء البرلمان مساحة أوسع في الأشهر الأخيرة، وظهر بعضها للعلن، بينما لم تظهر أخرى خشية تداعياتها على البرلمانيين المستهدفين.
من ضمن هذه التحديات والمخاطر، إغلاق مكاتب، وإبعاد من اللجان البرلمانية المهمة، ومحاولات عرقلة نشاطاتهم وأعمالهم داخل مجلس النواب، وعدم الرد على مخاطباتهم الرسمية التي توجه لمؤسسات الدولة، وفقاً لمقابلات أجراها المرصد مع أعضاء برلمان ومدراء مكاتب.
وطبقاً للتقرير فإن أغلب هؤلاء النواب الذين رشحوا بشكل منفرد أو ضمن أحزاب سياسية ناشئة، لا يمتلكون «أي دعم سياسي من حزب كبير، أو جماعة مسلحة، ولم يمتلكوا النفوذ السياسي الذي تمتلكه القِوى التقليدية، وهو ما يضعهم في زاوية الاستضعاف من قبل كتل كبيرة لم يرضها وجودهم في مجلس النواب».
في (4 حزيران/ يونيو 2023) ظهر النائب عن محافظة بابل جنوب بغداد ياسر الحسيني، في مقطع فيديو، وهو يتحدث عن تعرضه وعائلته لاعتداء وتهديدات.
وقال في الفيديو الذي ظهر فيه: «منذ سنة ونصف السنة وأنا ساكت عن المساوئ التي تعرضت لها والفساد، لكن لن أسكت بعد الآن».
وأضاف: «لن أسكت عن أي شيء بعد الآن، وما أريده هو أن يواجهني هؤلاء الذين هددوا عائلتي».
وبعد أربعة أيام كتب الحسيني على حسابه الرسمي في «فيسبوك» يقول: «الآن تعرض مكتبنا في مدينة جبلة (تابعة لمحافظة بابل جنوب بغداد) الحبيبة إلى هجوم مسلح».
قال مصطفى سعدون رئيس المرصد إن «بعض هذه الاعتداءات تدخل ضمن الصراع داخل الدوائر الانتخابية، وأخرى تهدف إلى تقويض نشاطات برلمانيين برزوا خلال العامين الماضيين».
وأضاف: «لا يمكن أن تتحول المنافسة السياسية إلى اعتداءات وتهديدات وترهيب. يجب أن تقتصر على الآليات السياسية والقانونية وكل ما كفله الدستور العراقي» مبيناً أن «الذهاب في اتجاه استخدام السلاح والنفوذ ضد أعضاء برلمان لديهم تجربة سياسية ناشئة، يمكنه أن يقوض الديمقراطية في العراق ويُغلب لغة السلاح والقوة أكثر مما هي عليه الآن».
وترّشح هؤلاء النواب للانتخابات التشريعية التي أجريت في تشرين الأول/ أكتوبر 2012، بشكل فردي أو ضمن حركات ناشئة رفعت شعارات من احتجاجات 2019. ومن وصل منهم إلى مجلس النواب، كان عليه الاختيار بين البقاء مستقلاً أو الانضمام للقوى الكبرى الحاكمة أو موافقة مشاريعها على الأقل.
تحجيم قوى المعارضة
في (18 أيار/ مايو 2023) أغلقت قوة مسلحة تابعة لـ«الحشد الشعبي» مكتب النائب سجاد سالم في محافظة واسط. وسالم، من المعارضين لوجود الجماعات المسلحة، ودائماً ما يظهر في وسائل الإعلام ينتقد القِوى المتنفذة.
وقال للمرصد إن «التهديدات تهدف لتحجيم قوى المعارضة أو أي نائب يكشف ملف فساد متعلق بالقوى السياسية التقليدية أو الأحزاب التي تمتلك قِوى مسلحة» لافتاً إلى إنه «بعد أن فشل ملف إغراء بعض النواب وشراء ذممهم، صار التوجه الآن نحو تهديدهم بشكل مباشر أو تهديد عوائلهم أو حتى أعضاء مكاتبهم».
وبين أن «القِوى التقليدية والميليشيات والفصائل المسلحة، تعمل بكافة الوسائل غير الشرعية لتحجيم ومنع تنامي تيارات اجتماعية سياسية تهدف للتغيير».
مرصد حقوقي قال إن الهدف الحدّ من نشاطهم السياسي
ويسعى بعض هؤلاء النواب إلى تشكيل أحزاب سياسية تشارك في انتخابات مجالس المحافظات المقررة نهاية العام الحالي 2023، في محاولة لمنافسة الأحزاب الكبيرة التي كانت تسيطر على المجالس قبل أن يُعطل عملها في عام 2019 على إثر الاحتجاجات الكبيرة التي شهدها العراق آنذاك.
وقابل المرصد النائبة «المستقلة» عن محافظة ذي قار نيسان زاير الصالحي، التي شكت أيضاً من مخاطر وتهديدات «كبيرة» تعرضت لها منذ ترشحها للانتخابات حتى هذه اللحظة التي ما زالت تمارس فيها نشاطاتها في لجنة حقوق الإنسان النيابية.
وقالت نيسان زاير الصالحي: «تعرضتُ للتهديدات واعتدي على بيتي أربع مرات. في إحدى المرات كان الاعتداء بتفجير عبوة ناسفة وقنينة زجاجية (مولوتوف) ألحقت أضراراً مادية».
وأضافت: «بعد ذلك تعرضت لاعتداءات عديدة، ومحاولات تسقيط كثيرة. عندما ترشحت للانتخابات كانت التهديدات من داخل الدائرة الانتخابية التي ترشحت فيها، لكن التهديدات توسعت بعد التصويت على قانون الانتخابات الجديد».
وترى الصالحي أن الهدف من كل ما تعرضت له، هو منعها من الترشح للانتخابات مرة ثانية، أو منع ترشيح أي مقرب منها لانتخابات مجالس المحافظات.
ووفقاً للمرصد فإن «التهديدات والمخاطر التي يتعرض لها أعضاء برلمان لا ينتمون لكتل سياسية كبيرة أو جماعات مسلحة أو وصلوا إلى مجلس النواب بالترشح الفردي المستقل، تهدف إلى تقويض نشاطاتهم السياسية وإرغامهم على عدم الترشح في الانتخابات المقبلة أو منعهم من التحرك نحو ملفات خدمية أو سياسية أو أخرى متعلقة بشبهات فساد».
وعندما وصل هؤلاء البرلمانيون إلى مجلس النواب، واجه بعضهم محاولات عديدة من قِوى سياسية كبيرة تمثلت بـ«آليتي الترغيب والترهيب، فوقع بعضهم في فخ الترغيب، بينما واجه من امتنع الترهيب».
قال مدير مكتب أحد النواب «المستقلين» للمرصد، ورفض ذكر اسمه خشية تداعيات قد تحصل على إثر هذه التصريحات، إن «أعضاء البرلمان المستقلين الذين لم يسايروا القوى المشكّلة للحكومة ولم يوقعوا معها أبعدوا من عضوية اللجان النيابية، مثل النائبين سجاد سالم وناظم الشبلي».
وأضاف أن «النائبين ومن يشبه حالتهما لا يمكن لهم القيام باستجوابات برلمانية للمسؤولين التنفيذيين التي تتطلب 10 تواقيع على الأقل، كما لا ترد الوزارات التي يديرها وزراء حزبيون على استفساراتهم حتى، وكذلك الدوائر الحكومية التنفيذية».
وقالت نور نافع وهي نائبة «مستقلة» أيضاً إن «التعامل في مجلس النواب ومؤسسات الدولة مع النواب المستقلين فيه تمييز ويختلف جذريا عن التعامل مع نواب الأحزاب الكبيرة».
فيما بين محمد الشمري وهو مدير مكتب نافع إن «النواب المستقلين الذين حافظوا على استقلاليتهم يعانون الكثير من المضايقات والمعوقات أثناء تأديتهم أعمالهم النيابية».
وأضاف: «أغلبهم استبعدوا من رئاسة اللجان البرلمانية وهذه مخالفة صريحة للنظام الداخلي لمجلس النواب، والكثير منهم لا يُسمع لهم رأي ولا يتعامل معهم الوزراء المنتمون للأحزاب الحاكمة أو المقرّبة منها».
وأشار إلى أن «هذه المضايقات وصلت إلى التخويف والترهيب والتلويح بالطعن في عضويتهم أو تشكيل مجالس تحقيقية بحقهم ومنعهم من الحديث خلال الجلسات النيابية (29 ـ 30)».
قال الشمري إنه «أشر الكثير من الملاحظات على أداء رئاسة البرلمان في التعامل مع النواب المستقلين، على من تعاملها مع الأعضاء المنتمين للإطار التنسيقي والقوى الحاكمة الأخرى. القوى الحاكمة تسعى لإفشال هذه التجربة خوفاً من خطورة نجاحها على عملها السياسي المستمر منذ عام 2003».
وفي (27 تشرين الأول/ أكتوبر 2022) وخلال جلسة التصويت على حكومة السوداني، تعرض النائب علاء الركابي وهو أحد النواب الذين وصلوا مجلس النواب بعد مشاركتهم في احتجاجات عام 2019، إلى الضرب من قبل زملاء له ينتمون لـ«الإطار التنسيقي» وهو الكتلة التي شكلت الحكومة الحالية.
وقال الركابي في مقطع فيديو بثه خلال محاصرته في مجلس النواب حينها: «تعرضنا إلى الضرب من قبل أعضاء برلمان ينتمون للإطار التنسيقي، وكان معي النائب فلاح الهلالي وهددونا بالقتل وحياتنا في خطر ونحن محاصرون الآن في مجلس النواب».
وأكد المرصد أن «أعضاء البرلمان وبصرف النظر عن أدائهم، يمثلون ناخبيهم الذين أوصلوهم إلى مجلس النواب، وأن فرض لغة العنف والترهيب يمكنها أن تفقد ثقة المواطنين بالانتخابات المقبلة وتضعف نسب المشاركة فيها» معتبراً أن «سلوكيات العنف والترهيب ستمنع وصول أشخاص يحملون أفكاراً مغايرة لما يحملها أعضاء القوى الحاكمة، إلى مجلس الشعب (البرلمان) وستكون النتائج وخيمة في المستقبل مع تراكم هكذا سلوكيات».
وشدد في ختام تقريره على ضرورة «مغادرة سلوكيات العنف والترهيب واحترام الناخبين واختياراتهم التي عبروا عنها من خلال صناديق الاقتراع».