معاناة الأطفال في بلادنا لا تنتهي. طفولة مقهورة تضخ آلاماً وظلماً ومآسي. طفولة خرجت من معناها لتندرج تحت مرادفات الموت، والقهر والعناء والكدح. فقد قتلت الحروب في بلادنا، بالإضافة إلى المآسي الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، أطفالنا وشردتهم وجوعتهم وعذبتهم أشد العذابات وحرمتهم التعليم واللعب والتسابق مع الرياح وملاحقة الفراشات والعصافير. حرمتهم طفولة طبيعية تليق بعبق الحياة. لقد جردتهم من أدنى حقوق الإنسانية ليدفعوا ضريبة حروب الكبار ونزاعاتهم الكيدية المستمرة.
ففي سوريا، وخلال أكثر من عقد من الصراع، تعرض الأطفال الناجون من الموت لتجارب مؤلمة لا تعد ولا تحصى. منهم من فقد أحباءه وأفراد عائلته، جراء القصف والاشتباكات، ومنهم من أصيب بجروح جسدية خطيرة، وآخرون تأثروا بصدمات نفسية خلفها الخوف والقلق والتشرد والنزوح!
قصص كثيرة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي وتفاعل معها الآلاف، لما تحمله من وجع. قصص لا يمكن أن يسمعها المرء ولا يشعر بالهزيمة واللا جدوى والعجز. من بينها حكاية عامر، وجه طفولي يكسوه الغبار وقليل من الطين وتزيد من قهره بعض التجاعيد المبكرة. قد تكون خرائط من هم وآلام، ثيابه لا يغيرها أبداً وتبرز فيها أجزاء قطعتها قسوة الزمن.
ذلك الطفل المنهك، فقد إخوته الأربعة الكبار، أثناء قصف الطيران على مدينة حلب، ليجد نفسه المعيل الوحيد لأسرته الكبيرة، التي تتألف من أب مريض وأم مقعدة وأطفال صغار.
هكذا يستيقظ كل يوم في الصباح الباكر قلقاً، وهو يفكر كيف سيؤمن الطعام لأسرته، يجلس لبضع دقائق بمفرده، وهو يحسب كيف سيجمع ثمن أرغفة خبز تستحيل غداءً، يسد بها القليل من ذلك الجوع المتوحش. ثم يقف مهدود الحيل ليغسل وجهه بقنينة ماء. يفركه جيداً بيديه ثم ينشفه وكأنه يفرك آلامه ويشطفها بعيداً ليستيقظ من جديد على الحياة. وقبل أن يغادر منزله، ينظر إلى نفسه في مرآة صغيرة مكسورة. يسرح شعره بيديه الشاقيتين وبعدها، يستعيد قوته التي يستمدها من محبة أفراد أسرته وحاجتهم له. ولا يخرج إلى عمله قبل أن يقبل يد والده ويأخذ بركاته: «بابا أنا طالع على الشغل» فيجيبه والده: «الله معك.. الله يحفظك.. تروح وترجع بالسلامة.»
ثم يمشي إلى حرّاقة البترول، حيث يعمل في مصافي النفط البدائية المنتشرة في شمال سوريا. نعم إنها أبشع وأصعب الأشغال، حيث يتعرض الصغير للسموم، وكل أنواع الميكروبات. وقد اعتاد على عمله الشاق الذي بدأ به من عمر التسع سنوات.
إنه يجمع بيده ما حرق من مواد سامة، ويدخلها في كيس بكل إصرار وكأنه يرغب بتنظيف العالم من سمومه ووسخه ودنسه. يعمل في البرد القارص والحر الشديد مستخرجاً من جسده المنمنم قوة وعزيمة. يقول:
« بنزل للحراقة بلاقي من حواليها الفحم بفوت لجوا أنظفها وبنزل الحوض أشيل له الوسخ. وأتمنى إني أعيش عيشة إنسان طبيعي وأتعلم أقرأ وأكتب وبس.»
كلمته الأخيرة قاتلة «وبس». فهو لا يرغب بالكثير، ويطالب «فقط» بأدنى حقوقه: حق العيش بكرامة وحق التعليم.
حلم عامر، ابن 14 عاما أن يقرأ ويكتب، هو حلم صعب المنال بعد الدمار الذي لحق بالمدارس، وبسبب نقص الموارد التعليمية والفقر المدقع. ولا شيء يحقق ذلك سوى يد كريمة تنتشله من حياته البائسة وتنسيه آلامه ومعاناته الكبيرة، وتوفر له فرصاً جديدة، أو عجيبة إلهية تمنحه بعضاً من احتياجاته الأساسية كالتغذية الجيدة والرعاية الطبية والتعليم الجيد.
أطفالنا هم جزء أساسي من مستقبل البلاد، فكيف نغفو إن لم نجمع جهودنا للتخفيف من معاناتهم وتقديم الفرص الضرورية لنموهم وتطورهم كأفراد صالحين لبناء مجتمعات متماسكة؟!
شهم سوري!
من قصة حزينة إلى أخرى تبعث الفرح والفخر في النفوس. لقد انتشر مؤخراً فيديو لشاب سوري يروي حادثة ملهمة تجسد الأخلاق الرفيعة والتصرفات النبيلة. إنه يحمل في قلبه الحب والفخر لوطنه الجديد، مصر. البلد الذي استقبله وأحبه بعد هروبه من ويلات الحرب السورية. تلك القصة الجميلة، التي انتشرت بكثافة عبر منصات التواصل الاجتماعي، أضافت بهجةً إلى قلوبنا، وأكّدت أن العالم ما زال مليئاً بالخير، حتى في وجه التحديات الكثيرة.
كان الشاب يعبر الشارع، عندما لاحظ امرأة مسنة وحيدة، واقفة على ناصية الشارع أمام نفق مغلق بسبب تراكم النفايات المزمن. تجاوز الشاب المسافة بينهما واقترب منها بلطف ليسألها إن كانت في حاجة للمساعدة. أبدت المرأة العجوز احتياجها للانتقال إلى الناحية الأخرى، لكن حاجز النفايات الكثيرة يعيق طريقها.
هكذا انبثق نبل الشاب ورفقه نحو المرأة، فقد تأثر بحالها وشعر بواجب تجاهها وتجاه البلد، الذي رحب به بكل حب وود. بدأ في تنظيف النفق بكل تفانٍ وجهد، واستطاع تنظيفه كله بمفرده وأعاده نظيفا تماما وسالكا، ليرتاح قلب المسنة العجوز. لكنه لم يقتصر فقط على جمع النفايات، بل أظهر احتراماً ومحبةً لهذه المرأة التي التقته صدفة على الطريق. كان يناديها بكل محبة واحترام «يا أمي».
وبهذا الفعل النبيل، أراد الشاب أن يرسل رسالة واضحة: إن هذه الأرض هي وطننا جميعاً، ومن واجبنا الحفاظ عليها والعناية بها. وألصق ورقة صغيرة على جدار النفق كتب عليها: «إن النظافة تعكس شخصية المجتمع، فلنعمل جميعاً على الحفاظ عليها وتعزيزها، ولنكن قدوةً حسنة للأجيال القادمة».
إن هذه القصة المؤثرة تذكّرنا أن الخير ما زال حيّاً بيننا، وأن أفعال النبلاء والأفراد ذوي القلوب الطيبة، تجعل العالم مكاناً أفضل. تؤكد هذه القصة أن الأخلاق الحسنة والرحمة هما الأساس لترسيخ المحبة والسلام في قلوبنا، وفي هذا العالم التعب، الذي نعيش فيه.
كاتبة لبنانيّة