لقاء ثقافي حول النقد الأدبي في عمان: الخطاب النقدي المعاصر ساهم في تأزيم العلاقة بين المبدع والمتلقي

حجم الخط
0

عمان ـ «القدس العربي» : اختار اللقاء الثقافي الشهري الذي تعقده دارة الفنون في العاصمة الأردنية عمان، موضوع «ازمة النقد الأدبي العربي» للحديث حوله، شارك فيه كل من نضال الشمالي وفيصل دراج وأدار الندوة غسان عبد الخالق.
وفي الندوة التي أقيمت بالتعاون مع جمعية النقاد الأردنيين بدأ الحديث فيصل دراج متناولا النقد الأدبي العربي الحديث في الأعوام 1850 -1950 موضحا: «لا تنفصل ولادة النقد الأدبي العربي الحديث عن ما يدعى بعصر النهضة، أو عصر التنوير الذي بدأت أفكاره بالتبلور في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. تأسس هذا العصر على جهود مثقفين درسوا غالبا في الغرب وفي فرنسا، أو اتيح لهم الاطلاع على الثقافة الغربية، بفضل تعلمهم بعض اللغات الأوروبية، ولأنهم كانوا ينقلون ثقافات غربية إلى مجتمعات عربية ذات ثقافة تقليدية، فقد حملت نصوصهم سمتين أساسيتين، الوضوح الصادر عن ثقافة غربية لم يتملكوها جيدا، والمزج بين شرح النقد الأدبي والأفكار التنويرية».
وحول أحد أهم نماذج المثقفين التنويرين، يقول دراج: «يمثل الفلسطيني روحي الخالدي نموذج المثقف التنويري، الذي لم يفصل بين النقد الحديث والحداثة الاجتماعية، فقد نشر عام 1904 كتابا بعنوان «تاريخ علم الأدب عند الإفرنج والعرب وفيكتور هوجو» من دون أن يضع عليه اسمه، مكتفيا بلقب «المقدسي» نسبة إلى القدس التي ولد فيها».
وأضاف: «ربط الخالدي في حديثه بين مفهوم النقد الأدبي والحرية، وفسر نهضة الآداب الفرنسية بالتحولات التي جاءت بها الثورة الفرنسية، مثلما شرح دور الاستبداد في جمود الآداب العربية. إلى جانب فكرة الحرية أكد على حوار الثقافات الإنسانية التي تسمح لطرف أن يتعلم من طرف آخر أكثر تقدما منه».
ولم يحصل النقد الجديد على شكله الواضح المتميز إلا مع ظهور مدرسة الديوان الممتدة من 1910- 1930 التي قامت على 3 اسماء شهيرة تكتب الشعر وتعمل على التنظير له، هي: عباس محمود العقاد، عبد الرحمن شكري، إبراهيم عبد القادر المازني. وتميز هؤلاء بأنهم ولدوا بعد هزيمة الثورة العربية الوطنية عام 1882 أمام جيش السيطرة الاستعمارية الإنكليزية، وبمعرفتهم الواسعة بالتراث العربي القديم عامة والتاريخ الشعري وقضاياه خاصة.
بينما تحدث نضال الشمالي في ورقته عن جهود النقد العربي، التي تجاوزت قرناً من الزمان، وبات في حاجة ماسّة للمراجعة الفاحصة، مع قناعتنا بصعوبة ذلك في ظل خريطة نقدية متعددة متنوعة تتأبى على الحصر والتصنيف والتقويم، وفي ظل فائض نقدي لا يتجاوز الشرح والتفسير، يتبناه نقاد نوعيون منهم المجدد ومنهم المقلد، وهو فائض عاجز عن مواكبة المشهد الإبداعي في كثير من الأحيان، وهذا يفاقم من أزمة هذا المشهد ويعيق الناقد عن القيام بمهامه.
ويتابع الشمالي حديثه: «لقد انقسم القائمون على المشهد النقدي العربي إلى تيارات متعددة، فمنهم من ناصب العداء للمناهج النقدية الغربية المستوردة، ومنهم من دافع عن الإنجازات النقدية الجديدة، من دون التشدد في ضبط المصطلح النقدي، ومنهم من أصرّ على الضبط الاصطلاحي للتقليل من هذه الفوضى والدعوة للتعمّق في فهم الحركات النقدية الجديدة».
وأشار الشمالي إلى الإيجابيات التي تحكم المشهد النقدي المعاصر وهي: أننا أمام جيلين من النقاد؛ متقدم زمنياً يقصد الاعتدال في طروحاته، ومتأخر مستغرق بنشوة الحداثة. ومن ذلك أيضاً ريادة بعض الجامعات العربية في ضبط الخطاب النقدي واتخاذ دور الموجّه الصارم. فضلاً عن الرغبة الدؤوب في استجلاء ما هو جديد في مجال النقد في العالم، ووصول بعض النقاد العرب مثل إدوارد سعيد إلى المشاركة في حركية النقد والفكر في العالم.
أما أبرز الإشكاليات التي شكّلت أزمة النقد العربي المعاصر ـ بحسب الشمالي – فتتلخص في انقسام النقاد في التعامل مع الحداثة بين الطواعية المطلقة أو الرفض المطلق. أما الذين قبلوا الحداثة فقد أغفل بعضهم فهم نظرياتها فلسفياً ومعرفياً، فنجدهم يحتفون بالنص بعيداً عن شروطه الثقافية والاجتماعية المتأصلة. ومن الإشكاليات أيضاً خروج بعض التيارات النقدية عن دائرة البحث في الجماليات الأدبية إلى سياقات غير أدبية. ومن ذلك أيضاً أن الخطاب النقدي المعاصر ساهم في تأزيم العلاقة بين المبدع والمتلقي، بسبب استخدام طرائق نخبوية لا تكفل التواصل إلا بين النقاد أنفسهم. فضلاً عن الوقوع في فخ التبعية للآخر وتبني فلسفات متناقضة.
ومن الإشكاليات التي توجه النقد العربي كذلك القطيعة بين المراحل النقدية، فنادراً ما تتم الاستفادة من المجهودات السابقة لبناء تصورات بديلة، مما يعني الانطلاق من خطابات نظرية جاهزة تختزل النظرية وتحولها إلى مجموعة من الإجراءات العمياء. كما أن جهود كثير من النقاد تعتمد على الهدم أكثر من البناء، وبداياتهم تكون من الصفر في أغلب الأحيان. كما أن كثيرا من الجهود النقدية تقع في فخّ فوضى المصطلح، مع العلم بأن المصطلح النقدي هو أساس في أي جهد علميّ منضبط.
واختتم الشمالي حديثه حول محاولة التخفيف من وطأة هذه الإشكاليات من خلال الترويج لفكرة عالمية النقد، على غرار عالمية الأدب عند الألماني غوته، لأن الحتمية التاريخية تفرض على الجميع الانفتاح على الآخر بشرط المحافظة على الهوية والخصوصية، ويكون ذلك بقراءة التراث النقدي قراءة واعية، والمواءمة بين الناقد والمنقود، وإعطاء الأكاديميين فرصتهم كأمناء على الفعل النقدي؛ لأن الجامعات ـ عالمياً ـ هي مصنع الفكر النظري في مجال النقد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية