رحيل الشاعر زكريا محمد: لك الآن أن تستعيد السكينة!

عبد اللطيف الوراري
حجم الخط
0

تُوفي اليوم الأربعاء الموافق 2 أغسطس/ آب 2023 الشاعر والكاتب الفلسطيني زكريا محمد عن عمر ناهز الـ73 عاما. وبرحيله تفتقد فلسطين واحدا من أبنائها البررة ومبدعيها الكبار، فقد ظلّ مخلصا لذاكرتها وثقافتها وفنونها الحية بكتاباته وحفريّاته وأشعاره. وقد نعاه العديد من مؤسسات فلسطين الرسمية والثقافية، بما في ذلك الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين. وقال الأمين العام للاتحاد الشاعر مراد السوداني: «عاليا سرت أم طرت لسماء حرستك يا زكريا، تركت لنا التقاط الدمع عن مطارحك، وما علمت أننا سنتعب بحصادك والفراغ، ماذا عن صهيل الوادي بعدك، وعن حجارة الأناجيل، وحصى العبارة الناشفة، ومن لرموز الغارقين في الورى ما لم تكن أنت مفكك طلاسمها. واليوم زاد جرعته بغتة قاسية، برحيل زميلنا الإعلامي والباحث والشاعر الفذ زكريا محمد، رحل عن ضفافنا الواطئة، العازفة عن خضرة الابتسامات، الغارقة بغبار الوجع، الجارحة لصدورنا بحرمان لا يهدأ.»

مسار حافل

ولد الشاعر زكريا محمد في الزاوية في محافظة نابلس عام 1950، ودرس الأدب العربي في جامعة بغداد في العراق، وبعد تخرجه في عام 1975 انتقل للعمل في الصحافة محررا وكاتبا صحافيًا منذ الثمانينيات في منابر إعلامية وثقافية فلسطينية مختلفة في بيروت وعمّان ودمشق، أهمها مجلات «الحرية»، و»الفكر الديمقراطي». وفي عام 1994، عاد إلى فلسطين وتولى منصب نائب رئيس تحرير مجلة «الكرمل» التي ترأسها محمود درويش بعد عودته إلى فلسطين عام 1994. لكن حضوره الأبرز تمثل في كتاباته الأدبية والفكرية التي توزعت بين الشعر والرواية والميثولوجيا وأدب الأطفال، ومن أهمّ أعماله في الميثولوجيا: «ديانة مكة في الجاهلية: الحمس والطلس والحلّة»، و»مضرّط الحجارة: كتابُ اللقب والأسطورة» و»ذاتُ النحيين: الأمثال الجاهليّة بين الطقس والأسطورة»، و»نقوشٌ عربيّة قبل الإسلام، و»اللغز والمفتاح: رُقم دير علا ونقوس سيناء المبكّرة» و»نخلة طيء – كشف سر الفلسطينيين القدماء» (2003). وفي أدب الأطفال: «أول زهرة في الأرض» (2008) و»مغني المطر». وفي الرواية: «العين المعتمة» (1997)، و»عصا الراعي» (2003). كما صدرت له دواوين شعرية عديدة، مثل: «قصائد أخيرة» (1980) و»أشغال يدوية» (1990) و»ضربة شمس» (2003) و»حجر البهت» (2008) و»كشتبان» (2014) و»علندي» (2016) و»زرواند (2021. وقد نال الراحل نظير هذا الجهد الإبداعي والفكري الذي نذر له سنوات عمره، جائزة محمود درويش للثقافة والإبداع عام 2020.

شهادات عزاء

غسان زقطان: اليوم خسرت فلسطين شاعرا كبيرا ومثقفا شموليا
ومناضلا شجاعا، المشّاء الكشّاف العنيد، رفيق الأيام الصعبة ورحلة البحث عن الوردة، جمعتنا الأحلام وأخذتنا الطرق، كان بيننا دائما لقاء أخير لم يحدث.
أحمد الشهاوي: مات زكريا محمد
ويبقى منه شعرُهُ الخاص المتفرِّد وفكره الذي يخترقُ ويخلخلُ .مات صديقي المُتشكِّكُ في الحرف، المُتمهّلُ الحافرُ الباحثُ في ما وراء العوالم والأشياء.
زكريا محمد.. ذلك الاسم المُستعار الذي اختاره لنفسه وعاش صادقا حقيقيا فيما استعاره. زكريا لغة متقشِّفة وعالمٌ مدهشٌ، وقصيدةٌ مُجرَّدة من الأثقال. كان دافقا وذاهبا دوما نحو الأقاصي.
إسكندر حبش: كنت تَمَهل قليلا لترى صدور كتابنا المشترك. كنّا بحاجة إلى قليل وقت (بعد غيبتي القسرية لأسباب تعرفها) كي تعيد مراجعة النسخة الأخيرة قبل أن نرسله إلى الناشر (في رام الله). اتفقنا أن يصدر هناك عند ناشرك كما رغبت، وثانيا هي فرصة لي أن أعود إلى ما تبقى من البلاد ولو مجازيا، لكن هي الحياة، التي لا نفهمها في كثير من الأحيان، على الرغم من ملايين الكلمات التي كتبناها حولها. اتفقنا على أن نضع عنوان «وحيدا كعازف سولو» (العنوان المبدئي).. وها أنت ترحل اليوم وحيدا، كعازف كان وحده فوق خشبة المسرح، ليغادر قبل أن نطفئ الأضواء. كنت تمهل قليلا.. لنضع النقطة الأخيرة في الكتاب. لكنك كما عرفتك دائما، أردت أن تضع وحدك نقطة النهاية.. في هذه الحياة. إلى اللقاء زكريا… ثمة أرض لا بد أنها تنتظرنا.
صلاح بوسريف: لماذا صديقي ذهبت قبل أن نعبر إلى الضفة الأخرى من نهر الأردن، راجلين، كما كنا نسخر معا من عبث مشهد لا مسافة فيه بين ماء وماء. على نهر الأردن، تقاسمنا الطعنة الكبيرة التي اعتملت في ظهورنا. كنت الشااااااعر وستبقى، بكل الدهشة التي رافقت بها الشعر. وكنت الباحث في الرسوم والنقوش والكتابات القديمة، وفي النادر من الزهور والأعشاب، وما تظلل به الأرض عطرها من شجر وحجر. وداعاااااا زكريا، فلكل أجل كتاب، أو لكل كتاب أجل كما أحب أن أعكس الصورة صديقي.
رجاء غانم: لم أتصور أن تكون عودتي لهذه المساحة الزرقاء مرافقة لرحيلك يا زكريا. ولا أعرف ما يجب أن أكتب أو أفعل. ولكنني أتذكر الآن تفاصيل زيارتنا المشتركة إلى عمان. وكم تحدثنا مطوّلا حول الشعر والنباتات والزراعة والماء والآبار وأريحا. وكيف التقطت لك صورا أعجبتك كثيرا ولم أجد منها أي صورة الآن اللعنة على الصور فهي كل ما يبقى. لا أعرف ما الذي سأفتقده فيك أكثر، الشعر، أم الطبيعة والتناغم معها، أم قهوة الصباح الرايقة ع الآخر، أم قصص الزراعة والبصيلات وكيفية الاعتناء بها، أم الحيوانات التي لم أعرف شخصا رؤوفا بها مثلك. لم تعد تفاجئني الحياة يا زكريا ولكنها بموتك آلمتني كثيرا. مع السلامة يا صديقي. انطلق في رحلة مشيك الذي تحبه. وهذه المرة إلى المنتهى.
مبارك وساط: تُوفّي اليوم شاعر فلسطيني مُقتدر، هو أيضاً باحث في أساطير الجاهلية وديانات العرب إبّانها…
صلاح أبو لاوي: في زيارته الأخيرة لعمّان تواصلنا من أجل أن نلتقي، لكن الوقت لم يسمح بذلك، فلماذا رحلت قبل أن تعود كما وعدتني. زكريا محمد الشاعر والمقاوم يترجل بهدوء ويترك الحياة غير نادم عليها. رحمك الله يا صديقي فقد أديت الرسالة وظللت صلباً حتى النهاية.
سلطان القيسي: لماذا يرحل الشعراء الحقيقيون هكذا فجأة دائما؟
كان زكريا محمد حادّا في آرائه السياسية، كان لديه مواقف قريبة وأخرى غريبة مما يجري حولنا، لكن لم يجرؤ أحد على خوض نقاش في شعره، فهو شاعر خاص مختلف، وباحث عظيم ودقيق، كنت أنتظر أن ألتقيه، لأقول له هاتين العبارتين، لكنه اختار وجهة أرحب. وداعا زكريا محمد، أيها الشاعر الممتلئ بالريف ومفرداته، وبالتاريخ وحكاياته.
عباس بيضون: زكريا محمد، ليست آخر قصائدك. أمامك المستقبل.
صفاء سالم إسكندر: لكَ الآن أن تستعيد السكينة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية